بدأت وجهات النظر التي ظلت لفترة طويلة متباعدة واحيانا متعارضة داخل مجموعة العشرين بشأن قواعد اصلاح حقيقي لآليات الضبط المالي، تتقارب تدريجيا قبيل انعقاد قمة المجموعة بغد غد الخميس في بيتسبرغ.
واحتدم الجدل مع اثارة مسألة المكافآت المالية لمسؤولي الشركات في بداية اغسطس اثر سلسلة من التصريحات التي وضعت اللبنة الاولى في هذا الاتجاه مع انعقاد الاجتماع المالي لمجموعة الدول الصناعية والناشئة الكبرى العشرين بمشاركة وزراء المالية ورؤساء المصارف المركزية في لندن في بداية سبتمبر الحالي.
وتم التوصل الى توافق بشأن مسائل الدفع المؤجل (للمضاربين لحساب المصارف) مع قسم من المكافأة في شكل اسهم، وامكانية الاقتطاع من السنوات التالية في حال تحقيق نتائج سلبية (عقوبة) وارساء نظام ردع على المستوى الوطني.
ويؤكد هذا المنحى الى التوافق مشروع الاحتياطي الفدرالي الاميركي الذي اشارت اليه الجمعة صحيفة وول ستريت جورنال، وهو يتيح للبنك المركزي الاميركي ان يكون له راي في سياسات الاجور في المصارف.ومع ذلك فان اتخاذ قرار واضح بالحد من المكافآت المصرفية ليس موضع اجماع.
ويستدعي ذلك دعما لا لبس فيه من مجلس الاستقرار المالي حتى يجد مفهوم الحد من المكافآت وربطها بمستوى النتائج، مكانه في قمة العشرين حتى دون الخوض في تحديد سقف معين.وقال مصدر مقرب من المفاوضات هناك فرص جيدة للتوصل الى نتيجة واحراز تقدم واضح.
الوضوح والدقة
واضاف المصدر ذاته هناك نظام تنافس بين المصارف لا يتيح قيام ثقة بينها لجهة عدم السعي لاستمالة مضاربين في البورصة معتبرا انه يجب ان يكون هناك المزيد من الوضوح والدقة واعتماد توجيهات لمساعدتها على عدم الافراط في الدفع لهؤلاء.
ويعتقد انانت سوندارام استاذ المالية في جامعة دارتموث الاميركية انه يمكن التوصل الى اتفاق غير انه يتساءل عن نتائجه الملموسة في الواقع.وقال سيكون من الصعب جدا تطبيقه في بيئة انغلو-سكسونية.
وذكر بانه سبق ان تم القيام باصلاحات بشان المكافآت في تسعينات القرن الماضي في الولايات المتحدة لكن لا شيء حدث في المؤسسات.وعلاوة عن المكافآت تتفق اوروبا والولايات المتحدة على توسيع النقاش حول مجمل آليات الضبط المالي.
واعتبر توماس فيليبون الاستاذ في سترن سكول اوف بيزنس بجامعة نيويورك ان المكافآت تشكل اعراض المرض غير انها ليست سببه.
الأصول الخاصة بالبنوك
وقال مصدر قريب من المفاوضات ان الموضوع المركزي سيكون الاصول الخاصة بالبنوك الذي يشغل كثيرا الاميركيين الراغبين في زيادة التشدد في هذا الشأن.
غير ان الكثير من الاوروبيين يعارضون هذا الامر خشية تطبيق المعايير الجديدة بشكل غير متكافئ يمنح افضلية للاميركيين بالنظر الى تطبيقهم قواعد محاسبة اقل وقال فيليبون اذا شكل تطبيق القواعد تمييزا ضد المؤسسات الاوروبية فلن يكون مقبولا معتبرا مع ذلك انه من الضروري اجبار البنوك على حيازة راسمال اكبر.
وان كان موضوع ارصدة البنوك لا يزال موضع جدل، فان توافقا برز بشان العديد من المواضيع الهامة الاخرى مثل ضرورة توفير نسبة من السيولة، وجمع ارصدة خلال فترات الوفرة من اجل التصدي بشكل افضل للازمات ووضع مذكرة لمعرفة تعهدات بنك يعاني صعوبات.
غير ان فيليبون يرى ان الاهم هو قضية الاصول الخاصة بالمصارف لانها تتيح معالجة افضل للكثير من المشكلات، ولا سيما من اجل الحفاظ على السيولة لدى المصارف وتقليص المكافآت تلقائيا من خلال خفض الربح جراء العمليات في السوق المالية.
اعادة رسم الاقتصاد العالمي
من جانبه قال الرئيس الاميركي باراك اوباما أمس الأول انه سيحث زعماء العالم هذا الاسبوع على اعادة رسم الاقتصاد العالمي ردا على اعمق ازمة مالية شهدها العالم منذ عشرات السنين.
وفي اوروبا واصل مسؤولون الضغط للتوصل الى اتفاق للحد من رواتب وحوافز المصرفيين خلال اجتماع قمة يستمر يومين لزعماء مجموعة العشرين والذي يبدأ يوم الخميس.
وسيعقد اجتماع القمة في بيتسبرغ المركز السابق لصناعة الصلب في ولاية بنسلفانيا فيما يمثل ثالث مرة خلال اقل من عام يلتقي فيها زعماء دول تسهم بنحو 85 في المئة من الاقتصاد العالمي لتنسيق ردهم على الازمة.
وقال اوباما ان الاقتصاد الاميركي ينتعش حتى وان كانت البطالة مازالت مرتفعة وحان الان وقت اعادة توازن الاقتصاد العالمي بعد عقود من الاستهلاك الاميركي المفرط.
وقال اوباما في مقابلة مع شبكة (سي ان ان) الاخبارية التلفزيونية لا يمكن ان نعود الى العهد الذي كان فيه الصينيون او الالمان او دول اخرى يبيعون فقط لنا كل شيء ونحن نأخذ باقة من ديون بطاقات الائتمان او قروض الاسهم الداخلية ولكننا لا نبيع اي شيء لهم.
وحذر اقتصاديون لسنوات قبل وقوع الازمة المالية في 2007 من اخطار عدم التوازن في الاقتصاد العالمي ولاسيما الفائض التجاري الضخم واحتياطيات العملة اللذين يحققهما مستوردون مثل الصين وعلى نحو مماثل العجز الكبير في الولايات المتحدة واقتصاديات اخرى.
محركات النمو
ومع تراجع المستهلك الاميركي الان عن الانفاق بعد هبوط اسعار المنازل ومع ارتفاع معدل البطالة تريد واشنطن ان تصبح دول اخرى محركات للنمو.وقال اوباما هذا جزء من سبب اجتماع مجموعة العشرين وهو التأكد من وجود اقتصاد اكثر توازنا.
وكانت الصين منذ فترة طويلة هدف نداءات من الغرب لجعل سكانها ينفقون المزيد. ومن غير المرجح ان يكون هناك تغير كبير في السياسة الاقتصادية عندما يلتقي الرئيس الصيني هو جين تاو مع اوباما هذا الاسبوع.
وردت الحكومة الصينية بشكل غاضب هذا الشهر عندما فرض اوباما تعريفات استيراد طارئة على اطارات السيارات الصينية.
ويشعر بعض الاقتصاديين بقلق من امكان ان يؤدي الخلاف بشأن الاطارات الى تصعيب الأمور على الزعماء فيما يتعلق بتجديد تعهداتهم بتفادي اجراءات الحماية الجمركية ناهيك عن مناقشة القيام بعملية اعادة رسم الاقتصاد العالمي بشكل كبير.
في الوقت نفسه جدد المسؤولون الاوروبيون دعوات للقمة كي تحد من المكافأت التي تدفع للمصرفيين. وتعتبر على نطاق واسع العلاوات الضخمة المرتبطة بالاستثمارات المحفوفة بالمخاطر احد العوامل في الازمة الائتمانية.
وقال وزير المالية الالماني بير شتاينبروك انه يؤيد اقتراحا هولنديا بقصر علاوات المسؤولين التنفيذيين بالبنوك على مستوى رواتبهم السنوية المحددة وهي فكرة يعارضها المسؤولون الاميركيون.
وقالت المستشارة الالمانية انجيلا ميركل يوم السبت انها متفائلة تماما بامكان التوصل لاتفاق بشأن اصلاح الاسواق المالية.
وخفف الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي من دعواته بالحد من مكافأت المسؤولين التنفيذيين بالبنوك ممهدا الطريق امام توصل مجموعة العشرين لاتفاق يربط المكافات باداء المصرفيين على المدى الطويل.
مناهضو مجموعة العشرين يستعدون للاحتجاج
يأمل مناهضو العولمة ودعاة السلام والفوضويون في اسماع اصواتهم خلال قمة مجموعة العشرين الخميس والجمعة في بيتسبرغ (بنسلفانيا-شرق) حيث اعتمدت اجراءات امنية مشددة.
وبحسب شكوى رفعتها حركات مناهضة لمجموعة الدول الصناعية والناشئة الكبرى العشرين ضد البلدية للحصول على ترخيص بالتظاهر فان هذه المنظمات تريد معارضة الممارسات غير الديمقراطية لمجموعة العشرين.
وقال رئيس البلدية لوك ريفنستال اننا نبذل ما بوسعنا حتى يتمكن هؤلاء الناس من ممارسة التعديل الاول في الدستور الذي يضمن حرية التعبير. وطلب تعزيزات قوامها اربعة آلاف شرطي اتحادي مدربين بشكل كثيف. وسيكلف ضمان امن القمة المدينة 18 مليون دولار بيد انها تتوقع جني مكاسب اقتصادية قيمتها 20 مليون دولار.
ويقر رئيس البلدية الشاب (29 عاما) الحريص على اظهار عودة النمو الاقتصادي في هذه المدينة المنكوبة التي اشتهرت في الماضي بالتعدين نخشى ان تؤدي انشطة المتظاهرين الى تلطيخ سمعة بيتسبرغ.
ومع ذلك فان المسؤول وعد بالسماح للمتظاهرين بالتظاهر على مرأى ومسمع المشاركين في قمة العشرين بيد انه يرفض السماح لهم بالتخييم في مكان انعقاد القمة.
ويتوقع مناهضو قمة العشرين الذين يضمون حركات عديدة من كود بينك (القانون الوردي) للنساء المسالمات الى معارضي الحرب على العراق مرورا بانصار البيئة والفوضويين، مشاركة 64 مجموعة مختلفة ونحو عشرة آلاف متظاهر في المسيرة الكبرى التي ينوون تنظيمها الجمعة، بحسب ما قال بيت شل رئيس مركز طوماس ميرتون.
وتحاول هذه الجمعية التي تم تأسيسها ابان حرب فيتنام توحيد عمليات الاحتجاج انطلاقا من مقرها المتقادم في بيتسبرغ.
وعلقت على واجهتها اعلانات لتوفير سكن للمتظاهرين او لتنظيم ورش عمل سرية لتحركات غير مالوفة.
وقالت نانسي بروفيل التي تقطن المدينة البالغ عدد سكانها 320 الف نسمة آمل ان يبقوا المتظاهرين تحت المراقبة وان لا نشهد سياتل ثانية. من حقهم التظاهر لكني ضد العنف.
وقبل عشر سنوات ادت تظاهرات في سياتل ضد المنظمة العالمية للتجارة شارك فيها خمسون الف شخص الى تعطيل اليوم الاول من قمة المنظمة. واعتقلت الشرطة 500 شخص بعد تدخل عنيف استخدمت فيه الرصاص المطاطي قبل فرض حظر تجول عند الساعة 00,19.
وقالت اديث بيل (85 عاما) من الرابطة الدولية لنساء من اجل السلام والحرية، احد اعمدة مناهضي مجموعة العشرين، من المهم ان نظهر للعالم ان مجموعة السبع هي مجمعة اختارت نفسها بنفسها. وانها تتخذ قرارات تخدم مصالح الاغنياء والشركات الكبرى.
واضافت السيدة المقيمة في بيتسبرغ والمولودة في المانيا والتي امضت عامين في معسكر اعتقال نازي ان ما يقلقني هو انهم سيستقدمون الكثير من عناصر الشرطة من خارج المدينة وهم مدربون مثل العسكريين. لا يمكن معاملة متظاهرين معاملة الاعداء.
وقالت ميليسا مينيك المتحدثة باسم مركز طوماس ميرتون نحن نعمل على تنظيم احتجاج نشط لكن سلمي مضيفة من الصعب تحديد عدد المشاركين لكن اتصل بنا العديد من الناس من مختلف مناطق البلاد.
ومن المقرر تنظيم العديد من التظاهرات المختلفة تزامنا مع القمة من عروض الازياء المنصفة الى ورشات العمل مرورا بالعروض الموسيقية ومسيرات الدمى العملاقة وتعليق يافطات احتجاج.
(وكالات)
