ظهرت دعوات من البنوك ووكالات التقييم بأن تهب الحكومات إلى تقديم المساعدة للبنوك في حالة تفاقم حدة الوضع سوءا، وذلك في ظل التوقعات المظللة بالألوان القاتمة، وتجلى ذلك خلال انعقاد اجتماعات القمة الاقتصادية العربية بالكويت.

حيث دعا اقتصاديون الصناديق السيادية إلى تقديم الدعم لمؤسساتها، وأعربت وكالة موديز عن اقتناعها بأن الدعم الحكومي سيكون كافيا في المدى القصير لمعالجة ضغوط السيولة، ومع ذلك، يجب توخي الحذر على المدى المتوسط، فربما تنشأ الحاجة لتقديم المزيد من الدعم، مع حلول أجل استحقاق الديون وتضخم الالتزامات. فمن جانب، واجهت البنوك مشكلة تفاقم القروض الرديئة، إذ أدى تباطؤ الأسواق العقارية إلى تزايد حالات تعثر المطورين العقاريين وزبائنهم،، وبحسب تقديرات بنك كريديه سويس، جاءت بنوك الكويت والإمارات في صدارة بنوك دول مجلس التعاون الخليجي الأكثر انكشافاً أمام مخاطر القطاع العقاري.

فيما أعتبر التقرير المملكة السعودية الأقل انكشافاً من بين دول مجلس التعاون الخليجي، وتبين إحصائيات النصف الأول من عام 2008 أن 31% من إجمالي محفظة القروض للبنوك الكويتية منكشفة أمام القطاع العقاري.

وأفاد تقرير صادر عن بنك كريديه سويس في مايو من العام الجاري مستوى انكشاف ستة بنوك إماراتية أمام قطاع العقارات بأنه يبلغ 60 مليار درهم من القروض. وتبلغ النسبة الإجمالية للقروض العقارية وقروض الإنشاءات 23 في المئة من إجمالي القروض بالنسبة للبنوك الإماراتية الستة، وهي ثاني نسبة في المنطقة، وأشار التقرير إلى أن نسبة القروض غير المنتجة لدى البنوك الإماراتية الستة سترتفع بمقدار 225 نقطة أساس، من 39 .1 في المئة في عام 2008 لتصل إلى 64 .3 في المئة في عام 2010 (تقديري).

وعلق محمود حوا محلل في كريدي سويس بقوله: من المحتمل أن يكون هناك جزءا مؤثرا من قروض الأفراد والشركات بالإمارات مستثمرة في قطاع العقارات، وهو ما يجعل البنوك في الإمارات والكويت الأكثر انكشافا للقطاع العقاري، وفي اعتقادنا أن الانكشاف الحقيقي للبنوك في الإمارات قد يكون في حدود 35% من إجمالي القروض.

تعثر سداد القروض

وفيما بدت حالات تعثر الشركات عن سداد قروضها أمرا متكررا، فإن البنوك في منطقة الخليج بشكل عام وفرت غطاء للشركات الحكومية الضخمة والشركات صاحبة الأسماء والعلامات التجارية الكبيرة، ولكن اضطرت الشركات المقترضة الغير قادرة على توليد سيولة نقدية وتأكيد قدرتها على الدفع على المدى القريب، على إعادة هيكلة نماذج أعمالها، وفي رأي بعض المحللين أن معظم حالات التعثر جاءت نتيجة لتشدد السيولة، وبقدر الإمكان، عملت البنوك على تقديم التغطية الائتمانية لتفادي تعسر شركات وكيانات حكومية من العيار الثقيل، بيد أنه ليس بوسع البنوك أن تقطع شوطا طويلا في هذا المضار، بدون أن توفر لها الحكومات تمويلا ضخما طويل الأجل.

وعلي الرغم من تمتع البنوك الخليجية بموقف مالي قوي نسبيا، نظرا لانخفاض معدل اعتمادها على الاقتراض، وذلك بالمقارنة مع البنوك في الولايات المتحدة وأوروبا، إلا أن المحللين توقعوا أن يدفع نقص مصادر التمويل الطويلة الأجل إلى قيام هذه البنوك بتقليص حجم أصولها على المديين القصير والمتوسط.

وهو ما أتي على ذكره ديجفيجاي سينغ المحلل في بنك كريديه سويس بقوله: تحتاج البنوك في دول مجلس التعاون الخليجي لأن تجتاز مرحلة «إزالة آثار الإقراض المفرط» المعروفة اقتصادياً بـ جضزءاةخا، ومن ثم، من المعتقد أن النفاذ إلى التمويل في أسواق الجملة صار مكلفا وصعبا، وبالتالي، من المتوقع أن تقوم هذه البنوك بتنقية موازناتها من آثار الإقراض المفرط.

وبناء على ما سبق، توقع محللون وصيارفة حدوث تحول شامل في توليفة أصول البنوك الإقليمية باتجاه تفضيل تقديم القروض للقطاع الحكومي، وهو ما يفضي إلى تراجع أهمية قروض بوصفها قوة محركة رئيسية لنمو الموازنات البنكية، وذلك في خط مواز مع تباطؤ النمو الاقتصادي.

كما توقع المحللون قيام البنوك بتجفيف تمويلاتها لعمليات الاقتراض المدعومة بالأصول، حيث قامت العديد من البنوك بوقف أو إرجاء إقراضها للشركات العقارية والفندقية، وذلك إلى جانب الصفقات القائمة على القروض المدعومة بالأصول، خاصة تمويل الرهن العقاري وتوفير التمويل الهامشي للأسهم.

وجاءت هذه التوقعات في سياق تعرض أسواق الأسهم العالمية والإقليمية لموجة من التراجعات، وهو ما غذي توقعات مفادها أنه ربما تتكبد عددا من البنوك في منطقة الخليج خسائر فادحة من جراء انكشافها على أسواق الأسهم.

وفي هذا السياق، توقع تقرير صادر من وحدة الأبحاث في بنك كريدي سويس السويسري (ابريل 2009) تراجع أرباح الربع الأول من العام الحالي للقطاع المصرفي الكويتي بواقع 50 إلى 60 في المئة مقارنة بأرباح الربع الأول من عام 2008 للبنوك الكويتية والتي بلغت مجمعة 261 مليون دينار كويتي، وقد تناول التقرير أبرز أسباب التراجع في مجموعة من المحاور أبرزها،ضعف الإنفاق الحكومي على المشاريع الاقتصادية والتنموية.

مما أثر بشكل سلبي على أرباح البنوك وخاصة مع انخفاض أسعار النفط،،وهجرة الودائع الأجنبية، وبالتالي انخفض إجمالي قيمة الودائع فيها بالرغم من زيادة حجم الودائع الحكومية المودعة في البنوك، ولذلك توقع التقرير تراجعاً واضحاً في أرباح الربع الأول قد يصل إلى نصف قيمة الأرباح في الربع الأول من عام 2008.

ندرة التمويل

وفي التوقيت ذاته، أظهرت أسواق المال العالمية القليل من العلامات التي تؤشر على عودة التعافي مجددا، وهو ما يتجلى بوضوح في استمرار ندرة التمويل المتوسط والطويل الأجل والذي يكون باهظ التكلفة في حالة العثور عليه، وصاحب ذلك، إعراب العاملين في الصناعة المصرفية عن قلقهم بشأن تدهور جودة الأصول.

وفي رأي فيليب سميث المدير التنفيذي بوكالة «فيتش» للتقييمات الائتمانية، تعتبر المسألة الحيوية هنا هي حجم المشاكل والصعوبات التي يمكن أن يواجهها عملاء البنوك من الشركات والأفراد خلال العام الجاري، وهو ما قد يترتب علية تكبدهم رسوم أعلي، الأمر الذي لن يترتب عليه إلحاق الضرر بجودة الأصول فحسب، ولكن كذلك، قدرة البنوك على الاحتفاظ بعوائد تدعم رؤوس أموالها.

وعلي نفس المنوال، تعاني جودة الأصول منذ عام مضى من تحول دورة الأعمال، وهو ما يعني أن أي تدهور في جودة الأصول ربما تظهر أعراضه بدءا من أكتوبر المقبل، ولكن في نظر بعض المحللين على غرار جياس جوكينت كبير الإقتصاديين في بنك أبو ظبي الوطني، أن تأثير تدهور الأصول على الربحية قد تراجع بفعل قيام البنوك بإعادة تسعير معدلات الائتمان والودائع.

وقد سجلت البنوك بالفعل تراجعا في أرباحها الصافية خلال عام 2008 نسبته 2%، بانخفاض قيمة أرباحها مجتمعة من 1 .13 مليار دولار في 2007 إلى 8 .12 مليار دولار في عام 2008، حتى بنك الإمارات دبي الوطني قد تقلصت أرباحه في عام 2008 بنسبة 7% بالمقارنة مع عام 2007، لتبلغ 03 .1 مليار دولار.

وبحسب بيانات مصرف الإمارات المركزي، تباطأ معدل نمو الأصول بوتيرة سريعة منذ سبتمبر 2008، إذ كانت تبلغ قيمة الأصول في الإمارات 6 .397 مليار دولار حينذاك، بزيادة نسبتها 37% عن نفس الفترة من عام 2006، ولكن في مايو من العام الجاري، وقفت قيمة الأصول عند حدود 1 .416 مليار دولار بزيادة نسبتها 10% مقارنة بنفس الفترة من عام 2008 أشارت بيانات مصرف الإمارات المركزي المنشورة حديثا إلى تراجع أصول البنوك في دولة الإمارات في شهر يونيو الماضي إلى 3 .1489 مليار درهم مقارنة بـ 4 .1498 مليار درهم لشهر مايو 2009 أي بنسبة (-6 .0%).

كما تراجعت الوداع البنكية إلى 7 .961 مليار درهم (- 1 .1%)، وانخفضت أيضاً قروض الأفراد إلى 2 .205 مليارات درهم (- 1 .1%) في الشهر نفسه (يونيو) بالمقارنة مع الشهر الذي سبقه (مايو 2009).

وعلى نفس المنوال، تبين البيانات الصادرة عن الأنظمة المصرفية المختلفة تباطؤ وتيرة نمو الأصول، ولذلك، يبدو واقعياً بالنسبة لجوكينت كبير الاقتصاديين في بنك أبو ظبي الوطني أن تحقق الأصول نموا من رقم واحد خلال عام 2009.

وفي حقيقة الأمر، تبلور ما يشبه الإجماع فيما بين المحللين بأن معدل نمو الأصول سينهض خلال النصف الثاني من العام الحالي، مع ظهور تأثير حزمات التحفيز المالي والنقدي التي تبنتها السلطات النقدية في الخليج، الأمر الذي سيعزز تدفق الائتمان عبر الأنظمة المصرفية.

ومع ذلك، مازال القلق مثارا يشأن عدم كفاية السيولة على نحو يعجل بعودة تعافي وانتعاش البنوك في منطقة الخليج، وذلك بالنظر إلى اعتمادها الشديد على الإقراض في ظل غياب وجود الأوعية الاستثمارية الأخرى، على غرار المتاجرة في الأوراق المالية كالسندات، ومن ثم، يرى بعض المحللين أن نمو نشاط الإقراض سيعترضه عوائق ناجمة عن استمرار المصاعب التي تواجهها البنوك في جذب الودائع، وانتهاج البنوك منهاجا حذرا في تقديم الائتمان.

وعليه، يكون من المتعين على المصارف الخليجية أن تلطف من توقعاتها بخصوص آفاق النمو في العام المقبل، وذلك بعدما تمتعت على مدى 7 أعوام بمعدلات نمو كبيرة مدعومة بالطفرة النفطية.

وبالتالي، وفي رأي ماريوث ماراثيفتيس رئيس قسم البحوث في بنك «ستاندارد آند شارترد» ستنمو الأصول خلال العام الجاري، ولكن بوتيرة أبطأ مقارنة بالنمو غير الصحي الذي شهده عام 2008.

حيث يعد عام 2009 بمثابة عام التصحيح لمعدلات الصعود الزائدة عن الحد، وفي ظل سيطرة عامل عدم اليقين على الساحة المالية، فإن الشيء الواضح والجلي هو أنه سيكون من المتعين على البنوك الخليجية أن تواجه الكثير والمتاعب، وذلك إلى حين تستقر الأوضاع الاقتصادية، لتسلك بعد ذلك البنوك مسار النمو المستدام.

دبي ـ مجدي عبيد