مع حلول الربع الثالث من العام الحالي، علت نبرة التفاؤل في أوساط المحللين بشأن اقتراب عودة التعافي إلى المصارف الخليجية، ولم تدلل التحليلات على صحة هذا الاستنتاج بناء على تحسن الفجوة بين القروض والودائع، بل استندت كذلك إلى مواصلة هذه المصارف مسيرة تحقيق نمو في أصولها.
وكشف هنا التقرير المسحي السنوي الذي أجرته مجلة «ميد» في عددها الصادر في يوليو من العام الجاري حول أداء أكبر 20 مصرفا في دول مجلس التعاون الخليجي، من ناحية قيمة الأصول، أنه على الرغم من الصعوبات الناجمة عن الأزمة المالية العالمية، إلا أن الأصول المجمعة لأكبر 20 مصرفا في دول مجلس التعاون الخليجي من ناحية قيمة الأصول قد نمت في العام الماضي بنسبة 15% لتصل إلى 6, 752 مليار دولار مقابل 6, 654 مليار دولار في عام 2007. وبموجب الدراسة المسحية، سجلت جميع البنوك نموا في أصولها، باستثناء ثلاثة مصارف، وهي بنك الخليج الدولي وبنك الخليج وبنك المؤسسة العربية المصرفية الدولي، وشغل بنك الإمارات دبي الوطني مكانة أكبر مقرض إقليمي، مع نمو أصوله (بما في ذلك القروض) بنسبة 3, 11% لتصل إلى 8, 76 بليون دولار في عام 2008.
كما شغل البنك التجاري الوطني السعودي مكانة أكبر بنوك منطقة الخليج من ناحية حجم الأصول، تلاه بنك الإمارات دبي الوطني الذي تعادل أصوله ما يزيد على حجم الأصول المجتمعة لنحو 10 بنوك مدرجة أسماؤها في قائمة أكبر 20 مصرفا خليجيا، فيما شغل البنك التجاري الوطني السعودي المرتبة الثانية، وبنك سامبا في المرتبة الثالثة، بإجمالي قيمة أصول بلغت 1, 59 و 7, 47 مليار دولار لكل منهما على التوالي.
نمو مذهل
ونوهت الدراسة إلى أن المصارف السعودية تأثرت بالأزمة المالية بشكل أقل مقارنة بالمصارف الأخرى في دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك بدعم من فائض ايراداتها النفطية حيث حافظت سبعة مصارف سعودية في القائمة على مراكزها أو صعدت مواقعها إلى مراتب أعلى.
وتعكس هذه النتائج نموا مذهلا للمصارف في دول مجلس التعاون الخليجي مقارنة بالتعثرات الضخمة التي شهدتها المصارف العالمية الكبرى، وذلك على الرغم من تباطؤ وتيرة معدل النمو مقارنة بالنمو الضخم الذي سجلته خلال السنوات الأخيرة.
وهو ما يؤشر في رأي فيليب سميث المدير التنفيذي بوكالة «فيتش» للتقييمات الائتمانية على تؤثر هذه المصارف بالأزمة المالية العالمية، حيث شهدت هذه المصارف قبل عام 2008 نموا في أصولها تراوحت نسبته 30 و 40%، ومن ثم، فإن تراجعا بنسبة 15% يعد تراجعا ضخما عن المعدلات المسجلة في السنوات السابقة، وهو ما يدل على عدم صحة المقولة التي ترددت في منطقة الخليج والقائلة إن هذه المنطقة محصنة ضد الأزمة المالية العالمية بما صاحبة من تداعيات سلبية أثرت على مختلف الأسواق المالية في العالم.
نمو الأصول
وفيما واصلت مصارف دول الخليج تحقيق نمو في أصولها، خلال الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2008، فإن تعرض هذه المصارف للتأثير الكامل للأزمة المالية العالمية جاء خلال الربع الرابع من العام المذكور، وهو ما أثقل بشدة على أدائها، مع تسجيل أكبر 20 بنكا في الخليج هبوطا في صافي الأرباح خلال 2008 بقيمة 300 مليون دولار.
ورغم ذلك، يعبر هذا الأمر في نظر ماريوث ماراثيفتيس رئيس قسم البحوث في بنك «ستنادارد آند شارترد» عن مستوى عال لنمو الأصول في المنطقة، إذا ما أخذ في الحسبان التراجعات الضخمة التي شهدتها الساحة الاقتصادية العالمية، وتعبر كذلك عن النمو المفرط للأصول في عام 2007 والذي غذاه تدفق الأموال الساخنة على المنطقة للاستفادة من فروقات أسعار الفائدة، إذ استخدمت البنوك في الخليج هذه الأموال في تمويل نمو أصولها، حيث قامت الكثير من المصارف بإقراض هذه الأموال لتمويل عمليات في الخارج، ولدى خروج هذه الأموال.
واجهت المصارف الخليجية أزمة نقص التمويل، وهو ما يفسر سبب انكشاف هذه المصارف لتداعيات أزمة الائتمان العالمية بدءا من الربع الأخير من العام الماضي.
وأفادت الدراسة المسحية بقيام أكبر 20 بنكا في دول مجلس التعاون الخليجي بإضافة قروض جديدة إلى محفظة قروضها تزيد قيمتها على 40 مليار دولار، لتصل قيمة إجمالي قيمة القروض إلى 3, 359 مليار دولار مقابل 8, 312 مليار دولار في عام 2007.
وفي واقع الأمر، واكب خروج الأموال الساخنة، تعرض منطقة الخليج للتأثير الكامل للأزمة المالية العالمية خلال الربع الأخير من العام الماضي، وهو ما ترتب عليه تقلصا كبيرا في القروض ونمو الأصول، وهو ما قاد إلى بروز تنافس حاد فيما بين البنوك على الودائع.
جذب السيولة
وعليه، نفذت المصارف المركزية تدابير وإجراءات قوية لجذب المزيد من الودائع إلى المصارف، لكي تكون في موقع يمكنها من العودة مجددا إلى الإقراض، من بينها رفع أسعار الفائدة، حيث تبين البيانات الأخيرة الصادرة عن المصارف المركزية أن جهودها في هذا المجال أثمرت نتائج إيجابية، إذ أن الفجوة التمويلية بين القروض والودائع لدى أكبر 20 مصرفا في دول مجلس التعاون التي وقفت عند حدود 6, 31 مليار دولار بحلول مطلع العام الجاري، قد تراجعت إلى 7, 8 مليارات دولار، وهو ما يدل على أن الودائع تنمو بمعدل أسرع من نمو القروض.
وفي هذا السياق، زادت الودائع لدى المصارف في الإمارات من 3, 237 مليار دولار في سبتمبر 2008 إلى 8, 264 مليار دولار في مايو 2009، في التوقيت ذاته، تراجع معدل النمو السنوي لقروض من 52% في سبتمبر 2008 إلى 21% عن نفس الفترة من العام الماضي.
تحسن الفجوة
وتحسنت الفجوة بين القروض والودائع لدى المصارف في دول مجلس التعاون الخليجي، بالنظر إلى حقيقة التباطؤ الحاصل في الطلب على القروض والناجم عن تراجع النشاط الاقتصادي في دول الخليج، إذ قدرت دراسة صادرة في أغسطس من العام الجاري عن بنك أبوظبي الوطني بالإمارات أن قيمة المشاريع العقارية في السعودية بلغت 369 مليار دولار.
فيما بلغت قيمة جميع المشاريع العقارية المعلن عنها في دولة الإمارات ب14, 4 تريليونات درهم (126, 1 تريليون دولار)، منها مشاريع بقيمة 910 مليارات درهم تحت الإنشاء بنهاية مايو 2009، تشكل 58% من إجمالي المشاريع العقارية في دول مجلس التعاون الخليجي، والبالغة قيمتها 946, 1 تريليون دولار.
مشاريع عقارية
وبينت الدراسة الصادرة عن بنك أبوظبي الوطني أن قيمة المشاريع العقارية في الكويت تبلغ 215 مليارا، و119 مليار دولار في قطر، ونحو 68 ملياراً في عمان، و49 مليار دولار في مملكة البحرين. وبحسب مصادر وحدة إدارة الأصول التي أعدت الدراسة في البنك، فإن المشاريع التي تم إلغاؤها أو تأجيلها في دولة الإمارات بلغت قيمتها 267, 1 تريليون درهم (345 مليار دولار)، تعادل نحو 7, 30؟
من القيمة الإجمالية للمشاريع المعلن عنها ث أما المشاريع العقارية الملغاة أو المؤجلة في دول المجلس فقد بلغت حصتها 6% من القيمة الإجمالية للمشاريع المعلن عنها في السعودية، تعادل نحو 22 مليار دولار، و8, 3% في البحرين تعادل 86, 1 مليار دولار، و5, 2% في قطر بقيمة تبلغ 3 مليارات دولار. وبلغت نسبة المشاريع الملغاة أو المؤجلة في الكويت وعمان نحو 6, 1؟ من إجمالي قيمة المشاريع المعلن عنها، بقيمة بلغت 44, 3 مليارات دولار و09, 1 مليار دولار لكل منهما على التوالي.
ووفقا للدراسة، بلغت قيمة المشاريع العقارية تحت الإنشاء حاليا في دولة الإمارات نحو 910 مليارات درهم (7, 247 مليار دولار)، فيما بلغت 30؟ في قطر تعادل 7, 35 مليار دولار، و21% في البحرين تعادل قيمتها 3, 10 مليارات دولار، وبلغت حصة المشاريع تحت الإنشاء في سلطنة عمان 24% تعادل قيمتها 3, 16 مليار دولار، أما في السعودية فقد شكلت قيمة المشاريع تحت الإنشاء 14% تعادل 6, 51 مليار دولار، وسجلت النسبة الأدنى في الكويت، حيث بلغت حصتها 4% فقط تعادل 6, 8 مليار دولار.
استمرار التشدد
وفي هذا السياق، قدر المركز المالي الكويتي في دراسة منشورة في مارس من العام الجاري أن إجمالي قيمة المشاريع التي جرى إلغاؤها أو تأجيلها في دول مجلس التعاون الخليجي خلال عام 2008 قد بلغت 4, 25 مليار دولار.
ورغم تحسن الفجوة بين القروض والودائع، فإن البنوك ما زالت متشددة في تقديم القروض، مع الأخذ في الحسبان، التساؤلات المثارة بشأن مدى جودة هذه القروض والجدارة الإئتمانية للمقترضين، والمثال الدال على ذلك، إعلان مؤسسة النقد السعودي (سامبا) في مايو من العام الجاري عن زيادة الودائع إلى 6, 36 مليار دولار من 5, 31 مليار دولار في يناير من العام ذاته، حيث اتخذت سامبا سلسلة من التدابير منذ أكتوبر 2008 لتشجيع الاقتراض، بما في ذلك خفض أسعار الفائدة خمس مرات لتصل إلى 2%، و وخفض معدل الريبو من 50 إلى 25 نقطة أساس، واستهدفت هذه الإجراءات تشجيع البنوك على تقليل الودائع لتحفيز الاقتراض التجاري، ولكن البنوك تفضل الاحتفاظ بأموالها كودائع لدى مؤسسة النقد السعودي.
تدابير نقدية
ومع ذلك، ساعدت التدابير النقدية التي اتخذتها حكومات دول مجلس التعاون الخليجي لتخفيف تشدد أسواق الائتمان، على تحسين التمويل القصير الأجل، والمثال على ذلك، قيام مصرف الإمارات المركزي في يناير من العام الجاري بخفض معدل الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس لتصل إلى 1%، كما خفض المصرف في أغسطس من العام سعر الفائدة على تسهيلات دعم السيولة المقدمة للبنوك من 5, 2 بالمائة إلى 5, 1 بالمائة في محاولة لدعم النمو الاقتصادي وتحفيز أنشطة الإقراض، وهو من شأنه أن يقلل تكلفة الأنشطة الاقتصادية في الإمارات وخاصة الإنفاق الرأسمالي وأن يساهم في تحقيق نمو مستدام ودعم الاقتصاد الوطني.
كفاية رأسمال
بوجه عام، وفي سبتمبر من العام الجاري، أجل بنك المركزي الإماراتي المهلة أمام البنوك لزيادة احتياطي رأس المال للحماية من الخسائر المفاجئة، كما غير النسبة التي يتعين على البنوك تجنيبها من المستوى الأول لرأس المال، وقال البنك: إن القاعدة التي ستلزم البنوك في البداية بالحفاظ على معدل كفاية رأس المال الأساسي عند سبعة في المائة أضيفت كإجراء احترازي في الوقت الذي يكافح فيه لاستعادة الثقة بين البنوك وتحفيز الإقراض.
وعلق ماريوث ماراثيفتيس رئيس قسم البحوث في بنك «ستنادارد آند شارترد» على هذه التدابير بقوله: مع الأخذ في الحسبان تراجع وانحسار الفجوة التمويلية بوتيرة سريعة، فمن المعتقد أنه صار بالإمكان رؤية تحسن أوضاع السيولة بدءا من الربع الرابع من العام الجاري فصاعدا، فرغم أن الائتمان مازال متشددا، إلا أن الأوضاع تحسنت بشكل مطلق.
دبي ـ مجدي عبيد

