قال هاني راشد الهاملي، الأمين العام لمجلس دبي الاقتصادي إن الامارات أصبحت مركز جذب مهم للاستثمارات العالمية في مختلف القطاعات، وأن الأرقام الأخيرة التي سجلتها الدولة في هذا المجال يعد انجازاً كبيراً في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية التي تعد إحدى أخطر الصدمات التي يتعرض إليها الاقتصاد العالمي منذ أزمة الكساد الكبير في ثلاثينات القرن العشرين.
جاء ذلك على ضوء تقرير الاستثمار العالمي 2009 الذي أطلقته منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الاونكتاد»، والذي كشف النقاب عن احتفاظ دولة الامارات على جاذبيتها للاستثمار الأجنبي المباشر مقارنة بالكثير من دول العالم المتقدمة فضلاً عن دول المنطقة.
وأشار الهاملي إلى أن السنوات الماضية من تجربة دولة الامارات في ميدان التنمية الاقتصادية قد كشفت بجلية النظرة الاستراتيجية للقيادة الحكيمة للدولة في تعزيز مسيرة النمو الاقتصادي من خلال التكامل الاقتصادي الاقليمي والدولي، والاستفادة من التطورات الحاصلة في الأسواق العالمية. ولعل من بين أهم السياسات التي اتخذتها الدولة في هذا الميدان هو جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة نظراً للمنافع التي تحققها تلك الاستثمارت للاقتصاد الوطني.
والتي تتلخص بزيادة مستوى الاستثمار، وبالتالي رفع معدلات النمو الاقتصادي، وزيادة الدخل ومعدلات التوظيف، اضافة إلى وصفها وسيلة لنقل التكنولوجيا وتطوير القدرات الادارية، بما في ذلك مجالات البحث والتطوير (زک)، ودعم روح الابتكارات والاختراعات. ومن جانب آخر، فان من شأن الاستثمار الأجنبي توفير اطار للتعاون والتكامل الاقتصاديين اقليمياً وعالمياً.
وأكد الهاملي أن إمارة دبي تساهم بجزء هام في التطور الحاصل في مجال جذب الاستثمارات الأجنبية في الدولة نظراً لمكانتها المتميزة كحاضنة للأعمال والمال على خريطة الاقتصادين الإقليمي والعالمي.
يذكر أن تقرير الاستثمار العالمي 2009 قد أشار إلى أن حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي وفدت إلى الدولة في عام 2008 وصلت إلى 7, 13 مليار دولار (أي ما يعادل 28, 50 مليار درهم) مقابل 19, 14 مليار دولار (1, 52 مليار درهم) في عام 2007. بيد أنه، وعلى صعيد آخر، أشار التقرير إلى أن اجمالي القيمة التراكمية لتلك الاستثمارات مع نهاية عام 2008 قد بلغت 42, 69 مليار دولار (أي ما يعادل 8, 254 مليار درهم) حيث تشكل نسبة تفوق ربع الناتج المحلي الاجمالي للدولة.
وفي سياق حديثه عن هذه الأرقام، أوضح الهاملي أن متابعة الاحصاءات التي كشف عنها التقرير تفيد بوجود تطورات محسوسة في مؤشرات الاستثمار الأجنبي في الداخل. فقد أشار التقرير إلى أن عدد المشاريع التي نفذتها الاستثمارات الأجنبية في داخل الدولة خلال العام الماضي بلغ حوالي 480 مشروعاً بزيادة تصل إلى 70% مقارنة مع عام 2007. في حين بلغ عدد تلك المشاريع خلال الربع الأول من عام 2009 حوالي 136 مشروعاً، مؤكداً أن هذه الأرقام تعكس متانة الأسس التي يقوم عليها الاقتصاد الوطني وارتفاع قدرته التنافسية مقارنة بالكثير من دول المنطقة.
وأضاف الهاملي على الرغم من هذا التراجع الطفيف (4, 3%) في حجم الاستثمارات الأجنبية المتدفقة إلى داخل الدولة، فأن الامارات تأتي في المرتبة الثالثة على مستوى دول جنوب وشرق آسيا. ومن جانب آخر، أوضح الهاملي أن هذا التراجع لاعلاقة له بمعطيات البيئة الاستثمارية لدولة الامارات ألبتة، بل إلى حالة الانحسار الحاصل في حركة الاستثمارات على الصعيد العالمي وذلك نتيجة لتداعيات الأزمة المالية العالمية وما صاحبها من حالة انكماش طال الكثير من دول العالم المصدّرة للاستثمارات الخارجية من العالمين المتقدم والنامي على حد سواء.
وعلى نحو أدق، فقد استبانت هذه الحالة خلال النصف الأول من العام الماضي نتيجة لانعكاسات أزمة الرهن العقاري عالي المخاطر في الولايات المتحدة الأمريكية، بيد انها أنفجرت في شهر سبتمبر من العام المذكور. وأكد الهاملي أن استئناف النمو في العالم خلال الفترة القريبة القادمة سرعان ما سينعكس ايجاباً وبقدر كبير على حجم الاستثمارات الخارجية التي ستتدفق إلى الدولة.
ونوه الهاملي إلى أن مقياس التقدم الحاصل في مجال الاستثمارات الخارجية لأي دولة لا ينحصر بحجم الاستثمارات الأجنبية المتدفقة إلى داخلها فحسب، بل أيضاً الاستثمارات الوطنية في الخارج، نظراً لأن هذه الأخيرة تندرج ضمن مؤشر الناتج القومي الاجمالي الذي يقيس أداء عوامل الإنتاج المحلية الموظفة في الخارج، حيث عادة ما يتم توظيف جزء مرموق من عوائد تلك الاستثمارات في داخل الدولة بما يدر على الاقتصاد المحلي من مكاسب عدة. هذا وبلغ حجم الاستثمارات الاماراتية في الخارج 8, 15 مليار دولار (أي ما يعادل 58 مليار درهم) في عام 2008 ، لتشكل نسبة 29% من الناتج المحلي الاجمالي للدولة.
وبذلك تزداد حجم تلك الاستثمارات بنسبة بلغت 5, 8% مقارنة بالعام 2007 حينما بلغت 57, 14 دولارا (47, 53 مليار درهم). أما اجمالي القيمة التراكمية للاستثمارات الإماراتية في الخارج في نهاية عام 2008 فقد بلغ حوالي 51 مليار دولار (بما يعادل 4, 186 مليار درهم) بزيادة بلغت 45% مقارنة بمثيله في نهاية عام 2007.
وذكر الهاملي أن تهافت الشركات العالمية إلى داخل الدولة والولوج في العديد من النشاطات لم يحدث جزافا، بل هو نتاج لمجموعة من عوامل الجذب التي تتمتع بها بيئة الأعمال الاماراتية لاسيما إمارة دبي، تأتي في مقدمتها فلسفة الحرية الاقتصادية التي تبنتها الدولة، وتوافر البنية التحتية العصرية، ومؤاتاة البيئة التشريعية والقانونية المحلية لاسيما ما يتعلق بسهولة أداء الأعمال وارتفاع مرتبة الدولة على سلم التنافسية العالمية، إلى جانب التشريعات الجديدة ذات الصلة التي تعتزم الدولة استصدارها مثل قانون الاستثمار الأجنبي وقانون الشركات التجارية وقانون المنافسة وغيرها، وتوافر المؤسسات الاقتصادية والمالية المتطورة، علاوة على ما تنعم به الدولة من أمن واستقرار اقتصادي وسياسي واجتماعي.
كذلك لايغيب عن البال الأجندة الطموحة لبرامج التنمية على مستوى الدولة والتي استدعت اقامة العشرات من المشاريع الضخمة في مختلف القطاعات وخاصة المستهدف منها كالبناء والتشييد، والخدمات المالية واللوجستية، وغيرها.
وأكد الهاملي أن تدفق الاستثمارات العالمية إلى الدولة لابد أن يعكس أيضاً حسن إدارة العلاقات الاقتصادية الخارجية لحكومة دولة الامارات بعامة وإمارة دبي بخاصة لاسيما مع اللاعبين الكبار في التجارة العالمية، وذلك من خلال إبرام العديد من اتفاقيات التعاون الاقتصادي اضافة إلى دور الفعاليات الاقتصادية الوطنية المختلفة (مثل غرف التجارة) في توثيق عرى هذه العلاقات.
هذا وقدر التقرير حجم صفقات البيع ضمن عمليات الاندماج والحيازة الدولية في الامارات في عام 2008 بـ 23, 1 مليار دولار (5, 4 مليارات درهم)، أما خارج الدولة فقد بلغت عمليات الشراء ضمن العمليات المذكورة حوالي 38, 4 مليارات دولار (1, 16 مليار درهم).
ومن الجدير بالذكر أن الأزمة المالية العالمية قد ألقت بظلالها القاتمة على قرارات الشراء في الأسواق العالمية، وقد شمل ذلك العديد من دول العالم بما في ذلك دول مجلس التعاون الخليجي وخاصة السعودية وقطر.
وبالمقابل، ارتفعت قيمة الاستثمارات الإماراتية في الصناديق الاستثمارية العالمية في العام الماضي لتتصدر دول العالم رغم تبعات الأزمة المالية العالمية. وفي هذا السياق، يرى هاني الهاملي أن هذا التطور يعكس حرص المؤسسة الاقتصادية الاماراتية على اقتناص الفرص التي توفرها بعض الأسواق العالمية بما في ذلك الأمريكية منها حينما أضحت قيمة الاستثمارات العالمية المنخفضة، نتيجة للأزمة العالمية، مغرية للقيام بعمليات شراء واسعة لحصص كبرى الشركات في الخارج.
أما عدد الصفقات التي قامت بها الامارات في الخارج في عام 2008 فقد وصل إلى 59 صفقة بزيادة بلغت 3, 5% مقارنة بالعام 2007، في حين وصل هذا العدد خلال الستة الأشهر الأولى من عام 2009 إلى حوالي 20 صفقة.
وفي ختام تصريحه، أشار الهاملي إلى أنه بالرغم من التقدم الحاصل في مجال الاستثمارات الأجنبية في الدولة، من الضروري رصد التطورات الحاصلة في حركة الاستثمارات العالمية، بحيث يصار إلى استقطاب الشركات العالمية التي تعمل في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية للاقتصاد الإماراتي. كما لابد من الاهتمام بتطوير أنظمة الحوافز والأطر التنظيمية والقانونية المتعلقة بالاستثمارات الأجنبية، وخاصة تطوير مؤشرات أداء الأعمال، وتعزيز سوق العمل.
دبي -«البيان»
