دبت الحياة مجددا في أسواق التمويل طويلة الأجل، بعدما أصيبت بشلل شبه كامل على مدى أشهر عديدة، وهو ما أثار الكثير من الشكوك بشأن إمكانية تنفيذ مشروعات ضخمة في المنطقة والتي تحتاج حجما ضخما من الأموال، وتضافرت عده عوامل ساهمت في تحريك قدر كبير من المياه الراكدة في هذا السوق، الأمر الذي بشر بإنجاز عدة صفقات ضخمة.
ويبرز في صدارة هذه العوامل، دخول وكالات ائتمان الصادرات سوق التمويل الطويل الأجل بجرأة لملء فجوة غياب المصارف عن الانخراط في مثل هذا الشكل من عمليات التمويل، فعندما أكد مصرفيون في 29 يونيو من العام الجاري، نجاح ترتيبات تمويل مشروع الدور لإنتاج الكهرباء وتحلية المياه في البحرين بقيمة 1 .2 مليار دولار، اعتبروا الصفقة بمثابة إنجاز ضخم في الأسواق المالية التي تمر بصعوبات ضخمة نتيجة للأزمة المالية العالمية. وقدروا بأنها أول اتفاقية تمويل تكلل بالنجاح في عام 2009، ويؤشر هذا الإعلان على حجم المعاناة التي واجهتها أسواق تمويل المشروعات، وذلك في أعقاب الأزمة المالية العالمية التي ضربت بالأسواق العالمية.
ولم يكن مشروع الدور البحريني بمثابة العلامة الوحيدة الدالة على عودة الحياة إلى التمويل الطويل الأجل، بل جاءت علامة أخري من شركة دولفين للطاقة التي أعلنت في أغسطس من العام الجاري عن نجاحها في الحصول على قرض قيمته 1 .4 مليارات دولار لتمويل نفقات أحد مشاريعها وتسديد رسوم قرض سابق حصلت عليه في المشروع نفسه، ومن شأن هذا المبلغ الإجمالي الذي تم الحصول عليه أن يساعد دولفين على تسديد القرض البالغ 45 .3 مليارات دولار الذي حصلت عليه عام 2005، وأن يوفر أيضا 70 في المئة من تكاليف إنشاء خط أنابيب الطويلة ـ الفجيرة البالغ طوله 240 كم، بالإضافة إلى تسديد الرسوم المترتبة على عملية إعادة التمويل.
ونظر مراقبون إلى هذه الصفقة على أنها تمثل اختبارا لأسواق التمويل في عام 2009، لتحديد ما إذا كانت هذه الأسواق قد استعادت عافيتها، بعدما أحجمت البنوك عن تقديم التمويل في عام 2008، مخلفة وراءها قدرا كبيرا من المصاعب بخصوص تمويل المشروعات.
ولكن هناك قدرا من التفاؤل الحذر يرى أن هذه الأسواق بصدد التعافي خلال العام الجاري ونوهت مجلة ميد في عددها الصادر في يناير من العام الجاري إلى أن تمويل خط أنابيب دولفين يعد من بواكير الصفقات التي من المقرر إنجازها في العام الجاري والتي ستختبر بطرق عديدة نبض سوق التمويل.
ونقلت المجلة عن بنك اسكتلندا الملكي «آر بي إس» المستشار المالي للصفقة تفاؤله بأن الصفقة سيتم إنجازها، إلا أنه أقر بأن الهوامش ستكون مختلفة عن معدل التسعير البالغ 45 نقطة أساس فوق معدل الفائدة بين البنوك في لندن (ليبور).
وفي الآونة الأخيرة، حصل مشروعان في الطاقة والمياه على التمويل المطلوب، وهما مشروع الشويهات 2 في أبوظبي الذي جمع قرضاً قصير الأجل بقيمة 900 مليون دولار في ديسمبر 2008، ومشروع رأس الزور الذي بلغت قيمة التمويل الكامل الذي جمعه 5 .5 مليارات دولار في السعودية.
هيكلية الصفقات
ويشير مشروع رأس الزور إلى كيفية هيكلة الصفقات الآن في ظل السيولة المقيدة، وصعوبات ضمان تمويل دين طويل المدى، بعدما أصبحت البنوك أقل استعدادا للتعهد بتمويل المشروعات طويلة الأجل.
وصار باديا أمام العيان أن أزمة الائتمان العالمية لم تضرب اقتصاديات منطقة الخليج حتى منتصف عام 2008، ولكن أعراضها طفت على السطح قبل ذلك بوقت طويل، وهو ما انعكس على عدم رغبة البنوك في تقديم التمويل للمشروعات الخليجية.
ووفقا لأحد العاملين في مجال البنوك والذي كان مشاركا في ترتيب صفقة تمويل في أواخر عام 2007، انهارت الصفقة بسبب تسعير الفائدة بزيادة 75 نقطة أساس علي سعر الفائدة بين البنوك في لندن (ليبور) والذي اعتبرته البنوك بأنه سعر منخفض وغير مربح، ومع ذلك، لم يستغرق الوقت طويلا حتى ظهر جليا حجم الصعوبات التي تكتنف الأسواق في مجال تمويل الصفقات الضخمة الطويلة الأجل.
وقد أخذت الأزمة المنطقة على غرة، بعدما تمتعت بفترة من النمو الغير مسبوق، ففي عام 2009، كان سوق تمويل المشروعات في المنطقة ـ بحسب تقديرات مجلة ميد في عددها الصادر في يوليو 2009 ـ يعد الأكبر على مستوى العالم، بقيمة بلغت 50 مليار دولار، وفي عام 2007، وقد وفرت البنوك لهذا السوق تمويلا قيمته 32 مليار دولار، فيما عكف المطورون علي وضع الترتيبات لتمويل مشروعات بقيمة تبلغ تقريبا 60 مليار دولار.
بيد أنه في عام 2008، بدأ نشاط سوق تمويل المشروعات في التراجع، ومع تجلي تداعيات أزمة الائتمان العالمية علي منطقة الخليج، صار ماثلا أمام الأعيان أن سوق تمويل المشروعات في المنطقة قد دخل مرحلة من الركود العميق.
حيث اضطرت بنوك ضخمة ممولة للمشروعات إلى إجراء تخفيضات في موازناتها، وذلك في ظل تراجع قيم الأصول التي تمتلكها، فعلي سبيل المثال، أعلنت المؤسسة العربية المصرفية بالبحرين في فبراير من العام الجاري عن خسائر صافية في الربع الأخير من 2008، بلغت 28 مليون دولار، بعد أن تضررت نتائج أعمالها بتجنيب مخصصات.
الركود العميق
وكرد فعل من جانبها حيال تراجع قيم الأصول، قامت البنوك الممولة للمشروعات بإدخال تغييرات جذرية علي أساليبها في الاقتراض بغرض إعادة بناء موازناتها، وتقليل المخاطر التي تتحملها، وهو الأمر الذي ترتب عليه، صعود تكلفة تمويل المشروعات، وتخفيض فترة استحقاق الدين.
فقبل نهاية عام 2008، كان سعر الفائدة علي قرض نموذجي لمدة 15 عاما يبلغ 100 نقطة أساس علي فائدة ليبور وهي سعر الفائدة بين البنوك في لندن، ولكن جري تسعير الفائدة بالنسبة لتمويل مشروع الدور في البحرين بواقع 350 نقطة أساس علي سعر الفائدة ليبور، وفيما مثلت تكلفة الدين تحديا من الناحية الاقتصادية بالنسبة لبعض المشروعات، فإن التغير الأكثر جذرية بالنسبة لسوق تمويل المشروعات هو أن الأزمة أدت إلى اختفاء السوق الثانوية لتمويل الديون.
حيث أنه قبل تفجر الأزمة المالية العالمية، دأبت البنوك بشكل متكرر علي تعقيم موازناتها من القروض، وإعادة هيكلة هذه القروض بهدف بيعها إلى المستثمرين.
ولكن مع مطلع عام 2008، اتجهت أغلب البنوك نحو رفض ضمان الديون، بالنظر إلى تخوفها من عدم القدرة علي بيع هذه الديون في السوق الثانوية، إذ أفضت أزمة الائتمان من الناحية الفعلية إلى تقويض سوق هيكلة الديون والمعروف باسم «التوريق».
ومن وجهة نظر بعض المحللين، يعد وقوف قيمة أصول المصارف عند مستوي 23 .1 تريليون دولار، وذلك بحلول نهاية الربع الثالث من عام 2008، بمثابة مؤشر عاكس لتداعيات الأزمة المالية العالمية، حيث تؤسس هذه الفترة بداية تأثر المنطقة بالأزمة المالية العالمية.
وقد تجمد معدل النمو السنوي للأصول خلال الفترة المحصورة بين نهاية 2008 وبداية 2009 كنتيجة لنزوح الأموال الساخنة إلى الخارج، وهي أموال ضخمة جري توظيفها في مصارف دول مجلس التعاون الخليجي للاستفادة من معدلات أسعار الصرف المواتية، وخرجت هذه الأموال، بعدما تبين أن أعراض الأزمة المالية قد امتدت إلى المنطقة.
ظروف صعبة
طدولة خليجية إلى أخرى، ولكن عملت كافة الأنظمة المصرفية في ظل ظروف شديدة الصعوبة، سواء من ناحية تشدد التمويل الخارجي الناتج عن تعثر كبريات المؤسسات المالية العالمية، أو من ناحية انهيار غالبية أسواق المال في المنطقة، فضلا عن التراجع الحاد في أسعار النفط العالمية.
وترتب على هذه التداعيات مجتمعة في رأي راجي جوزيف رئيس قسم تمويل الشركات بشركة «كي إم جي» ومقرها قطر، تباطؤ وتيرة نمو القروض المقدمة من البنوك في مجلس التعاون الخليجي خلال النصف الأول من عام 2009، مع الأخذ في الاعتبار أن البنوك صارت في المرحلة الحالية أكثر اعتمادا على الاقتراض، وذلك نتيجة لتشدد السيولة من جانب، وتعاظم المخاوف بشأن آفاق مستقبل السيولة، مع استمرار حالة انكماش الاقتصاد العالمي ومن ثم، تباطأ سوق تمويل المشروعات نتيجة لتعير رغبة المقرضين بشأن توفير التمويل بحسب الشروط التي كانت متعارف عليها في الأسواق.
كما انزلقت البنوك نحو مجموعة جديدة من المشاكل الداخلية التي من المتعين عليها أن تعمل علي معالجتها، وأخفق السوق في بناء نموذج لهيكل الدين الذي يكون محل إقبال من جانب جهات الإقراض. وذلك في ظل بروز صيغ متنوعة لشروط الإقراض،
إلى جانب ما سبق، فإن تعثر شركات عائلية ضخمة في السعودية قد فاقم مخاوف الصناعة المصرفية من إحجام المقرضين عن تقديم رؤوس أموال للقروض الجديدة.
بوادر التعافي
بيد أن بوادر الحياة عادت مؤخرا إلى أسواق تمويل المشروعات، حيث انعكس الأداء القوي لأكبر 20 بنكا في دول مجلس التعاون الخليجي من ناحية قيمة الأصول علي سائر القطاع المصرفي في المنطقة، وفيما نمت الأصول مجتمعة لأكبر 20 مصرفا بنسبة 15 % لتصل قيمتها إلى 6 .752 مليار دولار في عام 2008، ارتفعت القيمة الإجمالية لأصول كافة المصارف في الخليج بنسبة 6 .16 % لتصل إلى 29 .1 تريليون دولار مقابل 11 .1 تريليون دولار في عام 2007.
ومع ذلك، لعبت تدابير التخفيف النقدية التي اتخذتها السلطات النقدية في دول مجلس التعاون الخليجي دورا حيويا في تقوية موازنات المصارف، وجاءت هذه التدابير في وقت ساد جفاف السيولة أسواق الائتمان العالمية، ففي سبتمبر 2008، طرح مصرف الإمارات المركزي تسهيل إقراض طارئ بقيمة 50 مليار درهم (6 .13 مليار دولار) للمساهمة في تخفيف تداعيات أزمة السيولة.
وفي فبراير من العام الجاري، أطلقت حكومة أبوظبي مبادرة لتعزيز الملاءة المالية لأكبر 5 مصارف تعمل في الإمارة، بزيادة رؤوس أموال هذه المؤسسات المصرفية عبر ضخ سيولة تقدر بـ 16 مليار درهم إماراتي (4 .4 مليارات دولار).، وساهمت هذه التدابير في رأي المحللين في تحسين أسواق التمويل القصيرة الأجل، وعالجت مشكلة ارتفاع معدلات القروض إلى الودائع.
وكالات التصدير
إضافة إلى ما سبق، برزت وكالات ائتمان التصدير كفواعل رئيسية في سوق تمويل المشروعات الإقليمي، نظرا لزيادة الطلب عليها لملء فجوة غياب المقرضين التجاريين، وهو ما أدى إلى زيادة أهميتها بالنسبة لسوق تمويل المشروعات. وقد طرأت تعديلات جوهرية علي مهام مسؤوليات وكالات ائتمان التصدير علي مدار السنوات العشر الماضية، وذلك بما يجعلها تنهض علي نماذج الجدوى الاقتصادية والتجارية، عوضا عن نهوضها بدور « الملاذ الأخير « في إصدار الائتمان.
وبالتالي، تحولت هذه الوكالات لتكون بمثابة لاعبين ماليين عالميين، إذ بادرت هذه الوكالات من جانبها بتقديم التمويلات الضخمة لطيف متنوع ومتزايد من المشروعات.
ولعل الاختلاف الجوهري الذي طرأ علي وضعية هذه الوكالات بعد نشوب الأزمة المالية العالمية، وجفاف مصادر التمويل الطويل الأجل، هو أنه بات ينظر إليها علي أنها قوة محركة جديدة لإنعاش وتعافي أسواق التمويل، وليس مجرد لاعبين ثانويين.
وقد بدأ صعود هذه الوكالات في غمرة طفرة المشروعات العملاقة الخليجية، حيث دفع الصعود الضخم في أسعار السلع والمواد إلى ارتفاع تكاليف المشروعات، فعلي سبيل المثال، ينطوي مشروع مجمعة رابغ للتكرير والبتروكيماويات في السعودية على أحجام ضخمة من السيولة المطلوبة، إذ تبلغ تكلفته 10 مليارات دولار، وهو ما يفوق القدرة التمويلية للمقرضين التجاريين.
دبي ـ مجدي عبيد

