يرى العديد من صانعي السياسات، إنّ الجيل الجديد من شبكات النطاق العريض يستحق هذه التكلفة، إلاّ أنّ المستثمرين ما زالوا غير واثقين من العائدات التي يمكن تحقيقها، وبالتالي ما زال انتشار شبكات الجيل الجديد على المستوى الوطني محدوداً جداً. فعلى الرغم من نضج الوسائل التكنولوجية، إلاّ أنّ عدداً قليلاً من الدول تمكن من اعتماد جيل جديد من الشبكات الوطنية.

ويشكّل إنشاء الجيل الجديد من شبكات النطاق العريض الوطنية مخاطرة عالية بالنسبة إلى المشغّلين؛ فهو ميدان مفتوح أمام المنافسة حيث القواعد غير واضحة والمخاطر غير معروفة والمردود غير أكيد. بالإضافة إلى ذلك، تستلزم الاستثمارات في هذه الشبكات تمويلاً كبيراً في المرحلة الأولية، كما أنه لا يمكن العودة عن هذه الاستثمارات، ما يحول دون إقدام المستثمرين على هذه الخطوة قبل فهم نموذج العمل وحجم المخاطر ذات الصلة. لذلك، يطرح المشغّلون ثلاثة أسئلة مهمة. وعلى الجيل الجديد من شبكات النطاق العريض أن يكون جزءاً لا يتجزأ من الإستراتيجية الاقتصادية بدلاً من أن يشكّل هاجساً للجهات الناظمة للقطاع. ففي الاقتصاد العالمي القائم اليوم، يتسّم الحصول على المعلومات بأهمية بالغة. ففي الأنظمة الاقتصادية الناضجة، تشكّل السرعة وإمكانية النفاذ العنصرين الأساسيين في الاقتصاد الرقمي. ويتمتع الجيل الجديد من شبكات النطاق العريض بالقدرة على توفير العنصرين معاً، وبمستويات خيالية. لذلك، سوف تتفوّق الدول التي تقوم بأولى الخطوات نحو الجيل الجديد من شبكات النطاق العريض على تلك التي لا تزال على هامش هذه التكنولوجيا.

ما الكلفة الفعلية لهذه الشبكات؟

يمكن أن يمثّل تنفيذ الجيل الجديد من شبكات النطاق العريض على المستوى الوطني أكبر استثمار في البنية التحتية يقوم به المشغلون. فقد يبلغ إنشاء هذه الشبكات في أسواق رئيسية 10 أضعاف العائدات التي يحققها المشغّل قبل الفوائد والضرائب والاهتلاك.

وعلى الرغم استمرار المشغلين بالنظر في إمكانية إنشاء تكتيكي للجيل الجديد من الشبكات في المدن، إلاّ أنّهم يترددون في إنشاء هذه الشبكات على المستوى الوطني، لاسيّما في ضوء الأزمة الاقتصادية الحالية. فضلاً عن ذلك، وحتى لو تحسّن الاقتصاد وتمّت تسوية الأوضاع في سوق الائتمان، فإن وضع التكنولوجيا مختلف: فالتكنولوجيات السلكية المنافِسة تجعل المستثمرين يترددون في المراهنة بمبالغ كبيرة على تكنولوجيا واحدة دون سواها.

كيف سنحقق إيرادات من الشبكة؟

ينبع تردد المشغلين في الإنفاق على الشبكة الجديدة من كونهم سوف يتكلفون لبنائها فيما سيستفيد منها جميع منافسيهم الذين لم يقوموا بهذا الاستثمار. بالتالي، يواجه مشغلون الاتصالات منافسة من قبل شركات في قطاعات متشابهة بما في ذلك الكابل، ومن قبل مورّدي التطبيقات شأن «سكايب».

وتؤدي المنافسة المتزايدة ونماذج العمل الجديدة إلى تقسيم مجالات الإيرادات، ما يخفّض حصة المشغلين من هذه الإيرادات. ويقول صبّاغ إنّ «هذا الواقع يعيق نموذج الإيرادات التقليدي للاتصالات، حيث يمكن للمشغّل أن يستثمر مبالغ كبيرة لبناء البنية التحتية وتحقيق قيمة إضافية من شبكاتها خلال 15 سنة أو أكثر».

إلى ذلك، اعتاد العملاء على عروض غير مكلفة وبأسعار ثابتة لإجراء اتصالات صوتية ونقل البيانات، فيما يتوقع مستخدمو تطبيقات مثل YouTube وFacebook وGoogle أن تكون الخدمات عبر الإنترنت إما مجانية أو زهيدة الثمن، فيصعب بالتالي على مشغلي الجيل الجديد من شبكات النطاق العريض إقناع العملاء بزيادة إنفاقهم على الاتصالات.

اختيار النهج الصحيح لمشاركة الحكومة

ويرى كريم صباغ الشريك في بوز أند كومباني أن استجابة الحكومات لاحتياجات السوق في ما يتعلّق بالجيل الجديد من شبكات النطاق العريض الوطنية اتخذت ثلاثة أشكال مختلفة: فقد اختار بعض صانعي القرار تحفيز العملية بشكل فاعل (الحكومات المحفّزة) وارتأى بعضهم تسهيل الحلول التي يقدمها السوق الخاص (الحكومات المسهّلة) فيما عمد البعض الآخر إلى مراقبة تحديات السوق والتدخل فقط عندما تستدعي الحاجة (الحكومات المراقبة).

وإذا كان الهدف إنشاء جيل جديد من شبكات النطاق العريض الوطنية بأسرع وقت ممكن، فإن تحفيز العملية هو الخيار الأفضل، حيث تسجّل الدول التي تتمتّع بسياسات «محفّزة» نسب اختراق أعلى من غيرها.

وتحظى الحكومات التي تتبع هذا النهج الفاعل بثلاثة أدوات لبناء الجيل الجديد من شبكات النطاق العريض الوطنية. أولاً، يمكن أن تشجّع الحكومات على استحداث نماذج عمل جديدة من شأنها أن تنقل القطاع من النهج العمودي المندمج الحالي إلى نماذج متعددة المستويات وأكثر فعالية لمواجهة المخاطر. ثانياً، يمكن أن تستثمر مباشرة في بناء شبكات من خلال الملكية المباشرة أو الشراكات بين القطاعين العام والخاص أو الامتيازات.

وأخيراً، يمكن أن تختار الحكومات تحفيز الطلب على خدمات الجيل الجديد من شبكات النطاق العريض من خلال إعانات أو برامج تدريب للمستخدم النهائي.

هذه الأدوات غير مستقيمة وغير حصرية، حيث يمكن للحكومات استعمال أداة واحدة منها أو استعمالها جميعها في آن.

أما الخيار الذي يتم تحديده، فيعتمد على الهدف الذي تتوخاه الحكومة من إنشاء الجيل الجديد من شبكات النطاق العريض الوطنية وعلى عقبات السوق التي يجب تخطيها. ويحدد عاملان اثنان الخيار الأفضل للحكومات لتسريع إنشاء هذه الشبكات: التغطية المتوقعة في حال كانت قوى السوق المحفّز الوحيد، ونسبة السكان القادرين على شراء خدمات الجيل الجديد التي تقدّمها السوق من دون مشاركة الحكومة.

ويضيف صبّاغ: «الحالة المثالية هي التغطية الشاملة مع تكلفة مقبولة بشكل عام. فحين تقيّم الحكومات مواطن ضعف شبكاتها ومستويات التغطية والتكلفة التي يمكن أن تتحملها، تصبح قادرة على تحديد أفضل الأدوات التي يجب اعتمادها».

التغيير الهيكلي

اعتاد قطاع الاتصالات أن يكون قطاعاً مندمجاً على المستوى العمودي، حيث تملك شركات الاتصالات جميع عناصر الشبكة وتشغّلها، فيما تقدّم خدماتها للمستخدمين النهائيين. ويعيق الاندماج العمودي هذا الاستثمارات في الجيل الجديد من شبكات النطاق العريض الوطنية، حيث يحذر المشغلون من تكبّد تكاليف الإنشاء ومن ثمّ تشاطر البنية التحتية. ويمكن للحكومات حلّ المشكلة من خلال إدخال نماذج متعددة المستويات وتتألّف من ثلاث جهات مختلفة: PassiveCo، ActiveCo وServiceCo.

وتعتبر عمليات PassiveCo الأكثر حاجة لرؤوس الأموال، غير أنها تواجه أيضاً الحد الأدنى من المنافسة، ما يعني مخاطر أقل وعائدات مقبولة كالمرافق الخدماتية. ومن باب التناقض، تعمل جهات ActiveCo وServiceCo في قطاعات عالية التنافسية.

حيث يتم تحقيق عائدات كبيرة في ظلّ مخاطر عالية. ويعتبر الدرويش أنّ «إعادة هيكلة القطاع انطلاقاً من جهات جديدة سيسمح للحكومة بتوزيع مخاطر الاستثمار في الجيل الجديد من شبكات النطاق العريض الوطنية على مطوّرين عدة، وتحديد المردود المتوقّع نسبة إلى المخاطر المرتبطة به، وضمان تغطية أوسع بأسعار مقبولة».

الاستثمار في البنية التحتية للشبكة

يؤدي توجيه استثمارات الحكومة في البنية التحتية للجيل الجديد من شبكات النطاق العريض إلى خفض حجم الاستثمارات المطلوبة من القطاع الخاص وتسريع وتيرة إنشاء شبكات النطاق العريض. والواقع أنّ استثمارات الحكومة تتلازم مع مخاطر كامنة عدّة بما فيها الحد من الاستثمارات الخاصة، لذلك لا بد من إجراء تحليل دقيق للمخاطر والمزايا. فضلاً عن ذلك، يتعيّن على صانعي السياسات، عند القيام بالاستثمار، النظر في ثلاثة خيارات مختلفة هي الملكية المباشرة أو الشراكات بين القطاعين العام والخاص أو الامتيازات.

إنّ استثمار الحكومة في البنية التحتية للشبكة هو الأكثر ملائمة للحالات التي تقدّم فيها السوق جيلاً جديداً من شبكات النطاق العريض يكون مقبولاً من حيث السعر إنما محدود التغطية، حيث يمكن لاستثمارات الحكومة ضمان توفّر الخدمات على مستوى الدولة. وبعد اتخاذ قرار بشأن ضمان الاستثمار، ينبغي أن تحدّد الحكومات أي استثمار تعتزم القيام به. وفي حال كانت التغطية الحالية أو المحتملة تتطلّب استثماراً كبيراً من جانب الحكومة، فمن الأفضل أن تمتلك الحكومة هذا الاستثمار بشكل مباشر. لكن إذا سبق وتمّ إنشاء بنية تحتية جيّدة للجيل الجديد من شبكات النطاق العريض، فقد تصبح الشراكات بين القطاعين العام والخاص أو الامتيازات خياراً أكثر ملاءمة.

ثم يجب أن تبدي الحكومات استعدادها للدخول في حوار مع الجهات المعنية لمعالجة هواجسها وضمان التعاون. وأخيراً، لابد للحكومات من وضع أهدافاً بشكل واضح لجهة نسبة التغطية التي تصبو إلى تحقيقها ومستويات الأسعار التي تنوي اعتمادها ـ قبل تصميم السياسة.

تطبيقات

تحفيز الطلب

يجهل العديد من المستهلكين التطبيقات الثورية التي يمكن أن يقدّمها الجيل الجديد من شبكات النطاق العريض. ويمكن للحكومات معالجة هذه المسألة بتوفير خدمات عامة من خلال شبكات جديدة، الأمر الذي سيعزز الطلب على خدمات أخرى ويقدم بعض الضمانات لمشغلي الشبكة عن إمكانية تحقيق الإيرادات.

ويقول كريم صبّاغ: «هذه الأداة مكمّلة لإدخال نماذج عمل جديدة والاستثمار في البنية التحتية. فتحفيز الطلب ملائم في سيناريو التغطية الواسعة التي يقابلها خدمات مكلفة أو انتشار محدود للخدمات».

ويتعيّن على الحكومات النظر في ثلاثة عناصر رئيسية لإنشاء الجيل الجديد من شبكات النطاق العريض. فمن الضروري جداً تحديد احتياجات أسواقها، واحتمالات نجاح السوق الخاصة من دون دعم، ومتطلبات السوق من القطاع العام ـ تحديد الآلية التنظيمية أو التمويل أو بعض الخطوات الهامة الأخرى.

اعتماد

كيف سيجري تنظيم الشبكات؟

تعتمد الإيرادات التي يمكن أن يولّدها الجيل الجديد من شبكات النطاق العريض الوطنية على الآليات التنظيمية التي ترعاها، غير أن تحديد هذه الآليات لا يزال قيد التنفيذ في معظم الدول. كما يمكن ألا تنطبق الأدوات التنظيمية الحكومية لشبكات الجيل الأول، بما فيها دوائر شبكة النفاذ المحلية ونظم الترابط، على الجيل الجديد من شبكات النطاق العريض.

أن الجهات الناظمة تحاول تحديد آلية تنظيمية جديدة للجيل الجديد من شبكات النطاق العريض لضمان انتقال سهل من القاعدة التنظيمية الحالية وحماية استثمارات المشغلين المتعاقبين في الجيل الأول من شبكات النطاق العريض.

ويشكك المشغلون في قدرتهم على تحقيق إيرادات من استثماراتهم في الجيل الجديد من شبكات النطاق العريض، ما يحول دون استثمارهم في مجالات أخرى، فقوى السوق وحدها عاجزة عن إيجاد حلول للمشاكل التنظيمية هذه، في وقت يحتاج فيه صانعو السياسات إلى معالجتها بشكل فاعل.

محمد بيضا