يُخطئ من يظن أن الأزمة المالية التي ضربت الاقتصاد العالمي بعنف، انطلاقاً من الأراضي الأميركية، قد بدأت في سبتمبر من العام الماضي (2008). رغم أنه في الواقع كان الشهر الأكثر قسوة على وول ستريت. ففيه انفجرت فقاعة الائتمان بقوة اقتلعت معها كبرى البنوك الأميركية، وفيه وقع ما لم يكن ليخطر على خيال أحد وهو انهيار مؤسسات كبرى بمستوى بنكي ليمان براذرز وميريل لينش.
ففي بضعة أيام من ذلك الشهر الدامي (سبتمبر 2008) تلاحقت الأحداث المأساوية لتضرب البنوك الكبرى في الولايات المتحدة وأوروبا، ما اضطر الحكومات الى التدخل بشكل طارئ بأشكال من التأميم، لإنقاذ المؤسسات المالية، ووضعت شركتا فريدي ماك وفاني ماي واللتين كانتا تؤمنان القسم الأكبر من اعادة تمويل مؤسسات تمنح قروضاً عقارية، تحت إشراف الدولة التي ضخت فيهما 200 مليار دولار من الاموال العامة. كما سيطرت الحكومة الاميركية على مجموعة ايه آي جي عملاق التأمين .واشترى بنك اوف اميركا مصرف ميريل لينش احد ابرز مؤسسات وول ستريت في صفقة فاوضت عليها واشنطن ومولتها. وبعد بضعة ايام تخلى آخر مصرفي اعمال اميركيين وهما غولدمان ساكس ومورغان ستانلي عن وضعهما كبنوك استثمار وتحولا الى مجرد شركة قابضة مصرفية ووضعا نفسيهما تحت إشراف السلطات المالية من اجل الحصول على تمويل عام. واعاد مصرف جي بي مورغان شراء مصرف واشنطن ميوتشوال اكبر مصرف ودائع يسجل افلاسا في تاريخ الولايات المتحدة.
نهاية النموذج
وبموافقة مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) على تحول بنك مورغان ستانلي وغولدمان ساكس إلى شركتين مصرفيتين قابضتين انتهى نموذج البنوك الاستثمارية في أميركا.
واعتبر تحول البنوك الاستثمارية بهذه الطريقة نوعا من الإقرار بأن أنماط التمويل والاستثمار التي كانت متبعة فيها باتت خطيرة وبحاجة لحماية في شكل ودائع مصرفية.
وإثر هذا التحول عادت وول ستريت فعليا إلى النظام الذي كان متبعا عند إنشائها قبل إجازة الكونغرس لقانون إبان فترة الكساد العظيم أواخر عشرينات القرن الماضي يقضي بفصل الصيرفة الاستثمارية عن الصيرفة التجارية.
وتعليقاً على تحول البنكين ذكرت صحيفة نيويورك تايمز ان هذه الخطوة بمثابة إعادة صياغة جذرية لفترة تميزت بالتمويلات الكبرى حتى وصفت بأنها عصر ذهبي حديث.
وبتحولهما من بنكي استثمار إلى شركتين قابضتين، فقد أقر غولدمان ساكس ومورغان ستانلي على الخضوع لأنظمة أشد صرامة ورقابة أكثر دقة من عدة أجهزة حكومية بدلاً من هيئة الأوراق المالية والبورصات وحدها. وبالتالي أصبحت الشركتان أقرب إلى البنوك التجارية وأكثر شفافية وأقل عرضة للمخاطر، وستصبح لديهما احتياطيات مالية أكبر. وجاء التحول بناءً على طلب الشركتين وبعد أن أجاز الكونغرس وإدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش خطة لإنقاذ المؤسسات المالية بقيمة 700 مليار دولار.
مشكلات السيولة
وعلق رئيس مجلس بنك أوف أميركا كين لويس على التحول بالقول «إنني منذ سبع سنوات في منصبي هذا أشعر بأن المصارف التجارية ستمتلك في نهاية المطاف المصارف الاستثمارية لأسباب تتعلق بالسيولة».
وفي وقت لاحق، وبعدما ظل بنك سيتي غروب مهيمناً على الأوساط المصرفية العالمية على مدى عقد من الزمان، وجد نفسه في سبتمبر الدامي معزولاً ومحاصراً في مأزق بسبب توظيفه مئات مليارات الدولارات في استثمارات محفوفة بالمخاطر سقطت قيمتها بشكل مفاجئ. وحسم مصير سيتي غروب خلال الأشهر التالية فخضع لعمليات اعادة رسملة متتالية نفذتها الدولة التي تولت أيضا ضمان أصوله الهالكة البالغة قيمتها 300 مليار دولار مقابل احتفاظها بنسبة 63% من رأسماله ما منحها السيطرة عليه.
لكن رغم التدخلات والإجراءات فإن عشرات البنوك الأميركية قد أفلست، وتوالى مسلسل إغلاق البنوك بشكل ميلودرامي، إلى درجة أنه تم يوم الجمعة الماضي الإعلان عن إغلاق ثلاثة بنوك جديدة، في إلينوي، ليصل عدد البنوك التي تم إغلاقها منذ مطلع العام الحالي (2009) إلى 92 بنكاً، بسبب الأزمة المالية، وفقاً للمؤسسة الاتحادية لضمان الودائع ئة، كما وصل عدد البنوك التي تم إغلاقها في إلينوي منذ بداية العام إلى 16 بنكاً.
وكان أكبر البنوك التي تم إغلاقها الجمعة «كوروس بنك» الواقع في شيكاغو، الذي يدير 11 فرعاً، وتبلغ قيمة ودائعه 7 مليارات دولار، كما تبلغ قيمة أصوله حوالي 7 مليارات دولار، وسيقوم «إم بي بنك» والذي يقع في شيكاغو أيضاً، بالاستحواذ على جميع ودائع «كوروس بنك»، كما وافق على شراء ما قيمته ثلاثة مليارات دولار من الأصول.
والبنك الثاني الذي تم إغلاقه هو «بريكويل كوميونيتي بنك» في مينيسوتا، وهو بنك صغير، إذ تبلغ قيمة الودائع فيه حوالي 63 مليون دولار، كما تبلغ قيمة أصوله حوالي 72 مليون دولار، وسيقوم «كور ترست بنك» بالاستحواذ على جميع ودائع وأصول البنك، وفقاً لما أعلنته ئة.
وقامت السلطات بإغلاق بنك ثالث هو «فينتشر بنك أوف لاسي»، والذي يملك ودائع تبلغ حوالي 903 ملايين دولار، كما يملك أصولاً بقيمة 970 مليون دولار، وسيقوم «فيرست سيتيزن بنك» و«ترست كومباني» بالاستحواذ على البنك وفروعه الـ 18.
أربعة أضعاف
وبإغلاق البنوك الثلاثة، يرتفع عدد البنوك التي تم إغلاقها في الولايات المتحدة منذ بداية العام إلى 92 بنكاً، وهو أربعة أضعاف العدد الذي تم إغلاقه طوال عام 2008، وهو الرقم الأعلى منذ العام 1992 والذي شهد إغلاق 181 بنكاً.
وكانت أغلب البنوك التي تم إغلاقها هذا العام من البنوك الصغيرة، أو البنوك المحلية، وذلك بسبب الأزمة المالية العالمية التي أحالت الكثيرين من العاملين إلى عاطلين عن العمل، ما دفعهم إلى التوقف عن تسديد قروض الرهن العقاري.
ويتوقع أن تستمر موجة إغلاق البنوك، ما يعني أن ئة ستستمر في خسارة مبالغ مالية أخرى، يتوقع أن تصل إلى 70 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة.
وعلى الرغم من أن الإفلاس والإغلاق يحدث في الولايات المتحدة بغض النظر عن وجود أزمات كبرى، إلا أن الأزمة المالية التي تفجرت في سبتمبر 2008 سرعت بشكل غير طبيعي من الإفلاسات والإغلاقات. من أجل ذلك اعتبر الاقتصاديون والمحللون سبتمبر 2008 تاريخا فاصلا في تاريخ الاقتصاد العالمي، وصار عنوانا على انفجار فقاعة الائتمان، ومن ثم الأزمة المالية، التي تحولت فيما بعد إلى أزمة اقتصادية شاملة.
لكن كل هذا لا يعني أن الأزمة قد بدأت في سبتمبر، فقد بدأت - في الواقع - قبل ذلك بكثير. وربما تعود جذورها الحقيقية الأولى إلى العام 2006. فكيف حدث هذا؟
جذور الأزمة
اعترف لويد بلانكفاين رئيس غولدمان ساكس -إحدى أكبر المؤسسات الاستثمارية الأميركية- بأن المصارف فقدت السيطرة على المنتجات غير العادية التي كانت تبيعها في الفترة التي سبقت الأزمة المالية، وأن بعض الأدوات افتقرت إلى القيم الاجتماعية وحتى الاقتصادية.
وقالت صحيفة فايننشال تايمز إن الرسالة التي أراد لويد بلانكفاين أن يوصلها خلال مؤتمر للمصرفيين في فرانكفورت، مؤخراً عكست أيضاً ما قاله لورد تيرنر رئيس هيئة الخدمات المالية البريطانية -وهي إحدى مؤسسات الإشراف المالي الحكومية ببريطانيا- وأثارت ضجة عندما تساءل عن القيمة الاجتماعية لكثير من النشاطات الاستثمارية المصرفية.
وقال بلانكفاين «إن الصناعة المصرفية تركت نمو وتعقيد الأدوات الجديدة تطغى على النفع الاقتصادي والاجتماعي والقدرة العملية على إدارتها».
وقال أحد المصرفيين الأوروبيين إن ملاحظات بلانكفاين كانت تستهدف المجتمعين في فرانكفورت، فقد امتلأت الحسابات الختامية للعديد من البنوك الألمانية بسندات تم شراؤها من خلال استراتيجية قصيرة الأمد انهارت مع جفاف السيولة العام الماضي. كما اعترف بلانكفاين بأن بعض منتجات البنوك أصبحت معقدة جداً، وقال «إن من مسؤولياتنا تجاه النظام المالي ألا نؤيد استخدام منتجات لا تتوافق مع المعايير المفروضة، في الوقت الذي يمكن فيه تحقيق أهداف العملاء والفائدة للسوق عبر منتجات تتوافق مع المعايير ويمكن تداولها في أسواق الأسهم».
ورغم أنه أشار إلى أن للمشتقات أهدافاً اقتصادية واجتماعية مهمة وأكد أن منع المشتقات المعقدة بشكل شامل سيلحق الأذى بالنمو الاقتصادي، فإنه شدد أيضاً على أنه يجب عليها أن تتوافق مع متطلبات رأسمالية أكثر صرامة.
وقال بلانكفاين الذي تلقى أكثر من 70 مليون دولار من العلاوات والمنح في عام 2007 إن العلاوات السنوية يجب منعها بقوة القانون ويجب إعطاء المسؤولين منحاً من الأسهم عوضاً عن العلاوات النقدية.
ونقلت فايننشال تايمز عن بلانكفاين قوله إنه يرى أن الغضب الذي أثير حول المنح والعلاوات «مفهوم ومناسب»، مشيراً إلى أنه يجب منع المنح السنوية بصورة قانونية.
يشار إلى أن مؤسسة غولدمان ساكس تعرضت لموجة من الانتقادات من قبل المشرعين وخبراء إدارة الشركات والإعلام بسبب السخاء الذي اتسم به تصرف المؤسسة في معاملة مسؤوليها، حيث وصل حجم العلاوات الممنوحة في منتصف العام الحالي إلى 4, 11 مليار دولار، كما انتقدوا مسؤوليتها عن التسبب في الأزمة المالية
جشع البنوك
ولعل كلام بلانكفاين السالف يعطي صورة واضحة للمتخصصين عن مدى مسؤولية النظام المصرفي عن الأزمة، ومع ذلك فإنه يمكن تلخيص الأمر برمته بالقول ان السبب الحقيقي للأزمة هو الجشع والنهم غير العادي لدى البنوك التي سعت وراء الربح بكل الطرق غير الأخلاقية في تعاملها مع عامة المقترضين الراغبين في السكن - وخصوصاً في الولايات المتحدة - وبلوغ الفوائد معدلات فاحشة بات معها الإعسار والتوقف عن السداد أمراً لا مفر منه، أمام ملايين المقترضين.
ويبدو أن الأمر كان أكثر خطورة عندما أرادت البنوك أن تعظم من أرباحها على حساب فئة محدودي الدخل بشكل غير أخلاقي، وإن كان شبه قانوني.
فقد بدأ تسويق العقارات في أميركا لمحدودي الدخل بطريقة كانت في مجملها التفاف على قوانين البلد والحد الائتماني وكانت عقود الشراء محبوكة بطريقة تجعل القسط يرتفع مع طول المدة. وعند عدم السداد لمرة واحدة تأخذ فوائد القسط 3 أضعاف عن الشهر الذي لم يتم سداده. ليس هذا فحسب بل إن هناك بنوداً في العقود ترفع الفائدة عند تغيرها من البنك المركزي الأميركي (الاحتياطي الفيدرالي).
وبينما ركزت الشركات العقارية على تسويق المنازل لمحدودي الدخل ونجحت في الالتفاف على قوانين الحدود الائتمانية، فإنه نجم عن ذلك ارتفاع كبير في أسعار العقارات بشكل بات ينذر بوجود فقاعة. وأصبحت منازل محدودي الدخل أضعاف قيم الشراء الحقيقية لأوائل المشترين. ثم راح محدودو الدخل يقترضون من البنوك بضمان منازلهم - التي لم تسدد بالأساس - وكان الاعتماد بصرف هذه القروض على فرق السعر بين المطلوب والقيمة في السوق.
الامتناع عن الدفع
بعد فترة.. وبعد أن بدأت سلبيات العقود المحبوكة تطفو على السطح وأصبحت الأقساط الشهرية لا تطاق، امتنع الكثيرون من هؤلاء عن الدفع وبدأت أسعار العقار تهوى، حتى أصبحت أعباء الديون أكبر من القيمة الحقيقية للمنازل.
هنا شعرت معظم البنوك والشركات العقارية بالخطر؛ فقامت ببيع ديون المواطنين على شكل سندات لمستثمرين عالميين بضمان المنازل (التي انخفضت قيمتها)، ولجأ بعض المستثمرين العالميين بعد تفاقم مشكلة الرهن العقاري إلى شركات التأمين التي وجدت في أزمة الرهن العقاري فرصةً للربح، وذلك بضمان المنازل فيما لو امتنع المواطنون من محدودي الدخل عن سداد قيمة رهن منازلهم. لذلك قامت شركات التأمين بتصنيف سندات الديوان إلى فئتين: الفئة (أ) قابلة للسداد، والفئة (ب) لا يمكن سدادها، ثم بدأت شركات التأمين بأخذ أقساط التأمين على السندات من المستثمرين العالميين.
تعقدت المشكلة أكثر إذن
فالمواطن الأميركي محدود الدخل كان يظن أن المنزل ملك له، وشركات العقارات التي لم تتسلم قيمة المنازل كاملةً تظن أن المنازل لا تزال مملوكة لها، وفي نفس الوقت تظن البنوك أن المنازل لها بحكم ما أخذه محدودو الدخل من قروض بضمان المنازل، بينما تظن شركات التأمين أن المنازل لها بحكم التزامها بدفع مبالغ السندات للمستثمرين الدوليين وذلك في حال عدم سداد قيمة الرهن للمواطنين محدودي الدخل.
وتوقف المقترضون عن دفع أقساط منازلهم بعد أن أرهقتهم الأقساط المتزايدة.
مما اضطر بالشركات والبنوك إلى محاولة بيع المنازل لحل النزاع؛ فأدى إلى إحتجاجات أصحاب المنازل المرهونة والذين رفضوا بدورهم الخروج منها، ثم ما لبث بعد ذلك أن اكتُشِف أن قيمة الرهن المدفوعة ما عادت تغطي تأمينات البنوك ولا شركات العقار ولا التأمين. مما أثر بدوره على سندات المستثمرين الدوليين فطالبوا بحقوقهم عند شركات التأمين، فأعلنت أكبر شركة تأمين في العالم «ايه آي جي» عدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه 64 مليون عميل تقريباً مما دفع بالحكومة الأميركية إلى منحها مساعدة بقيمة 85 مليار دولار مقابل امتلاك 9, 79% من رأسمالها. ولحقها كثير من البنوك الأميركية مثل: مورجان ستانلي وغولدمن ساكس. ومازالت أزمة الرهن العقاري تراوح مكانها، رغم جميع التدخلات الحكومية.
مؤمن أحمد

