أثر تردد البنوك المحلية والعالمية في الإقراض، إلى جانب تقليل الموازنات الحكومية، بقوة على تمويل المشاريع والإقراض لأغراض أخرى. وتم إصدار قروض مجمعة وسندات وتمويل مشاريع بقيمة 8 .22 مليار دولار فقط في الشرق الأوسط منذ بداية العام الحالي وحتى أغسطس، مقارنة بما مجموعه 5 .85 مليار دولار العام الماضي، وذروتها التي بلغت 9 .126 مليار دولار عام 2007. وكان لهذا الهبوط الحاد أثر بالغ على الشركات التي تعتمد على مشاريع البنية التحتية العامة والخاصة.

وأشارت ورقة عمل قدمها عبدالرحمن الشيبي العضو المنتدب في هيئة مركز قطر للمال خلال مؤتمر فاينانشال تايمز : إعادة التفكير بمستقبل التمويل والذي عقد بالعاصمة القطرية الدوحة مؤخراً إلى أن الضرر الحاصل في قطاع التمويل والشركات كان عميقاً ومنتشراً بشكل لا يمكن إنكاره، مما يعني الحاجة إلى عدة سنوات من الإصلاح، سواء بمساعدة من الحكومة أو بدونها. وبحسب صندوق النقد الدولي فإن قطاع التمويل العالمي يواجه خسائر في الموازنات بقيمة 1 .4 تريليونات دولار أي نحو 8 .2 تريليون جنيه استرليني بسبب ما يسمى بِ «الأصول السامة» التي انهارت قيمتها منذ بداية الأزمة الائتمانية.

وقد عملت حكومات كل من الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة وألمانيا والصين على ضخ حوالي 7 .1 تريليون دولار في اقتصاداتها من أجل تحفيزها على التعافي.

وفي الوقت ذاته انهارت أسماء وشركات كبرى من أمثال كرايزلر وجنرال موتورز وليمان براذرز وبير ستيرنز. كما تم الاستحواذ على ميريل لينش.

وإلى حد ما كانت منطقة الخليج منيعة أمام أسوأ تأثيرات تلك الأزمة المالية. وهي لم تتجنب الأزمة كلياً بالطبع ولكن الأثر من الناحية الاقتصادية الكلية كان قابلاً للسيطرة.

وبفضل إيرادات النفط والغاز في السنوات الخمس السابقة للأزمة فقد تمكنت دول الخليج من الاستثمار وتحقيق فوائض في الميزانيات. واليوم لا تزال أسعار المشتقات الهيدروكربونية مرتفعة نسبياً - إن لم تكن في نفس مستوياتها قبل عامين- الأمر الذي مكّن الحكومات أن تدعم الاقتصاد دون الوصول إلى حالة من العجز. ولكن قطاعي التمويل والشركات تأثرت بشكل كبير. فقد عانت البنوك العربية، كنظيراتها في الغرب، عند قطع خطوطها الائتمانية.

وكان على البنوك المركزية في الخليج والمؤسسات التمويلية الأخرى التدخل لدعم القطاعات المالية.

وكما في الغرب، فقد تعرضت أسواق الأسهم العربية لحالة عدم الاستقرار بشكل هائل. وقد تعلم المستثمرون المحليون درساً قاسياً بأن الأسواق ليست تذكرة ذهاب بلا عودة إلى عالم الثروة. ولكن التباطؤ العالمي كان له أثر آخر على المنطقة. فالأفراد والمؤسسات والحكومات في الشرق الأوسط لها حالياً حصص في الاقتصاد العالمي أكبر من أي وقت مضى.

واليوم فالشركات والمؤسسات المالية الخليجية تعمل على نطاق عالمي، والعديد منها يمتلك بعضاً من أكبر الشركات في العالم، في قطاعات الترفيه والشحن والعقارات والبنوك.

ومهما يحدث في الأسواق العالمية، سواءً كان إيجابياً أو سلبياً، فإن له صديً في مجالس الإدارة في المنطقة ككل.

وما زالت الحاجة موجودة للمزيد من الخطوات في منطقة الخليج، كما هو في الغرب، قبل أن تتعافى الاقتصادات بالكامل. فقد ارتفع الإقراض للقطاع الخاص في المملكة العربية السعودية بنسبة 4 بالمئة فقط خلال العام حتى شهر يونيو، مقارنة بنسبة 35 بالمئة في الاثني عشر شهراً السابقة على سبيل المثال. ولا تزال الشركات في المنطقة مدينة للمصارف بمبالغ طائلة.

وهناك فرصة كي يتمكن الاقتصاد العالمي من قطف دروس وعبر ما حصل. وهناك نقطتان في غاية الأهمية في هذا المجال. أولاهما هي أنه لا توجد دولة أو منطقة يمكنها تحصين نفسها ضد التباطؤ. فالاقتصادات، سواء كانت قائمة على الاحتياطيات الهيدروكربونية أو غيرها، تتأثر بما قد يبدو مشكلة تتمركز في منطقة ما. والنقطة الثانية هي أن علينا جميعاً التساؤل عن صحة الافتراضات السهلة التي نميل إلى اتخاذها عند الاضطلاع بالأعمال.

ففي أوائل العقد الحالي لم يفكر المستثمرون ملياً قبل شراء تلك الفرص التي تحولت فيما بعد إلى ديون سامة. وكان من السهل جداً على الشركات والمقترضين من الأفراد الحصول على التمويل من البنوك.

ولا يتمثل التحدي الذي يواجهه البنوك والمستثمرون فقط في نوع الأعمال التي يقومون بها، بل في التساؤل عن مكان عملهم والمراكز المالية التي تقدم لهم أفضل توازن من الفرص والأمان.

ويمكن التأكيد على أن المراكز المالية في الخليج ستوفر مجموعة من الخدمات والتشريعات والمؤسسات المالية ومصادر للسيولة تتمتع بإمكانيات منافسة نظرائها في الغرب مع مرور الوقت.

فأحجار الأساس موجودة. حيث ان منطقة الخليج مستقرة سياسياً وشهدت الأسواق انتصار الاقتصاد السوقي الذي يدفعه القطاع الخاص. وتتحول الدول في المنطقة، والتي كانت سابقاً تعتمد على الحكومة في تمويل التنمية، إلى اقتصادات سوقية.

كما أنها عملت على تنويع مصادر الإيرادات مبتعدة عن النفط ومتوجهة إلى مجالات أخرى منها الخدمات المالية. وتقبلت الحكومات الحاجة إلى الاستثمار في أسواق رأس المال النامية والمؤسسات التي تديرها.

ولا شك في الالتزام السياسي في كل من الدوحة والرياض وأبوظبي، حيث ان استعداد الحكومات للتصرف بالاستثمار في كل من الشركات التي تدير القطاع المالي، مثل بورصة قطر أو قطر إنشورانس سيرفيسيز أو في قطاع الإنشاءات الضخمة مثل مطار الدوحة الجديد أو الجسر الواصل بين البحرين والدوحة أو مشروع دبي مونوريل أو المدن الجديدة في المملكة العربية السعودية. وتعمل كل من قطر ودبي والمملكة العربية السعودية والبحرين على تطوير أسواق للأسهم والدين تدار بشكل احترافي ومستقل.

وتبدأ تلك الأسواق ببناء سجل إنجازاتها التي ستستقطب المستثمرين ومُصدِري الأوراق المالية. وقد حظيت تلك العملية بالمزيد من المصداقية من خلال مشاركة بورصات الأسهم العالمية، والتي يمكنها توفير الأدوات المالية الأكثر تطوراً. وتعتبر بورصة قطر مثالاً جيداً على ذلك. فقد أطلقت في أوائل العام بشراكة مع بورصة نيويورك يورونكست.