توصل قادة الدول الصناعية والناشئة الكبرى العشرين الى اتفاق حول اثنين من المواضيع الرئيسية المطروحة للبحث خلال قمتهم في بيتسبرغ شرق الولايات المتحدة، وهما المكافآت المالية لمسؤولي الشركات المالية وضرورة الاستمرار في خطط انعاش الاقتصاد، لكنهم اختلفوا حول آليات إصلاح الأسواق وإعادة التوازن للاقتصاد العالمي. وتعهد رؤساء الدول والحكومات العشرين بتجنب سحب مبكر لتدابير تحفيز الاقتصاد طالما لم يتحقق انتعاش دائم.
وأوصوا بفرض سقف للمكافآت المالية يوازي نسبة محددة من الناتج الصافي للمصرف حين تهدد المكافآت بمنع تحقيق مستوى رسملة سليم. وهذا يعني عمليا ان تكون المكافآت متناسبة مع رقم اعمال المصرف، بشكل يتوقف على متانة الاصول الصافية للمصرف. وأوصت لجنة بربط مكافآت المصرفيين والمضاربين في السوق بأدائهم على المدى البعيد وليس على افراطهم في المجازفة، ما يوحي باعتماد نظام لدفع المكافآت بعد أجل. ودعت المجموعة البنك الدولي إلى العمل مع الوكالات المانحة لانشاء صندوق متعدد الاطراف لزيادة الاستثمار الزراعي في البلدان الفقيرة. وفي يوليو تعهدت بلدان بتقديم 20 مليار دولار على عدة سنوات لزيادة الاستثمار في الزراعة في أفقر بلدان العالم بهدف تعزيز الامن الغذائي بعد ارتفاع أسعار الغذاء الى مستويات قياسية العام الماضي.
وتشير المسودة الى أن المجموعة دعت أيضا الى مراجعة الاحتياجات الرأسمالية للبنك الدولي وبنوك التنمية الاقليمية بحلول النصف الاول من 2010. وقال رؤساء البنوك انهم سيحتاجون الى رأسمال جديد من الدول الغنية اذا استمر الطلب على القروض التي تقدمها البنوك بالوتيرة الحالية.
حالة الطوارئ
وقالت مجموعة العشرين إن الوقت لم يحن بعد لاعلان نهاية حالة الطواريء بالنسبة للاقتصاد العالمي ودعت إلى ضرورة الابقاء على خطط الانعاش الاقتصادي وتنسيق سياسات الخروج من الازمة.
واعلن قادة العالم ان مجموعة العشرين دولة متقدمة ونامية ستصبح ابرز منتدى اقتصادي عالمي مما يوسع النفوذ الاقتصادي ليشمل دولا ناشئة قوية مثل الصين والهند. وأطلقت الولايات المتحدة هذا الاعلان في الوقت الذي استضاف فيه الرئيس الأميركي باراك اوباما اول قمة عالمية في بيتسبرغ والتي شابتها اعمال عنف متفرقة عندما اشتبك محتجون مناهضون للرأسمالية مع الشرطة.
وجاء في بيان للبيت الابيض: اتفق القادة على ان مجموعة العشرين هي المنتدى الاول لتعاونهم الاقتصاد الدولي. واضاف البيان ان هذا القرار يتيح ضم دول ضرورية لبناء اقتصاد عالمي اقوى وأكثر توازنا واصلاح النظام المالي وتحسين عيش الاشد فقرا.
مجموعة الثماني
وكانت مجموعة الثماني التي تضم الدول الغنية فقط وهي بريطانيا وكندا وفرنسا والمانيا وايطاليا واليابان وروسيا والولايات المتحدة، هي المنتدى الاقتصادي الرئيسي لعقود وكانت تعقد مؤتمرات قمة سنوية يرقبها العالم عن كثب.
ويأتي الإعلان الجديد في الوقت الذي توصل فيه قادة مجموعة العشرين الى اتفاق لتشديد الانظمة المالية بعد الازمة المالية التي شهدها العالم العام الماضي، في حين اشارت الصين الى ان الدول الناشئة ستمنح مشاركة اكبر في صندوق النقد الدولي.
وتعهد قادة مجموعة العشرين بالعمل معا من اجل اصلاحات شاملة في صندوق النقد الدولي كما ان هناك توافقا على ضرورة معالجة اختلالات التوازن في حقوق التصويت، الا ان بعض الدول الاوروبية تخشى من ان تفقد نفوذها. وبالنسبة للبرازيل والصين والهند وغيرها من الدول الناشئة من المهم تحقيق اختراق في المفاوضات في بيتسبرغ حتى يمكن لصندوق النقد الدولي المصادقة على اصلاحات في اجتماعه السنوي الذي سيعقد في اسطنبول في السادس والسابع من اكتوبر.
وشابت افتتاح المؤتمر حوادث عنف منفصلة حيث تحدت جماعات صغيرة مناهضة للرأسمالية تحذيرات الشرطة بعدم التوجه الى موقع المؤتمر. واطلقت الشرطة بخاخات الفلفل والعيارات النارية المطاطية ونشرت السماعات التي انطلقت منها موجات صوتية مزعجة للغاية لتفريق المتظاهرين الشبان. وقالت الشرطة انه تم اعتقال 15 شخصا.
تحول مهم
وقال رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون ان الزعماء سيجعلون من مجموعة العشرين المجلس الاقتصادي الرئيسي في العالم. وقال براون الموجود في نيويورك لحضور اجتماع الجمعية العامة للامم المتحدة ان قادة المجموعة سيجتمعون بشكل دوري وستتولى كوريا الجنوبية رئاسة المجموعة العام المقبل.
وتعقد المجموعة اجتماعين في 2010 في كندا ثم في كوريا الجنوبية. وقال مصدر في الوفد الفرنسي: سنبحث في 2010 التصور الجديد لمجموعة العشرين وما هي الدول التي يجب ان تكون في عضويتها ودورية الاجتماعات.
وسنة 2011 ستكون سنة تطبيق النظام الجديد. ومن المقرر عقد قمة لمجموعة الثماني من 25 الى 27 يونيو في هونتسفيل في كندا ولا شيء يشير الى الغاء هذه القمة.
وكان مسؤول في احدى دول مجموعة العشرين اكد ان مجموعة الثماني لن تزول. اما بشأن مجموعة 14 التي يدعو اليها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي فان الوفد الفرنسي اشار الى أن فرنسا كانت لديها هذه الفكرة وهي فكرة جيدة. وفرنسا اعتبرت ان مجموعة الثماني ضيقة جدا وان مجموعة العشرين ليست بالضرورة التركيبة الجيدة.
قواعد السوق
وقال روبرت جيبز المتحدث باسم البيت الابيض إن اصلاح القواعد المنظمة للاسواق المالية تصدر جدول اعمال القمة لكن معالجة الاختلالات في الاقتصاد العالمي سيكون لها أولوية ايضا.
وحاول جيبز تهدئة المخاوف التي أبدتها المستشارة الالمانية انجيلا ميركل من أن مبادرة أميركية لاعادة التوازن الى الاقتصاد العالمي تنطوي على خطر تشتيت انتباه قمة مجموعة العشرين بعيدا عن الحاجة الملحة لتنظيم السوق.
وأوضح جيبز: لا اعتقد بأي حال ان كلا منهما منفصل تماما عن الاخر. من البديهي ان يكرس الرئيس الكثير من الوقت في الخريف لاصلاح قواعد تنظيم الاسواق. وسئل جيبز ما هو البند الاكثر حيوية الذي يتطلب اجراءات من مجموعة العشرين فأجاب: بصراحة تامة أعتقد انه سيكون اصلاح القواعد المنظمة للاسواق. وقال جيبز ايضا ان من الضروري ان يحدث تنسيق بين الاقتصادات العالمية بشأن القواعد المالية.
وحذرت المستشارة الالمانية أنجيلا ميركل من أن مبادرة أميركية لاعادة التوازن الى الاقتصاد العالمي تنطوي على خطر تشتيت انتباه قمة مجموعة العشرين في بيتسبرج بعيدا عن الحاجة الملحة لتنظيم السوق. وتوحي تعليقات ميركل التي ادلت بها في برلين بتوترات بين أكبر اقتصاد وثالث أكبر اقتصاد في العالم.
وتريد الولايات المتحدة من دول مجموعة العشرين الالتزام بالحد من اعتماد العالم على المستهلكين الأميركيين عن طريق تعزيز الاستهلاك في البلدان المصدرة مثل الصين مع تشجيع الدول المثقلة بالديون مثل الولايات المتحدة على زيادة المدخرات. لكن لا توجد خطة لكيفية تحقيق ذلك.
وقالت ميركل: أوضحت أنه ينبغي ألا نبحث عن قضايا أخرى وننسى تنظيم الاسواق المالية، الاختلالات مسألة مهمة. يجب أن تكون الاختلالات وكل الاسباب المحتملة في جدول الاعمال. ويشمل هذا أسعار الصرف.
وقالت ميركل إن الدول الرئيسية في العالم تحرز تقدما في الاصلاح المالي لكنها حذرت من احتمال تلاشي قوة الدفع. وشددت على أنه ينبغي لمجموعة العشرين التي تضم اقتصادات غربية كبيرة الى جانب قوى صاعدة مثل الصين والبرازيل ألا تتفادى اجراءات قد لا تحظى بالقبول في أوساط القطاع المصرفي حيث بدأت الازمة الاقتصادية.
واوضحت: ينبغي أن نتأكد من تعلمنا دروس الازمة وأن نتأكد من عدم تكرارها. بيتسبرج ستكون حاسمة في تحديد ما اذا كانت مسألة تنظيم أسواق المال ستظل قضية مركزية. وطالبت ميركل الساسة بالتحلي بالشجاعة للقيام بأشياء لن تحظى بترحيب فوري من البنوك في أنحاء العالم.
تحول
وداعاً مجموعة السبع
تحل مجموعة العشرين للاقتصادات العالمية بشكل دائم محل مجموعة السبع لمناقشة القضايا الاقتصادية. وعقدت مجموعة السبع التي كانت تلتقي وروسيا منذ تسعينيات القرن العشرين تحت مسمى مجموعة الثماني اجتماعات سنوية على مدار 30 عاما مضت. وتضم المجموعة كبرى الاقتصادات المتقدمة في العالم ، وهي بريطانيا وكندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والولايات المتحدة.
وتضم مجموعة العشرين في عضويتها الى جانب هؤلاء كبرى الاقتصادات النامية مثل الصين والهند والبرازيل. وعقدت مجموعة العشرين قمة في نوفمبر الماضي في أعقاب اندلاع الأزمة المالية التي بدأت في سبتمبر الماضي في بورصة وول ستريت وتواصلت لفترة من العام الجاري.
وقال مسؤول اميركي تعليقاً على هذه الخطوة: إنها انعكاس للاقتصاد العالمي واللاعبون هم من يحددونه، فالصين والبرازيل والهند الذين كانوا مستبعدين من دول النخبة التي تشكل مجموعة الدول الثماني سيكونون اليوم جزءاً من مجموعة أكبر.
وقال وزير الخزانة الأميركي تيموثي غايتنر: نجتمع اليوم بعد سنة من القمة التي انعقدت في لندن بظل علامات من التفاؤل بمظاهر استعادة العالم عافيته.
وأضاف: أعتقد أن إجماع الاقتصاديين ورجال الأعمال على اننا بدأنا نلمس نمواً في الولايات المتحدة وزيادة في الصادرات، هذا أمر مشجع لكن هناك أساليب يجب اتباعها لمواصلة هذا التقدم. وأشار إلى ان هنالك جهودا حثيثة بين وزراء مالية الدول حول العالم والتزاما بالعمل معاً للمحافظة على مؤشرات التعافي والنمو التي ظهرت مؤخراً، ومنع حدوث أزمة اقتصادية مماثلة للتي حصلت مؤخراً.
مجموعة العشرين التي تأسست في 1999 كانت تضم في الاساس وزراء مالية ورؤساء المصارف المركزية في اهم 20 اقتصادا في العالم. وتمثل هذه الدول نحو 90 بالمئة من الناتج الاجمالي العالمي. ووضعت الازمة المالية والاقتصادية هذه المجموعة في الواجهة حيث عقدت ثلاث قمم لقادة ورؤساء حكومات دول المجموعة في اقل من عام.

