يقول الدكتور عبدالله عبد الرحمن الهاجري استشاري أمراض قلبية في وزارة الصحة وباحث أكاديمي في كلية امبريال ـ لندن ان علماء الطب والغذاء ما زالوا يتسابقون لاكتشاف الفوائد الصحية والنفسية العائدة من خلال الصيام، حيث ظهر عدد من الكتب الطبية في أميركا وأوروبا تتحدث عن فوائد الصوم الطبي، منها «التداوي بالصوم» لشلتون، وكتاب «الصوم الطبي: النظام الغذائي الأمثل»، و«الصوم إكسير الحياة، و« العودة إلى الحياة السليمة بالصوم الطبي» وغيرها.

التحول الغذائي للمواد النشوية والسكرية

ويوضح في حوار لـ «نور الصحة» انه بهدف حصول الجسم على التوازن الداخلي فإنه يجب أن يحتفظ بنسبة السكر في الدم أعلى من 80 مليغرام في المئة وأثناء الصوم وبعد أن تتم عملية امتصاص المادة الكربوهيدراتية من الجهاز الهضمي واستنفادها في عملية التحول الغذائي فإن نسبة السكر في الدم يحتفظ بها عن طريق عملية تحلل الجليكوجين، أي أن الجليكوجين مختزن في الكبد.

ومن الضروري أن يحتفظ بنسبة السكر في الدم أعلى من 80 مليغراماً في المئة وإلا ظهرت أعراض انخفاض السكر في الدم. إن عضوا مثل المخ لا يتم فيه أي عملية تحول غذائي ولكنه يستخدم السكر (جلوكوز) فقط للحصول على الطاقة المطلوبة لأداء وظيفته ومن ثم فإن أي انخفاض في نسبة جلوكوز الدم سيؤثر على وظيفة المخ.

ويشير إلى إن عملية انتقال الجليكوجين، وتحلله في الكبد تبدأ بإفراز هرمونات معينة مثل الأدرنالين، والكورتيكوستيرويد ويمر الجلوكوز الناتج من هذه العملية إلى الدم للاحتفاظ بنسبة في الدم أعلى من 80 مليغرام في المئة، ويوجد الجليكوجين أيضاً في الفضلات وهذا الجليكوجين يحول غذائياً في الأفراد الصائمين ذوي النشاط العضلي، في حين لا يمكن الحصول على جلوكوز من عملية تكسر الجليكوجين في العضلات وذلك لعدم توافر انزيم فوسفاتيز 6 جلوكوز.

لافتا إلى انه يمكن تولد الطاقة اللازمة من عملية التمثيل الغذائي للجليكوجين في العضلات وفي حالة المجهودات العضلية الشديدة تحدث عملية تحلل الجليكوجين في عدم وجود الهواء وينتج عنها حامض اللاكتيك الذي يمر إلى الدم ويتحول بدوره إلى جلوكوز وجليكوجين، بواسطة الكبد.

ويوضح انه لدى الشخص الذي يزن 70 كيلوغراما يختزن الكبد 100 غرام من الجليكوجين والذي يمكن أن يمد أنسجة الجسم بما تحتاجه من جلوكوز لمدة 6 ساعات وكمية الجلوكوز في الدم هي 8 غرام فقط وبعد أن تستنفد كل مخازن الجليكوحي تبدأ علمية الجليكوجنيسيز لإنتاج جلوكوز من مصادر غير المواد الكربوهيدراتية وخاصة من الأحماض الأمينية.

ويضيف الدكتور الهاجري انه وأثناء الصيام عندما تنضب مخازن الجليكوجين في العضلات فإن الأخيرة تبدأ في استخدام الدهون كمصدر للطاقة وخاصة في الأشخاص الصائمين ذوي المجهود العضلي الكبير، كذلك تبدأ عملية الجليكوجينيسيز للحصول على جلوكوز من مصادر جديدة.

التحليل الغذائي للدهون

اما بالنسبة للتحليل الغذائي للدهون فيقول ان الدهون تستخدم من المصادر الغذائية ومن مخازن في الجسم وتحلل مائياً إلى جليسيرول وسلسلة طويلة من الأحماض الدهنية ويتم ذلك في الكبد ويتحول الجليسرول إلى جلوكوز أما الأحماض الدهنية فتتحول إلى كو إنزيم أ+ ثاني أوكسيد الكربون+ ماء.

بالإضافة إلى بعض الأجسام الكينونية والتي يمكن تحويله، واستخدامها في أنسجة معينة من الجسم وقد يشكل زيادة نسبة الكينون خطورة وخاصة في بعض الأمراض التي يحدث فيها ارتفاع في نسبة الأحماض مثل مرض البول السكري الغير منضبط وحالات عدم قدرة الكلى على القيام بوظائفها.. الخ.

ويشير إلى ان التغييرات التي تحدث في عملية التحويل الغذائي أثناء الصيام تشمل تحرج الجليكوجين من أماكن تخزينه في الكبد وتحول الجليكوجين الموجود في العضلات وأكسدة المواد الدهنية للحصول على الطاقة اللازمة مع ارتفاع في نسبة الكينون وكذلك عملية إنتاج جلوكوز من الأحماض الأمينية والتي تعد مضادة لعملية تكون الكينون أو تكون مصدراً للحصول على الجلوكوز.

بينما لدى الأشخاص غير الصائمين تحدث هذه التغييرات بمعدل بطيء جداً أما أثناء الصوم فإنه من المحتمل أن تزيد كمية المواد الداخلة في هذه التفاعلات ويستفاد من هذا في ترهيف وزيادة حساسية تفاعلات الجسم لمواجهة أي ضغط أو إجهاد، إنها عملية تنقية وزيادة حساسية تفاعلات الجسم لمواجهة أي ضغط أو إجهاد.

التغيرات الحادثة في القلب

وعن التغيرات التي تجري في القلب يقول إن عشرة في المئة من كمية الدم التي يدفع بها القلب إلى الجسم تذهب إلى الجهاز الهضمي أثناء علمية الهضم وفي أثناء الصوم إذ إنه لا توجد عملية هضم، حيث ان هناك انخفاضاً كبيراً في كمية الدم التي يدفع بها القلب إلى الجهاز الهضمي وهذا يعني عملاً أقل للقلب وبالتالي قدراً من الراحة.

وفي عملية التحويل الغذائي فإن عملية تكون الكيتون قد تشكل خطراً في بعض الحالات المرضية ولهذا فإنه من التدبر ألا ينصح بالصيام في مثل هذه الحالات خشية أن يلحق بالمريض ضرر إذا ما صام.

كذلك الأمر بالنسبة لمرضى السكر الذين يعانون من زيادة مادة الكيتون في الدم أو الذين يعالجون بعقار البيجوانيد وذلك لوجود خطورة تكون حامض اللاكتيك كذلك في حالات مرضى الكلى لا ينصح بالصيام لنفس الأسباب، بالإضافة إلى أنه في هذه الحالات المرضية السابق ذكرها يجب تناول كميات كبيرة من السوائل لضمان إدرار كميات معقولة من البول.

فائدة وراحة

ويؤكد ان في الصيام والراحة فائدة عظيمة لمرضى القلب وسيلاحظ مرضى الذبحة الصدرية أنه أثناء الصوم ستقل عدد المرات التي يعانون فيها آلام الصدر وذلك نتيجة لانخفاض كمية الدم الذي يدفعه القلب بنسبة ـ ؟% حيث إن المرضى الذين في حاجة لدخول المستشفى أو يحتاجون علاجاً عن طريق الفم أو الحقن أثناء النهار يجب عليهم ألا يصوموا.

أما الأشخاص المدخنون والذين يريدون أن يتركوا هذه العادة فإنهم سيجدون في الصيام أرضاً جيدة للتدريب على هذا، حيث إن عدم التدخين في الفترة من طلوع الشمس حتى غروبها سيكون كافياً لحدوث بعض الأعراض نتيجة لإلغاء عادة التدخين وبمرور الوقت خلال شهر رمضان سيضعف هذا التوقان إلى التدخين كثيراً وسوف يتمكن الفرد من الإقلاع عن هذه العادة تماما.

معالجة البدانة بالصيام

ويتابع د. الهاجري حديثه عن فوائد الصيام قائلا: حظيت البدانة وما يرافقها من اضطراب استقلاب الدسم اهتماماً كبيراً، بل وإجماعاً لدى المؤلفين حول استفادتها من العلاج بالصوم، ذلك أن السمنة المفرطة وازدياد تراكم الشحوم في البدن تشكل خطراً حقيقياً على حياة الشخص من جراء تعرضه لآفات شديدة الخطورة: كتصلب الشرايين، وارتفاع الضغط الدموي، وتشمع الكبد، والعنانة، والداء السكري، وأمراض القلب العضوية، والنزيف الدماغي، وغيرها.

وللبدانة أسباب ولكن أهمها تضخم المدخول الغذائي نسبة للمجهود العملي الذي يقوم به الشخص وهي مرتبطة بعادات التغذية التي يمارسها الفرد منذ صباه، مشيرا إلى ان الصيام يعد وسيلة غريزية مجدية في إذابة الشحوم في البدن واعتدال استقلاب الأغذية فيه.

كما أن مشاركة الجوع بالعلاجات الفيزيائية كالمشي والتمارين الرياضية والتدليك والحمامات المائية تعطي أفضل النتائج، فضلاً عن أنها وسائل غير مؤذية ولا تفضي إلى النتائج الوخيمة المشاهدة عند استعمال الهرمونات والمدرات ومثبطات الشهية التي يهرع إليها البدينون بغية إنقاص وزنهم.

فوائد الصيام بشكل عام

وفيما يتعلق بفوائد الصيام عامة ذكر الدكتور الهاجري انها متعددة أهمها:

ــ الصوم يوقف عملية امتصاص المواد المتبقية في الأمعاء ويعمل على طرحها والتي يمكن أن يؤدي طول مكثها إلى تحولها لنفايات سامة، حيث انه الوسيلة الوحيدة الفعالة التي يسمح بطرد السموم المتراكمة في البدن والآتية من المحيط الملوث.

ــ بفضل الصوم تستعيد أجهزة الاطراح والإفراغ نشاطها وقوتها ويتحسن أداؤها الوظيفي في تنقية الجسم، مما يؤدي إلى ضبط الثوابت الحيوية في الدم وسوائل البدن، حيث يؤكد الإجماع الطبي ضرورة إجراء الفحوص الدموية على الريق، أي يكون الخاضع للفحص صائماً.

ــ بفضل الصوم يستطيع البدن تحليل المواد الزائدة والترسبات المختلفة داخل الأنسجة المريضة.

ــ الصوم أداة يمكن أن تعيد الشباب والحيوية إلى الخلايا والأنسجة المختلفة في البدن.

ــ الصوم يحسن وظيفة الهضم، ويسهل الامتصاص ويسمح بتصحيح فرط التغذية.

ــ الصوم علاج شاف، هو الأكثر فعالية والأقل خطراً لكثير من أمراض العصر المتنامية، فهو يخفف العبء عن جهاز الدوران، وتنخفض نسبة الدسم وحمض البول في الدم أثناء الصيام، فيقي البدين من الإصابة بتصلب الشرايين، وداء النقرس، وغيرها من أمراض التغذية والدوران وآفات القلب.

الأيام الأولى من الصيام

ويؤكد أن الصائم قد يشعر ببعض المضايقات في أيام صومه الأولى، كالصداع والوهن والنرفزة وانقلاب المزاج، وهذه تفسر بأن الجسم عندما يتخلص من رواسبه المتبقية داخل الأنسجة، ينتج عن تذويبها سموم تتدفق في الدم قبل أن يلقى بها خارج الجسم، وهي إذ تمر بالدم، تمر عبر الجسد وأجهزته كلها من قلب ودماغ وأعصاب مما يؤدي إلى تخريشها أول الأمر وظهور هذه الأعراض، والتي تزول بعد أيام من بدء الصيام.

مزايا الصيام الطبي

ويضيف ان فوائد الصيام الطبي أيضاً علاج ارتفاع ضغط الدم الشرياني حيث يبدأ الضغط في الانخفاض بعد اليوم الثالث من الصيام ويعود إلى وضعه الطبيعي بعد أسبوعين إلا أن المحافظة على مستواه الطبيعي يحتاج إلى مراقبة طبية، كما يفيد الصوم في علاج ارتفاع نسبة الكولسترول والدهون الثلاثية في الدم حيث تعود إلى وضعها الطبيعي إلا إذا كانت الإصابة وراثية عندها يعاود الكولسترول والدهون الارتفاع بعد حوالي ستة أشهر من الصيام.

كما أن الصوم الطبي يفيد أيضاً في علاج الكثير من الأمراض الجلدية مثل الأكزيميا وحب الشباب الذي يختفي بعد 3 أسابيع من الصيام وقد تحتاج بعض الحالات إلى تكرار الصيام أكثر من مرة أما بالنسبة للصدفية فالصوم الطبي يفيد في علاجها جزئياً حيث تصل مدة الصيام إلى أربعين يوماً ويتكرر الصيام لعدة مرات وبعد كل صيام تتحسن حالة المصاب بنسبة تتراوح من 15 ـ 20 %، مضيفا ان للصيام فوائد منها السيطرة على الكولسترول العالي في الدم من خلال الامتناع عن التدخين والذي يسبب تدمير جدار الأوعية الدموية في الجسم ويجعلها أكثر عرضة لتكوين كتل دهنية.

كما يساعد التدخين أيضاً علي خفض نسبة (HDL) في الدم إلى 15%. تغيير نظام الحياة والذي يمنحه الصوم هو الخطوة الأولى لتحسين مستوى الكولسترول وثلاثي االغلسريد في الدم، حيث تتضمن هذه الخطوات نظام التغذية السليم، والقيام بالتمارين الرياضية.

موانع الصيام الطبي

اما بالنسبة لموانع الصيام فيقول الدكتور الهاجري إن الصوم الطبي لا يعتبر علاجاً لكل الأمراض حيث لا بد من التعامل مع كل حالة مرضية على حدة فبعض الحالات يفيد فيها الصيام والبعض الآخر لا تستفيد منه تبعاً لنوع الحالة المرضية وطبيعة المرض وحالة المريض.

وهناك مجموعة من الأمراض لا يجوز فيها الصوم الطبي منها الإصابة بالقرحة الهضمية فمن غير المجدي أن يصوم طبياً المصاب بالقرحة لحدوث مضاعفات تزيد من حدة الإصابة ثم المرضى المصابين بالسكري ممن يعتمدون الأنسولين في العلاج ومرضى القلب المصابين بنقص في التروية الإكليلية أو قصور عضلة القلب أو اضطراب نظم القلب والمرضى الذين يعانون من قصور في وظائف الكلى.

كما لا يجوز تطبيق الصوم الطبي على المرضى الذين تقل أعمارهم عن 20 عاماً لعدم قدرتهم على تحمل الصيام الطبي ولا يجوز أيضاً تطبيق الصوم الطبي في حالات سوء التغذية ونقص الشهية.

نصيحة

يوضح الدكتور الهاجري ان مرضى النوبة القلبية أو الذبحة الصدرية غير المستقرة أو متلازمة القصور الشرياني الحاد ينصح لهم بعدم الصيام حيث انهم في حاجة إلى أدوية طارئة وفي أوقات محددة حتى تستقر حالتهم.

الا ان مرضى الذبحة الصدرية المستقرة قد يسمح لهم بالصيام، لكن بعد تغيير الأدوية إلى طويلة المفعول وتغيير وقت تناول الدواء إلى وقت الإفطار أو السحور، كذلك مرضى قصور أو فشل القلب ممكن أن يصوموا إذا كانت حالتهم مستقرة حيث انه من المهم إحداث توازن بين تجنب الجفاف أثناء الصوم والزيادة في أخذ السوائل، حيث ان الحالة قد تتدهور إلى قصور حاد في القلب.

ومن المهم أيضا ضبط جرعة الدواء المدر للبول أثناء رمضان لتجنب الجفاف، بينما لا ينصح لمرضى قصور القلب الشديد بالصيام وبالأخص إذا كانوا يحتاجون إلى جرعات عالية من الدواء المدر للبول، أما بالنسبة لمرضى صمام القلب فمن الممكن أن يصوموا إذا كانت حالتهم مستقرة ولا يعانون من قصور القلب، أيضا مرضى ضغط الدم ممكن أن يصوموا إذا كان ضغط الدم لديهم مستقرا وليس عاليا ولا يحتاجون إلى أدوية كثيرة لضبط ضغط الدم، في حين لا ينصح بصيام مرضى التهاب صمام القلب الحاد،.

حيث ان حالتهم عادة تكون غير مستقرة وتكون هناك حاجة لأخذ المضادات الحيوية، بينما مرضى الارتجاف البطيني الخبيث لا ينصح لهم بالصوم، حيث انهم غالبا ما يحتاجون لأخذ أدوية معينة وفي وقت معين، أيضا مرضى الكولسترول والذين يشتكون من البدانة والوزن الزائد والسمنة والمدخنون قد يستفيدون من شهر الصيام بشكل كبير جدا، فهذه فرصة من الممكن أن يستفيد منها الشخص لتغيير نمط الحياة غير الصحية.

حوار ـ أميرة حبيب