هناك تحديات كبيرة في الأفق. فهناك العديد من الأسواق الصغيرة وستعتمد فرص النجاح على المدى الطويل جزئياً على قدرة الأسواق المختلفة على العمل معاً. ولكن أساسات البناء لجعل ذلك ممكناً موجودة بالتأكيد فلا شك في أن قوى السوق ستعمل على ضمان عدم وجود بدائل لتلك الأسواق سوى العمل معاً.
كما أن المنطقة تتمتع بخبرة متميزة في مجال الوسائل المالية الإسلامية، حيث ان دبي وقطر والسعودية والبحرين تتنافس جميعاً على تقديم المنصات لإصدار وتداول الصكوك. ويشكل هذا سوقاً عالمياً شهد نمواً هائلاً من 8 مليارات دولار عام 2003 إلى أكثر من 100 مليار دولار العام الماضي.
وفيما لا تزال البنوك التقليدية مترددة في منح القروض، وخاصة للمشاريع طويلة الأجل، فإن الصكوك تعد بديلاً جذاباً ومتاحاً. وبالنسبة لبعض المستثمرين فإن الصكوك تعتبر أصلاً أكثر قابلية للتنبؤ من أسواق الأسهم التقليدية.
ومن الأسواق الأخرى التي تشهد معدل نمو استثنائياً قطاع التأمين، حيث تم استثمار 1,1 تريليون دولار في مشاريع عالية القيمة في المنطقة، بينما تزداد الأصول المؤمنة بشكل هائل. وتتنبأ شركات التأمين بنمو سنوي من رقمين، مما قد يعني تضاعف حجم السوق الخليجي في السنوات الثلاث المقبلة.
ومن العوامل بالغة الأهمية في قدرة المنطقة على استقطاب التأمين والمكونات الأخرى في القطاع المالي هي جودة التشريعات. ففي العقد الماضي عملت الأسواق الرائدة في المنطقة على تأسيس جهات تشريعية مستقلة.
ففي قطر ودبي تقوم النظم التشريعية على أفضل الممارسات والتي تعمل المحاكم التي تعمل وفق المعايير القانونية الغربية على إنفاذها. أما في المملكة العربية السعودية فهناك استعداد حقيقي من قبل هيئة رأس المال للتشديد على التعاملات الداخلية. إلا أن الأسواق لا تزال ضعيفة قابلة للتطاير ومعرضة للتداول الداخلي.
ولكن لا شك في أن المشرعين ملتزمون بالتخلص من الممارسات السيئة، ويتزايد شعور المؤسسات الغربية بالثقة بالبنوك المحلية التي تتعامل معها والأسواق التي تعمل فيها.
والنتيجة واضحة فالبنوك والمؤسسات الغربية المدرجة في أسواق الأسهم ترسخ مكانتها وتتواجد بأعداد أكبر في منطقة الخليج، حيث أصبح لها تواجد فعلي وليس اسمياً وحسب. وهي تضيف المزيد من المصداقية والسلطة لكافة المراكز المالية في المنطقة.
كما أن خدمات الدعم، والتي تشمل المحاماة والمحاسبة والتحليل والاستشارات الإدارية فهي متواجدة في المنطقة بأعداد أكبر من أي وقت مضى، مستقدمة معها أفضل الممارسات العالمية. فأكبر الجهات العالمية في هذا المجال يرسلون للمنطقة أفضل موظفيهم.
ويماثل ذلك في الأهمية نمو المؤسسات المالية الإقليمية ذات الجودة العالية، والتي يمكنها الآن تقديم الخبرات اللازمة لإدارة طرح الاكتتاب الأولي العام وإصدارات السندات، ولا يجب اعتبارها بعد الآن مجرد أطراف تزود التمويل للصفقات التي ترتبها المؤسسات الغربية.
حيث يمكن في الواقع اعتبارها في مكانة تؤهلها للفوز بالفرص السوقية الجديدة كونها لا تمتلك الإرث والبنية التحتية التي لدى البنوك الغربية.
وفيما يمكن لتلك البنوك لعب دور أكثر أهمية، فقد أصبح بإمكانها استقطاب كبار العاملين الذين كانوا حتى الآن منجذبين إلى البنوك الغربية في المناطق الأخرى.
كما سيرتفع مستوى المهارات بشكل أكبر بفضل التزام الحكومات في البحرين وقطر بإيجاد جيل مستقبلي من العاملين في قطاع التمويل، وذلك بإنشاء مؤسسات متخصصة بالتعليم المالي، مثل قطر فينانس آند بزنس أكاديمي، والتي تهدف لأن تكون مركزاً يمنح مؤهلات عالمية في المنطقة وخارجها.
وسيكون من المفيد للمؤسسات في القطاع المالي محلياً وإقليمياً وعالمياً أن تحدد الطرق التي ستعمل من خلالها على تطوير مهارات ومواهب الموظفين في الوظائف المتوسطة والعليا في مجال الخدمات المالية، كما أن ذلك سيخلق علاقات عمل وثيقة مع المؤسسات التعليمية حول العالم، والتي تقدم التدريب والتأهيل للقطاع المالي.
ولقد قطع القطاع المالي في الخليج شوطاً كبيراً في فترة زمنية قصيرة.
فمنذ ثلاثة عقود فقط لم يكن هناك أكثر من مجموعة صغيرة من البنوك التجارية المحلية والمؤسسات العالمية التي تعمل في قطاع النفط.
وقد تغيرت الأمور جذرياً في السنوات القليلة الماضية. ومن خلال الاستثمار في إيجاد الظروف الملائمة لازدهار البنوك، فإن الحكومات تقطف حالياً ثمار جهودها، وأصبحت المنطقة الآن مقراً للمؤسسات المحلية والعالمية التي تقدم كافة الخدمات بدءاً من تجارة التجزئة وحتى الخدمات المالية المعقدة.
