ثار الكثير من اللغط خلال الأيام القليلة الماضية - ولا يزال - بشأن انفراج الأزمة وانتهاء الركود، وبدأ التعافي الاقتصادي سواء بالنسبة للاقتصاد العالمي ككل، أو للاقتصاد الأميركي (الذي انطلقت منه الأزمة العالمية).

فبينما أعلن بن برنانكي رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الاميركي) ان أسوأ ركود أميركي منذ الكساد الكبير في الثلاثينات انتهى على الارجح؛ فإن عدداً من كبار الخبراء والمسؤولين الماليين في العالم قد ردوا بأنه من المبكر جداً اعتبار أن الأزمة قد انتهت. وكان من أبرز القائلين بهذا رئيس البنك المركزي الاوروبي جان كلود تريشيه، والملياردير وارين بافيت (المستثمر الأميركي الشهير)، والنائب الاول لرئيس الوزراء الروسي ايجور شوفالوف.

وأكد الرئيس الاميركي باراك أوباما - في أحدث تصريحات حول الموضوع - ان كل الدلائل تشير الى أن الاقتصاد الاميركي بدأ يعود للنمو لكن ربما لا تتوافر فرص عمل جديدة كافية قبل العام المقبل.

وقال في مقابلة سجلتها معه شبكة (سي.ان.ان) يوم الجمعة وأذيعت أمس الأول أريد أن أكون واضحاً.. لن تتحسن صورة فرص العمل بشدة على الارجح -بل ربما تكون أسوأ قليلاً- خلال الشهرين القادمين.

وأضاف لن نرى على الارجح فرص عمل كافية لمسايرة النمو السكاني قبل العام المقبل، مشيراً الى ضرورة اضافة 150 ألف فرصة عمل جديدة كل شهر لمسايرة النمو السكاني وحده.

علامات انتعاش

ومن علامات انتعاش الاقتصاد الاميركي زيادة مبيعات التجزئة في أغسطس بأسرع وتيرة منذ ثلاثة أعوام ونصف العام وبلوغ مؤشر نشاط الصناعات التحويلية في نيويورك لأعلى مستوى منذ ما يقرب من عامين.

وسعى أوباما في الاسابيع الاخيرة لابراز علامات تحسن الاقتصاد في محاولة لتعزيز شعبيته التي تأثرت وسط احتدام الجدل حول خطته لتعديل نظام الرعاية الصحية بالبلاد.

وقال أوباما في المقابلة انه سيترك الامر لبرنانكي ليعلن ما اذا كان الكساد قد انتهى رسميا أم لا. (رغم أن برنانكي قد أعلن ما أعلنه قبل تسجيل مقابلة أوباما بيومين).

لكن الرئيس الأميركي قال ان الاسواق المالية تعمل من جديد وان قطاع الصناعات التحويلية شهد تحسناً الشهر الماضي من حيث الانتاج. وأضاف ومن ثم تشير كل الدلائل الى أن الاقتصاد سيبدأ في النمو مجدداً.

سوق العمل

وأوضح أوباما ان أرقام البطالة تشير الى أن سوق العمل ستكون آخر من يلحق بركب الانتعاش الاقتصادي. وأضاف المشكلة الاخرى هي أننا فقدنا وظائف كثيرة بدرجة تتطلب معدلات نمو مرتفعة بقوة لتعويض الذين فقدوا وظائفهم بالفعل.

وسيتوجه الرئيس الاميركي الى بيتسبرغ هذا الاسبوع لاستضافة زعماء مجموعة العشرين.

وقال إن من بين ما سيتناوله اجتماع مجموعة العشرين في بيتسبرغ ضمان وجود اقتصاد أكثر توازناً.

وأضاف لا يمكننا الرجوع لعهد كان فيه الصينيون أو الالمان أو غيرهم يبيعون كل شيء لنا في حين نستدين نحن بالبطاقات الائتمانية أو نحصل على قروض عقارية دون أن نبيعهم شيئاً.

واعتبر رئيس الاحتياطي الفيدرالي الاميركي بن برنانكي في يوم 15 من الشهر الجاري ان الانكماش الاقتصادي الاميركي الذي بدأ في ديسمبر 2007 انتهى، وذلك بعد عام من الفوضى المالية التي انطلقت مع افلاس مصرف ليمان براذرز.

وقال برنانكي في مؤتمر صحافي في مؤسسة بروكينغ بواشنطن بعد سنة من افلاس مصرف الاعمال الاميركي ليمان براذرز من ناحية تقنية من المرجح جداً ان يكون الانكماش انتهى في هذه المرحلة.

وبالنظر الى ما يعرف عن برنانكي من حذر فإن تصريحه هذا يعد إقراراً بان فترة الانكماش الاطول التي شهدتها الولايات المتحدة منذ 1945، قد انتهت فعلاً كما اظهرته الدقائق القليلة الى استغرقها الاجتماع الاخير للجنة السياسة النقدية في صندوق الاحتياطي الفيدرالي التي نشرت في التاسع من سبتمبر.

وكرر برنانكي توقعات البنك المركزي التي اشارت الى ان الانتعاش قد يكون بطيئاً جداً وان نسبة البطالة ستواصل الارتفاع حتى نهاية العام الحالي ولفترة كبيرة من 2010.

مؤشرات مشجعة

واشار برنانكي الى مؤشرات مشجعة بالنسبة للبنوك الاميركية التي قال انها اقل تبعية للبرامج الخاصة التي وضعها البنك المركزي للتصدي للازمة.

ويعود امر تحديد نهاية الانكماش بشكل رسمي لمركز بحث خاص هو المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية غير ان هناك اجماعاً بين الخبراء الاقتصاديين على ان الانكماش انتهى في اغسطس 2009.

وكان وزير الخزانة الاميركي تيموتي غايتنر اعتبر في بداية سبتمبر ان الانتعاش بدأ بشكل بطيء جداً.

ووضعت وزارة الخزانة الأميركية قواعد تقليص الدعم المخصص للنظام المالي في البلاد. وبدأت عملية انهاء العمل ببعض البرامج التي وضعت خصيصاً للتصدي للازمة المالية.

غير ان الوزارة اشارت الى انه لا تزال هناك حاجة شديدة للابقاء على بعض سياسات الدعم الاستثنائية التي اعتمدت في مواجهة الازمة بالنظر الى ان العودة الى الوضع الطبيعي للاسواق المالية لا يزال حتى اليوم جزئيا وهشا كما ان الانتعاش الاقتصادي لا يزال في المهد في افضل التقديرات.

تريشيه: لم يحن الوقت

أعلن رئيس البنك المركزي الاوروبي جان كلود تريشيه انه لم يحن الوقت بعد لإعلان أن الازمة المالية قد انتهت.

واستدرك بقوله ان الناس في اوروبا يمكنهم الشعور بثقة ويقين ان البنك يسعى جاهداً من أجل استقرار الأسعار.

وقال تريشيه في مقابلة عرضتها قناة التلفزيون الهولندي ار.تي.ال زد سنحقق استقرار الاسعار. واضاف قوله ان اي تنظيم للمكآفات التي يحصل عليها مسؤولو البنوك يجب ان يراعي الاعتبارات المحلية وأن يأخذ في الحسبان أيضاً الاقتصاد العالمي والنظام المصرفي.

وقال تريشيه انه يجب تحسين مراقبة البنوك وشركات التأمين والاسواق ونحن نسعى جاهدين لتحقيق ذلك.

بافيت: لا نزال في الركود

وعلى الخط المعاكس لأوباما وبرنانكي أكد الملياردير وارين بافيت ان الاقتصاد الاميركي لم يبدأ بعد الخروج من أسوأ ركود يواجهه منذ الكساد الكبير الا أنه استدرك قائلاً: الذعر الذي أعقب اقتراب النظام المالي من الانهيار العام الماضي قد انتهى فيما يرجع جزئياً إلى تدخل الحكومة.

وتمسك بافيت بتوقعات إيجابية بشأن برنامج انقاذ الاصول المتعثرة الحكومي الخاص بالبنوك والذي تعرض لانتقادات كثيرة قائلاً انه قد يحقق مكاسب للحكومة في نهاية الامر.

وقال بافيت في الوقت الحالي لا نرى الاقتصاد يتحسن أو يتدهور.. لكن هذا أفضل مما كان يمكن قوله قبل نحو ستة أشهر. الذعر الذي حدث العام الماضي انتهى وهذا يرجع جزئياً الى (تدخل) الحكومة.

ويتفق خبراء اقتصاديون بوجه عام على أن الاقتصاد الاميركي في مرحلة مبكرة من الانتعاش غير أن القلق ما زال يساور الكثيرين بشأن ضعف الطلب الاستهلاكي في الوقت الذي يحد فيه ارتفاع البطالة من الدخل.

وقال بافيت لم يبدأ الاقتصاد الانتعاش لكنه سينتعش... لكن لا أعلم متى. وأضاف قد يحدث ذلك غداً.

وتابع يقول ان ادارة الرئيس باراك أوباما تحقق تقدماً بشأن برنامج انقاذ الاصول المتعثرة وقد تحقق أرباحاً في النهاية. بالتأكيد لن يكون (البرنامج) كارثة.

وسيظل بعض من أكبر البنوك الاميركية في برنامج الانقاذ المالي لشهور ولا يتوقع أن يمنح المسؤولون الجولة الثانية من الموافقات على الخروج من البرنامج قبل قرب نهاية العام بحسب مصدر مطلع.

وحصلت عشرة بنوك في يونيو على الموافقة على سداد 68 مليار دولار من تمويل الانقاذ الاتحادي غير أنه لا توجد مؤشرات بشأن موعد السماح للبنوك الكبرى الاخرى بالخروج من البرنامج.

وقال بافيت ترغب البنوك في الخروج من برنامج انقاذ الاصول المتعثرة.. وستخرج جميعاً منه. واضاف ان الإطار الزمني للخروج من البرنامج ليس عاملاً حاسماً.

سيناريوهات متعددة

والواقع أن هناك سيناريوهات كثيرة ومتباينة حول الشكل الذي سيتخذه انتعاش الاقتصاد العالمي، وتتفاوت تلك السيناريوهات بحسب مستوى التفاؤل.

والامر الوحيد شبه المتفق عليه هو أن بوادر الانتعاش بدأت تلوح.

وقال جاي برايسون الخبير الاقتصادي في شركة ويلز فارغو للاستشارات شهدنا خللاً معمماً في الاقتصاد العالمي ولدينا الآن انتعاش معمم.. لكن السؤال المطروح يتناول مدى استدامة هذا الانتعاش.

وتدور التكهنات بين خبراء الاقتصاد حول مسار النمو العالمي خلال الفصول المقبلة.

وقال مايكل موسى الرئيس السابق للقسم الاقتصادي في صندوق النقد الدولي ان مسار الانكماش الذي يليه انتعاش ما زال المسار الاول المرجح.

وأسند موسى هذا التكهن الى قاعدة زارنوفيتس، باسم الاستاذ في جامعة شيكاغو الذي استخلص من دراسة الدورات الاقتصادية عبر التاريخ ان الانكماش الكبير يليه انتعاش قوي، وهو لا يرى ان الازمة الحالية تختلف بشكل جوهري عن الازمات السابقة.

وما يعزز هذا الطرح رفع توقعات المصارف المركزية ومنها البنك المركزي الاوروبي الذي كان يتوقع مطلع سبتمبر نمواً بنسبة 3,0% في منطقة اليورو خلال العام 2010، والاحتياطي الفيدرالي الذي توقع في 15 يوليو ارتفاعاً في النمو بنسبة تتراوح بين 1,2 و3,3% العام المقبل في الولايات المتحدة.

غير ان البعض يرى ان هذه الفرضية حيث تبقى معدلات الفائدة متدنية ما يدفع المستهلكين الى زيادة انفاقهم والشركات على رفع استثماراتها، غير واقعية ومسرفة في التفاؤل.

ومن الفرضيات الاخرى المطروحة ان يسجل الاقتصاد في المرحلة الاولى انتعاشاً يعوض فيه عما خسره خلال الازمة، ثم يتلاشى اندفاعه. وترجح ليز آن سوندرز مديرة استراتيجية الاستثمار في شركة تشارلز شواب للسمسرة هذا السيناريو حيث تسجل مرحلة نمو يليها تباطؤ لا يتبع بالضرورة خطاً مستوياً، ولكن يصعب فيه الحفاظ على هذا الدفع في النمو.

ويقوم هذا السيناريو على فرضية تراجع قدرات النمو، لكنها تنطبق على الدول الغنية اكثر منها على دول العالم الاخرى.

وأسوأ التوقعات بالنسبة لهذه الدول الغنية تتحدث عن انتعاش بطيء جداً على غرار ما يسجل في اليابان منذ عشرين عاماً.

مؤمن أحمد