منذ عام مضى، وعندما بدأت الاقتصاديات الغربية في الترنح تحت وطأة ضغوط انهيار أسعار الأصول، وتكبد المحافظ الاستثمارية خسائر فادحة، وزيادة أعداد الشركات المتعثرة، وتشدد السيولة، وعندما طفت على السطح هذه الأعراض التي تؤذن بتفجر أزمة عالمية من العيار الثقيل، استبعد الكثير من المحللين أن تتسع دائرة الرقعة الجغرافية التي تفجرت فيها الأزمة لتطول منطقة الخليج، وبدا الأمر حينذاك للكثيرين بأن الأنظمة المالية في منطقة الخليج بعيدة كل البعد عن التأثر يشكل مباشر من تلك المشاكل.

تعززت قوة المنطق القائل بحصانة منطقة الخليج حيال هذه الأزمة أنه لم يصاحب بدايات تفجر الأزمة في الاقتصاديات العربية، ظهور أعراض توحي بانتقال عدواها إلى منطقة الخليج، فلم تظهر براهين ودلائل قوية تشير إلى تعرض مصارف المنطقة لانهيارات وتراجعات ضخمة وعلى نطاق واسع.وباستثناء حفنة قليلة من المصارف التي تكبدت خسائر طفيفة جراء استثمارها في القطاع العقاري الأميركي، أنهت معظم المصارف في المنطقة الربع الثاني من عام 2008، ويحدوها نظرة مستقبلية مفعمة بالثقة بقدرتها على تحقيق المزيد من النمو، بعدما نمت أرباحها الصافية بما يتراوح بين 30 إلى 70%. بيد أن الأوضاع تبدلت جذريا خلال الربع الثالث من العام الماضي، حيث طرأت تحولات عميقة على وضع المصارف في منطقة الخليج، فعلى الرغم من مواصلة هذه المصارف تبنيها موقف النفي إزاء مسألة الانكشاف لتداعيات الأزمة التي تطوق المصارف الغربية، إلا أن التحليلات بدأت تشير إلى تعرض هذه المصارف لضغوط ناجمة عن القروض الرديئة.

وظهرت تنبؤات تحذر من أن ضخامة القروض الرديئة سيجبر عددا من المصارف الإقليمية الضخمة على تسجيل خسائرها الضخمة والسعي نحو إعادة الرسملة، والمضي قدما في بعض الحالات على مسار الاندماجات لكي تظل قادرة على الطفو فوق السطح لكي لا تنزلق في دوامة تداعيات الأزمة.

الظلال القاتمة

ومع هذه الظلال القاتمة التي بدأت تسدل على الصورة العامة لأفق القطاع المصرفي الخليجي، زادت حدة المخاوف من أن يكون الأداء القوي للمصارف الخليجية الذي أغلقت به الربع الأول من عام 2008 قد شارف على الانتهاء، وذلك في ظل التراجع الحاد في الارباح خلال الربعين الثالث والرابع من العام الماضي، ومن ثم، وبدءا من الربع الأول من العام الحالي، تبلورت صورة لموقف القطاع المصرفي الخليجي مخالفة تماما للتوقعات التي راجت في بدايات تفجر الأزمة، وتراكمت الظلال لتزيد من قتامه الوضع.

وفي قلب متاعب القطاع المصرفي، تبرز ديناميكيات الاقتصاد الكلي في منطقة الخليج والمرتبطة بشكل أساسي بثرائها النفطي، إذ أفضت الانهيارات المتتالية في أسعار النفط والتي تراجعت بنسبة 70% عن مستوى الذروة الذي بلغته في يوليو 2008، أفضي إلى تقلص ضخم في السيولة المحلية الكلية نتيجة لما شهده هذا القطاع في مطلع الأمر من نزوح لرؤوس الأموال إلى الخارج، ثم انهيار أسعار الأصول.

وفي رأي بعض المحللين على غرار راج مادها المدير المسؤول عن بحوث الأسهم في المجموعة المالية هيرمس القابضة، شكل توقف النفاذ إلى أسواق السندات الدولية أول علامة فورية على انتقال أعراض أزمة الائتمان العالمية إلى القطاع المصرفي الخليجي، وتزامن مع هذا الأمر، خروج الودائع من النظام المصرفي، وقاد هذان الأمران المجتمعان إلى بروز مشكلة «ضغط السيولة».

تقلص الأصول

وقويت التوقعات بأن أسعار الأصول في المنطقة ستشهد المزيد من التقلص والتراجع تحت وطأة تضافر نكبة الأسواق المالية العالمية مع تزعزع الثقة بخصوص أفق الاقتصاد العالمي وتراجع أسعار النفط العالمية، وحفز هذا المزيج من التداعيات السلبية بعض المحللين على غرار الدكتور علاء اليوسف كبير الاقتصاديين ببيت التمويل الخليجي على التوقع بتراجع نمو السيولة المحلية خلال العام الحالي بسبب التقلص غير المتوقع في نمو الإيرادات البترو دولاريه وائتمان القطاع الخاص.

وتوقع كذلك محللون تراجع الطلب على الائتمان خلال العام الجاري كنتيجة لإرجاء شركات خطط وبرامج التوسع، فضلاً عن إجرائها تخفيضات في الإنتاج، وهو ما سوف يقود إلى تجفيف مصدر رئيسي للودائع، وخلق سلسلة (ائتمان/إقراض) بالنسبة للمصارف في دول مجلس التعاون الخليجي.

وفيما تعرضت البنوك الإقليمية لضغوط ائتمانية على جانبي الطلب والعرض، ظهرت علامات تشير بوضوح إلى تدهور جودة الأصول التي تحوزها المصارف الخليجية، ففي مطلع العام الحالي، أعلنت وكالة التصنيف الائتماني «موديز» تخفيض تصنيفها الائتماني للودائع بالعملة الأجنبية لدي أكبر بنكيين يعملان بقطاع التجزئة في البحرين، وهما بنك البحرين وبنك البحرين والكويت.

وجاء هذا التقييم بعد يومين من تخفيض الوكالة لتصنيف الدين في البحرين إلى «سلبي» من «مستقر» في ظل تراجع أسعار النفط، منحدراً عن المستوى الذي بنت عليه البحرين خطط الموازنة والأزمة المالية العالمية التي عصفت بالصناعة المالية، وذكرت وكالة التصنيف الدولية أن الاحتياطات النقدية المحدودة في البحرين قد لا يكون لديها المرونة الكافية لاستيعاب صدمة التراجع في الأسعار وتجنب الضرر .

وعلى الرغم من أن البحرين هي واحدة من أكثر الاقتصاديات تنوعا في منطقة الخليج، فإن الحكومة تعتمد على النفط في معظم إيراداتها. ورغم أن قطاع النفط لا يمثل سوى 15 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ونحو الربع من الخدمات المالية، فإن الحكومة لا تزال تعتمد على النفط والغاز بنحو 80 في المئة من إيراداتها.

القروض الدفترية

وفي يونيو من العام الجاري سحبت وكالة «فيتش» تصنيفها الائتماني لشركة بيت الاستثمار العالمي «غلوبل» الكويتية، المتعلق بقدرة غلوبل على الوفاء بإصداراتها بالعملة الأجنبية من السندات الطويلة الأجل والسندات القصيرة الأجل المصنفة بمستوى «دي» لكل منها. كما أكدت وسحبت تصنيفاتها السابقة لإصدارات «غلوبل» من السندات طويلة الأجل وقصيرة الأجل المصدرة بالعملة المحلية الدينار. وأبقت الوكالة على تصنيفها القائم لإصدار من السندات بقيمة 50 مليون دينار عند «سي سي».

وبالتزامن سحبت فيتش تصنيفها المرتبط بقدرة غلوبل على التعافي «آر آر 4» الخاص بإصدار السندات. وقالت الوكالة انها ستتوقف عن إصدار اي تصنيف أو تحليل حول «غلوبل». وتعد غلوبل أكبر شركة استثمار في الكويت، وهي تعاني مشاكل في السيولة بعد تعرض أصولها لخسائر جراء الأزمة المالية العالمية.

وفي أغسطس من العام الجاري أعلنت وكالة التصنيف الائتماني «موديز» تخفيض تصنيف القوة المالية التي يتمتع بها بنك «إتش إس بي سي الشرق الأوسط» من (+) إلى ()، بالإضافة إلى تصنيف الدين بالعملة المحلية والودائع بالعملة الأجنبية للبنك على المدى البعيد من (ءء2) ليصبح (ءء3)، وأبقت الوكالة على تصنيف الودائع بالعملة المحلية والعملة الأجنبية على المدى القصير بدون تغيير عند مستوى (ذزةح-1).

ووصفت الوكالة المشهد المستقبلي لهذه التصنيفات بأنه مستقر، وعكست الخطوة التي اتخذتها «موديز» بعد مراجعة بدأت في 17 مارس احتمالية أن تواجه وحدة الشرق الأوسط من البنك ضغوطاً على الربحية ونوعية الأصول في الدول التي يعمل فيها،كما أخذت الوكالة في الحسبان التدهور الذي حصل مؤخراً في محفظة قروض البنك سواء من حيث القروض المؤسساتية أو من حيث ضعف تعرض الخدمات البنكية للأفراد.

وفي الشهر ذاته، أعلنت وكالة «موديز» لخدمات المستثمرين عن خفضها التصنيف الائتماني لثلاثة بنوك كويتية مشيرة إلى ضعف ظروف الائتمان في الوقت الذي يعاني فيه القطاع المصرفي في البلاد من تداعيات الأزمة المالية العالمية .

وفي حين أكدت الوكالة على التصنيف الائتماني طويل المدى للودائع بالعملة المحلية والودائع بالعملة الأجنبية لبنك الكويت الوطني عند المرتبة ء2، إلا أنها خفضت تصنيف المتانة المالية إلى + وذلك بسبب تراجع الوضع الاقتصادي في الكويت، وخفضت «موديز» التصنيف الائتماني لبنك «برقان» من ء2 إلى ء1 نظرا لتعرضه إلى بعض المخاطر الائتمانية نتيجة الصعوبات في شروط الإقراض والتحسن البطيء في البورصة الكويتية وانكشافه على القطاع العقاري والشركات الاستثمارية.

كما خفضت درجة المتانة المالية للبنك من - إلى + كما خفضت «موديز» تصنيف المتانة المالية لبنك الخليج إلى D+، ولودائعه إلى - مشيرة إلى أنه لا يزال يواجه تحديات على الرغم من إحرازه تقدماً في التغلب على الضائقة المالية الناجمة عن خسائر كبيرة تكبدها نتيجة تعامله في مشتقات مالية معقدة.

وعلقت آراء على تخفيضات الجدارة الائتمانية للبنوك الخليجية بأن ذلك أمر طبيعي في ظل استمرار التداعيات السلبية للأزمة المالية العالمية، فضلاً عن وكالات التقييم والتصنيف العالمية باتت تتبنى استراتيجية حذرة وأكثر تشدداً وتحوطاً بشأن تقدير التصنيفات الائتمانية في أعقاب تزايد حدة الاتهامات الموجهة إليها بأنها أحد أسباب تفاقم الأزمة المالية العالمية بوصفها تورطت في منح بعض البنوك تصنيفات لا تستحقها ولم تلبث هذه البنوك أن انهارت فور نشوب الأزمة المالية وبالتالي فإن تقديراتها أصبحت متشددة للغاية.

وبحسب الإحصائيات الحديثة فإن هناك نحو 150 وكالة تصنيف ائتماني تعمل في 32 دولة حول العالم، لكن اثنتين فقط من هذه الوكالات تحتكران%80 من سوق التصنيف العالمي، وهما وكالة موديز ووكالة ستاندرد آند بورز، تليهما وكالة فيتش التي تهيمن على%14 من سوق التصنيف العالمي المقدرة قيمته بنحو 250 مليار دولار، فيما تتنافس باقي الوكالات على حصة سوقية لا تزيد قيمتها على% 6 من حجم السوق.

وكان أكثر ما أثار قلق المحللين هو القروض الدفترية للبنوك، نظرا لانكشافها الضخم سواء يشكل مباشر أو غير مباشر على القطاع العقاري، وبالتالي، تراكمت متاعب البنوك في رأي إمانويل فولاند محلل الائتمان بالقطاع المصرفي بوكالة «ستاندارد آند بورز» نتيجة لتعدد أشكال وصور الأزمة، بدءا من تراجع أسعار النفط، ومرورا بتباطؤ الاقتصاد العالمي وانهيار أسواق الأسهم، ووصولا إلى تزايد الضغوط على أسعار العقارات.

وواجهت البنوك مشكلة تفاقم القروض الرديئة، إذ أدي تباطؤ الأسواق العقارية إلى تزايد حالات تعثر المطورين العقاريين وزبائنهم،، وبحسب تقديرات بنك كريديه سويس، جاءت بنوك الكويت والإمارات في صدارة بنوك دول مجلس التعاون الخليجي الأكثر انكشافا أمام مخاطر القطاع العقاري،.

فيما أعتبر التقرير المملكة السعودية الأقل انكشافا من بين دول مجلس التعاون الخليجي، وتبين إحصائيات النصف الأول من عام 2008 أن 31% من إجمالي محفظة القروض للبنوك الكويتية منكشفة أمام القطاع العقاري، وأفاد تقرير صادر عن بنك كريديه سويس في مايو من العام الجاري مستوى انكشاف ستة بنوك إماراتية أمام قطاع العقارات بأنه يبلغ 60 مليار درهم من القروض. وتبلغ النسبة الإجمالية للقروض العقارية وقروض الإنشاءات 23 في المئة من إجمالي القروض بالنسبة للبنوك الإماراتية الستة.

وهي ثاني نسبة في المنطقة، وأشار التقرير إلى أن نسبة القروض غير المنتجة لدى البنوك الإماراتية الستة سترتفع بمقدار 225 نقطة أساس، من 39, 1 في المئة في عام 2008 لتصل إلى 64, 3 في المئة في عام 2010 (تقديري)، وعلق محمود حوا محلل في كريدي سويس بقوله: من المحتمل أن يكون هناك جزء مؤثرا من قروض الأفراد والشركات بالإمارات مستثمرة في قطاع العقارات، وهو ما يجعل البنوك في الإمارات والكويت الأكثر انكشافا للقطاع العقاري، وفي اعتقادنا أن الانكشاف الحقيقي للبنوك في الإمارات قد يكون في حدود 35% من إجمالي القروض.

وفيما بدت حالات تعثر الشركات عن سداد قروضها أمرا متكررا، فإن البنوك في منطقة الخليج بشكل عام وفرت غطاء للشركات الحكومية الضخمة والشركات صاحبة الأسماء والعلامات التجارية الكبيرة.

ولكن اضطرت الشركات المقترضة الغير قادرة على توليد سيولة نقدية وتأكيد قدرتها على الدفع على المدى القريب، على إعادة هيكلة نماذج أعمالها، وفي رأي بعض المحللين أن معظم حالات التعثر جاءت نتيجة لتشدد السيولة، وبقدر الإمكان، عملت البنوك على تقديم التغطية الائتمانية لتفادي تعسر شركات وكيانات حكومية من العيار الثقيل، بيد أنه ليس بوسع البنوك أن تقطع شوطا طويلا في هذا المضار، من دون أن توفر لها الحكومات تمويلا ضخما طويل الأجل.

وعلي الرغم من تمتع البنوك الخليجية بموقف مالي قوي نسبيا، نظرا لانخفاض معدل اعتمادها على الاقتراض، وذلك بالمقارنة مع البنوك في الولايات المتحدة وأوروبا، إلا أن المحللين توقعوا أن يدفع نقص مصادر التمويل الطويلة الأجل إلى قيام هذه البنوك بتقليص حجم أصولها على المديين القصير والمتوسط،.

وهو ما أتي على ذكره ديجفيجاي سينغ المحلل في بنك كريديه سويس بقوله: تحتاج البنوك في دول مجلس التعاون الخليجي لأن تجتاز مرحلة «إزالة آثار الإقراض المفرط» المعروفة اقتصادياً بـ جضزءاةخا، ومن ثم، من المعتقد أن النفاذ إلى التمويل في أسواق الجملة صار مكلفا وصعبا، وبالتالي، من المتوقع أن تقوم هذه البنوك بتنقية موازناتها من آثار الإقراض المفرط.

وبناء على ما سبق، توقع محللون وصيارفة حدوث تحول شامل في توليفة أصول البنوك الإقليمية باتجاه تفضيل تقديم القروض للقطاع الحكومي، وهو ما يفضي إلى تراجع أهمية قروض بوصفها قوة محركة رئيسية لنمو الموازنات البنكية، وذلك في خط مواز مع تباطؤ النمو الاقتصادي.

كما توقع المحللون قيام البنوك بتجفيف تمويلاتها لعمليات الاقتراض المدعومة بالأصول، حيث قامت العديد من البنوك بوقف أو إرجاء إقراضها للشركات العقارية والفندقية، وذلك إلى جانب الصفقات القائمة على القروض المدعومة بالأصول، خاصة تمويل الرهن العقاري وتوفير التمويل الهامشي للأسهم، وجاءت هذه التوقعات في سياق تعرض أسواق الأسهم العالمية والإقليمية لموجة من التراجعات.

وهو ما غذي توقعات مفادها أنه ربما تتكبد عددا من البنوك في منطقة الخليج خسائر فادحة من جراء انكشافها على أسواق الأسهم. وفي هذا السياق، توقع تقرير صادر من وحدة الأبحاث في بنك كريدي سويس السويسري(إبريل 2009) تراجع أرباح الربع الأول من العام الحالي للقطاع المصرفي الكويتي بواقع 50 إلى 60 في المئة مقارنة بأرباح الربع الأول من عام 2008 للبنوك الكويتية والتي بلغت مجمعة 261 مليون دينار كويتي.

وقد تناول التقرير أبرز أسباب التراجع في مجموعة من المحاور أبرزها، ضعف الإنفاق الحكومي على المشاريع الاقتصادية والتنموية، مما أثر بشكل سلبي على أرباح البنوك وخاصة مع انخفاض أسعار النفط،،وهجرة الودائع الأجنبية، وبالتالي انخفض إجمالي قيمة الودائع فيها بالرغم من زيادة حجم الودائع الحكومية المودعة في البنوك، ولذلك توقع التقرير تراجعاً واضحاً في أرباح الربع الأول قد يصل إلى نصف قيمة الأرباح في الربع الأول من عام 2008.

دبي ـ مجدي عبيد