ابتكر تجار ذهب في دبي أساليب أعمال تعينهم على التعامل مع تراجع طلب المستهلكين الناجم أساسا عن صعود سعر المعدن الأصفر إلى ما يزيد على 1000 دولار للأونصة، وانخفاض أعداد المسافرين الأجانب نتيجة للأزمة المالية العالمية التي ألقت بظلالها القاتمة على السياحة ليس في دبي فقط بل في جميع دول العالم، وتنوعت الأساليب المبتكرة ما بين اتباع أساليب تسويقية لزيادة الحافز على شراء الذهب.

واعتماد نماذج أعمال مختلفة عن تلك المتبعة خلال أوقات ازدهار طلب المستهلكين، بل ذهب بعض التجار إلى حد اعتماد أسلوب «المقايضة العينية للذهب»، وذلك بمطالبة المستهلكين الراغبين في بيع الذهب، بأن يحصلوا على المقابل ذهبا وليس نقدا، وتذرع بعض التجار بعدم توافر سيولة نقدية لشراء الذهب من المستهلكين، وفي الوقت ذاته، عرض تجار تشكيلات من المجوهرات الذهبية تناسب أسعارها ذوي الدخول المحدودة، مع إبداء الحرص على مخاطبة الفئات العالية الدخل بعرض تشكيلات تتناسب مع أذواقهم وميولهم.

بريق الذهب

ويعتبر رائد بكر رئيس مجوهرات ليالي في حديثه لـ «البيان الاقتصادي» ارتفاع أسعار الذهب خلال فترة المناسبات أمرا عاديا وطبيعيا، مشيرا إلى أن هذا الأمر يحدث عادة في المناسبات والأعياد، كعيد الفطر والأضحى ومناسبة الديوالي عند الهنود،، حيث يزداد الطلب على المعدن الأصفر خلال هذه المناسبات، فلا شيء يعادل بريق الذهب وجماله وتأثيره في مثل هذه الأوقات، وتابع حديثه قائلا: يبادر الكثير من الناس إلى إهداء أهلهم وأصدقائهم وأحبائهم الهدايا الذهبية، ويخصصون مبلغاً من المال لتبادل الهدايا، وأنه مما لا شك فيه أن مثل هذه الهدايا الذهبية تحافظ على قيمتها على الرغم من الأزمات المالية التي قد تواجه الدول.

ويقر رائد يكر بوجود انخفاض في حجم مبيعات الذهب، وأرجع أسباب ذلك إلى توخي المستهلكين الحذر لدى شرائهم للذهب، وهو ما جعلهم ينفقون القليل من الأموال في مراكز التسوق، ويضيف رائد بكر سببا آخر يتعلق بإلقاء الأزمة المالية العالمية بظلالها على السياحة ليس في دبي فقط بل في جميع الدول الأوروبية، حيث تضرر هذا القطاع من جراء انخفاض أعداد المسافرين الأجانب، وبالتالي، وبحسب أقوله، عقد باعة الذهب آمالهم بشكل أكبر على مواطني الإمارات وعلى الوافدين.

تغييرات خطة الأعمال

وتحدث رائد بكر عن أبرز التغييرات في خطة أعمال شركة مجوهرات ليالي في التعامل مع تطورات أسواق الذهب، وتشتمل على عدد من الخطوات التي جرى اتبعاها، وتتمثل في التالي:

1- إجراء جرد شامل وموسع لكافة العمليات.

2- مراجعة خطط واستراتيجيات العمل مع عدم اتخاذ إجراءات فورية تؤدي إلى توقف العمليات.

3- حث طاقم العمل على اتباع تعليمات الإدارة وتنفيذ الخطط التي وضعت من أجل الارتقاء بمستوى كفاءة العمل والحفاظ على مستوى العمليات.

4- تقديم عدد من العروض لتشجيع الناس على اقتناء المجوهرات الذهبية، حيث ما زال الكثير منهم يعتبر أن الذهب هو الملاذ الآمن. حيث جرى تقديم مجموعة 1010 بمناسبة مرور 10 سنوات على تأسيس دار المجوهرات، وهي عبارة عن مزيج ما بين الذهب عيار 18 وأحجار الماس واللؤلؤ والأحجار الكريمة وتباع بسعر ثابت وهو 1010 دراهم فقط. وعلاوة على ذلك هناك مجموعات أخرى من المجوهرات تباع ب1010 دولارات أميركية أي بما يعادل 3700 درهم فقط. وبهذه العروض الجديدة سنستقطب أعدادا أخرى من العملاء.

5- طرح تشكيلات من المجوهرات تتناسب مع محبي الذوق الرفيع، وذلك بالنظر إلى أن هناك عددا من العملاء الذين لم يتأثروا بالأزمة المالية العالمية، ولكنهم يبدون حرصهم لشراء مجوهرات في الوقت الراهن. طرحنا مؤخراً باقة جديدة من المجوهرات لمحبي الذوق الرفيع، ومن المتوقع أن يعوضوا تناقص عدد السياح.

6- الاستمرار في اتباع خطة تستهدف تجديد 3 من أبرز متاجر الشركة حتى نبدو في حلة جديدة وأنيقة.

7- تأجيل كافة المشاريع التوسعية في الوقت الراهن.

رؤية محافظة

وعلى نفس المنوال، يصف فيروز ميرشانت رئيس شركة بيور جولد أسلوبه في مباشرة الأعمال بأنه يتسم بالبساطة الشديدة، لكونه ينهض على رؤية محافظة في إدارة الأعمال تنطلق أساسا من قاعدة الالتزام بما هو سار من قواعد وسياسات وأنظمة تتعلق بمباشرة الأعمال، فضلا عن تجنب الانزلاق في أي ممارسات تمت من بعيد أو قريب لأنشطة المقامرة.

بيد أن نظرته المحافظة في إدارة أعماله لم تحل دون قيامة بإدخال تغييرات جوهرية في استراتيجية أعماله، إذ أتخذ منذ عام وصنف عام مضى قراراً بتنويع أعماله من الذهب إلى الألماس، حيث قام بتقليص عدد المحلات العاملة في مجال المجوهرات الذهبية ليصل عددها إلى ما يتراوح بين 3 إلى 4 متاجر من إجمالي 55 متجرا في الإمارات، وتمتلك بيور جولد شبكة من المتاجر على مستوى منطقة الخليج تضم نحو 75 متجرا، وعليه، ركز القسم الغالب من متاجر بيور جولد على الأعمال المرتبطة بمجوهرات الألماس.

أما التغير الثاني الأكثر أهمية، فهو اتباع استراتيجية تسويقية تضع في حسبانها القوة التسويقية للمستهلك، وما طرأ من تغييرات على مفاهيم الاستهلاك كنتيجة للأزمة المالية العالمية، حيث صار المستهلكون أكثر حرصا وانتقائية في إنفاق أموالهم، وذلك نتيجة للخسائر الضخمة التي تكبدونها، وبالتالي، لم تتغير معدلات الإنفاق فحسب، وإنما تغير ذلك وعي المستهلكين الذين صاروا أكثر تفحصا لمجالات الإنفاق، وأكثر عناية في اختيار مجلات للإنفاق تحافظ على قيمة ثرواتهم.

وتعمل الشركة على جعل مجوهرات الألماس مناسبة لشرائح دخول ومهن وأساليب حياه متنوعة، بحيث تغدو مجوهرات الألماس موضع إقبال، ومواكبة في الوقت ذاته للتغييرات في الأسواق الناجمة عن تقلب أسعار الذهب، وبالتالي، استهدفت الشركة من خلال هذا النهج، زيادة شعبية مجوهرات الألماس بين شرائح متنوعة من المستهلكين.

ويتحدث فيروز ميرشانت عن هذا النهج التسويقي بقوله: نحن عرضنا منتجات تجمع بين روعة التصميم وجودة السعر، بحيث يكون سعرها قابلا للتحمل من قبل شرائح دخول متنوعة، إذ طرحنا خاتم ألماس يبلغ وزنه واحد قيراط بسعر 229,12 ألف درهم، وهو سعر تنافسي وقابل للتحمل، وعرضنا تشكيلة مجوهرات تمزج بين الذهب والألماس بسعر 2999 درهما، وطرحنا أيضا تشكيلة مجوهرات خلال شهر رمضان بسعر يبلغ 786 درهما.

ويتمثل التغير الثالث في فتح متاجر في السلاسل التجارية التي يرتادها الكثير من الزوار، وإغلاق متاجر أخرى في مواقع تعاني من ضعف إقبال الزوار عليها، أي إعادة توزيع مواقع المتاجر للتواجد في الأماكن التي يرتادها المتسوقون بكثافة، ويكشف فيروز ميرشانت عن هذا التوجه بقوله: قمنا بإغلاق ما يتراوح بين 7 إلى 10 متاجر في الأماكن التي يضعف إقبال المستهلكون عليها، وقمنا في التوقيت ذاته بفتح نفس العدد من المحلات في السلاسل التجارية العالية الأداء، ونحن بصدد افتتاح متجرين في شهر سبتمبر المقبل ونتطلع لفتح متجرين آخرين في أبوظبي عندما تلوح الفرصة، ومن ثم، حرصنا على مراعاة التوازن بين إغلاق متاجر وافتتاح متاجر أخرى جديدة صارت متاحة لي نتيجة للازمة المالية العالمية.

برامج تسويقية

وصنف عنان فخر الدين المدير العام للشرق الأوسط وتركيا بمجلس الذهب العالمي في معرض رصده لتأثير عملية التصحيح على تجار الذهب في دبي، بين فئتين من التجار، احداهما تأثرت بالتراجع والأخرى لم تتأثر، وشرح الفرق بين الفئتين بقوله: لم تتأثر مبيعات التجار الذين تمكنوا من وضع برامج تسويقية لتعزيز ولاء المستهلكين، واستفادوا من فترة الازدهار خلال السنوات الأربع الماضية في بناء علامات تراجعية قوية، وعلى الوجه المقابل، تأثر التجار الذين لم يتبعوا استراتيجية للنمو المستدام، ولم يتحوطوا ضد مخاطر تقلبات السوق، وبالتالي، فمن الطبيعي أن يخرج من السوق فئة الطالحين، وتستمر في البقاء والازدهار فئة الأقوياء.

وأستدرك في حديثه بقوله: يجب ألا نغفل حقيقة أن الأزمة الحالية برهنت على أن الذهب الملاذ الآمن للجميع سواء أكان على مستوى أفراد أو شركات أو مؤسسات ودول، ففي عام 2008، كان اتجاه المصارف المركزية نحو شراء الذهب أكبر من البيع، كما حققت مبيعات أسهم الذهب خلال العامين الماضي والحالي أرقاما فلكية.

حيث زاد الإقبال عليها في بعض الأسواق في أميركا الشمالية بنسبة تصل إلى 400%، وبالتالي، تعززت مكانة الذهب كوعاء استثماري، وفي مقابل عدم الاستقرار الذي ساد الأسواق، واتساع حركة تصحيح في أسواق الأسهم، وكان المشترون للذهب هم الوحيدون الذين حققوا ربحا صافيا يتراوح بين 4 إلى 5%.

وبالتالي، كان قطاع الاستثمار في الذهب هو الوحيد الذي حافظ على المكاسب والقيمة بل حقق أرباحا، ومن ثم، من الطبيعي أن يكون هناك توسع في الإقبال على الذهب خلال عام 2009، وهذا أحد أسباب ارتفاع أسعار الذهب، ولولا طفرة إعادة بيع الذهب القادمة من الصين لكانت الأسعار قفزت أكبر من ذلك.

وتطرق عنان فخر الدين في حديثة إلى ارتباط مسألة الطلب على المجوهرات الذهبية بالمناسبات، وشرح هذا الأمر قائلا: ان الطلب على المجوهرات الذهبية في العالم كله يعد بمثابة طلب موسمي مرتبط بالأعياد والمناسبات، ونظرا لخلو الربع الأول من المناسبات والأعياد، فان مساهمته في إجمالي قيمة المبيعات على مدار العام كله يعد محدودا، وتبلغ نسبة مقدارها 10% من إجمالي الطلب خلال العام كله، ولكن يصعد الطلب عليها خلال الربعين الثاني والثالث نتيجة لتعدد المناسبات خلال هذه الفترة من العام.

المستهلكون يقبلون على بيع الذهب المستعمل للاستفادة من صعود الأسعار

قدر تجار بأن الصعود الصاروخي في أسعار الذهب في دبي حفز المستهلكين على بيع مقتنياتهم الذهبية من الذهب الخردة أي الذهب المستعمل والذي يقوم العملاء ببيعه إلى التجار ومحلات المنتشرة في إمارات الدولة وتعتمد عليه الورش الصغيرة في تصنيع الحلي والمشغولات الذهبية. وأفادت أقوال بعض التجار أن حجم الذهب المستعمل الذي جرى تدويره منذ شهر أغسطس قد زاد بنسبة تتراوح بين 25 و 35%.

وقال جوي ألوكاس، رئيس مجلس إدارة مجموعة جوي ألوكاس للمجوهرات أن أعدادا متزايدة من المستهلكين يأتون إلى السوق بمجوهراتهم القديمة لكي يستبدلونها بتشكيلات جديدة. وفي التوقيت ذاته قدر سمير خارسا المدير العام لشركة «الإمارات جولد م.د.س.م» في حديثه مع موقع «مكتوب للأعمال» أن المصفاة تقلت ذهب خردة خلال الأسابيع الأخيرة بزيادة تصل إلى 25%.

وقد قدر تقرير صادر عن مؤسسة ائحس للاستشارات في مجال المعادن أنه من المحتمل أن يواصل المعدن الأصفر مساره الصعودي، مع إخفاق برامج التحفيز النقدي في إعادة تنشيط الاقتصاد العالمي. وفي السياق ذاته، تنبأ تقرير صادر عن بنك «سوسيتيه جنرال» أن يسجل المعدن الأصفر أرقاما قياسية جديدة خلال النصف الأول من العام المقبل، وأشار إلى أنه من الممكن أن يتجاوز السعر مستوى 1100 دولار للأونصه.

دبي ـ مجدي عبيد