تغيبت منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) عن الجدل الدائر على ضفتي الأطلنطي بشأن وضع قيود تنظيمية على التعاملات الآجلة للنفط، وهو ما قد يفضي في نظر المراقبين إلى التأثير على تجارة النفط العينية، وفسر المراقبون هذا التغيب بأنه يعود بصفة رئيسية إلى تحميل أوبك المضاربين مسؤولية ارتفاع أسعار النفط في العام الماضي، وهو ما ينسجم مع التوجه الجديد لإدارة أوباما الداعي إلى تشديد القواعد التنظيمية على أنشطة المضاربة بخصوص التعاملات الآجلة للنفط، وهو ما يطرح جملة من التساؤلات حول ما إذا كانت التعاملات الآجلة قد أضرت فعلا بالاقتصاد الحقيقي من خلال نقل عدوى ممارستها إلى أسواق النفط العينية، وتنطوي الإجابة على هذا السؤال على انعكاسات خطيرة وجادة لا تبرر فحسب وضع أطر تنظيمية أكثر تشددا لأسواق الطاقة ، ولكن كذلك صياغة سياسات تؤثر على الإنتاج والاستهلاك الحقيقيين للطاقة.
وقد اقتربت اللجنة الأميركية للمتاجرة في السلع المستقبلية من إصدار تقرير يربط صعود أسعار النفط في العام الماضي بعمليات المضاربة في أسواق عقود النفط الآجلة والخيارات والمقايضات، وهو ما يعكس استنتاجا سابقا للجنة أفاد بأن عمليات المضاربة لم تلعب دورا مهما في التأثير علي مستويات أسعار النفط القياسية في عام 2008.
وتتولى اللجنة تنظيم تداولات عقود آجلة تتضمن التعاملات الخاصة بالنفط الخام والعملات الأجنبية والمنتجات الزراعية بقيمة تبلغ 5 تريليونات دولار يوميا.
شفافية بيئة التداول
في 7 يوليو الماضي، عرضت اللجنة الأميركية للمتاجرة في السلع المستقبلية مقترحات تضع حدودا على التداول بأسلوب المضاربة في أسواق النفط والغاز ، حيث تتضمن المقترحات وضع قيود فيما يتعلق أولا بالمتاجرة والمراكز وثانيا تعزيز التقارير الأسبوعية لالتزام التجار بهدف إطلاع الجمهور علي مراكزهم. وقد أثرت الخطة بالفعل على أسعار النفط الخام، حيث هبط السعر إلى أقل من 40 دولارا للبرميل، وهو ما يشير إلى أن عامل السياسات ربما يكون له تأثير أكثر قوة ووضوحا على مستويات الأسعار، بالمقارنة مع التأثير غير الواضح لدور المضاربين في معادلة الأسعار .
وتشكل مبادرة اللجنة الأميركية للمتاجرة في السلع المستقبلية جزءا من جهود الإدارة لخلق بيئة تداول على السلع أكثر شفافية ومحاسبة، وتصحيح أوجه الخلل الحادة التي تسببت في تأرجح أسعار بين الصعود الشديد والانخفاض الحاد ، وهو ما يطرح التساؤل عما إذا كان وضع قواعد تنظيمية صارمة حيال أنشطة المضاربين من شأنه أن يقلل من تقلبات الأسعار ؟ أم أن هناك أسبابا متعددة لعدم استقرار الأسعار ، من بينها تلك المتعلقة بمقومات الطلب والعرض ؟
وتعتقد إدارة أوباما أن المضاربة الزائدة عن الحد شكلت عاملا رئيسيا لارتفاع أسعار النفط في عام 2008 والنصف الأول من عام 2009 ، ويتوقع كثيرون أن تقوم لجنة المتاجرة على السلع المستقبلية باقتراح وضع حدود على مراكز المضاربة وإزالة إعفاءات التحوط من المخاطر الممنوحة للاعبين ماليين معينين في أسواق الطاقة الأميركية .
معادلات أسعار
وفي صيف العام الماضي ، أثر النمو الضخم للتعاملات الآجلة على تجارة النفط، حيث تتم عمليات بيع أو شراء القسم الغالب من النفط بناء معادلات أسعار مربوطة بأسعار التعاملات الآجلة ، وتأثرت بقوة تقارير الأسواق المنشورة بمثل هذه الأسعار ، إذ ان التجار لا يبرمون الصفقات بناء على سعر ثابت، ولكنهم يتفقون على سعر مربوط يقل أو يزيد عن المستوى السعري لعقود آجلة خلال فترة زمنية معينة، وعادة ما تكون هذه الفترة مربوطة بتوقيت تحميل الشحنة أو تسليمها، ورغم أن هذه المتغيرات ذات طبيعة متقلبة، إلا أن السعر الذي تدفعه المصافي يظل مرتبطا بشكل مباشر مع أسعار التعاملات المستقبلية، وهو ما يعني أن اي شيء يحفز على صعود أسعار العقود الآجلة، سواء تعلق الأمر بتزايد الطلب أو انقطاع الإمدادات أو مضاربة فئة مستثمري السلع، من شأنه أن يؤثر على أسعار منتجات المصافي.
مراكز المضاربة
وقد وضعت اللجنة الأميركية للمتاجرة في السلع المستقبلية قيودا على مراكز المضاربة فيما يتعلق بالمنتجات الزراعية، ولكنها في الوقت الحالي تترك لبورصة نيويورك التجارية (نايمكس) مسؤولية وضع حدود وقيود على مراكز المضاربة فيما يتعلق بعقود الطاقة مثل النفط الخام والغاز الطبيعي، وتؤدي مقترحات إدارة أوباما واقعيا إلى توسيع مثل هذا التنظيم والرقابة المتواجد في الأسواق الزراعية إلى أسواق الطاقة .
ومع ذلك ، أظهرت بيانات دويتشه بنك أن المؤشر النقدي كنسبة مئوية من الفائدة المفتوحة لعقود الذرة وفول الصويا الآجلين كانت الأقل مقارنة ببقية عقود السلع الزراعية الأخرى ، وذلك خلال الفترة الممتدة بين 2008 و 2008 والتي شهدت أقوى إقبال على هاتين السلعتين، وقد تدنى مستوى أداء عقود المنتجات الحيوانية ، وذلك على الرغم من الزيادة الكبيرة في عمليات شراء المستثمرين للأوراق المالية والاحتفاظ بها لفترات طويلة .
تحركات الأسعار
ويصر البعض على أن مثل هذه البيانات غير ملائمة لتفسير التحركات الحالية في أسواق الطاقة، ومع ذلك، لا حظ مايكل جرينبيرج الذي شغل منصب مدير اللجنة الأميركية للمتاجرة في السلع المستقبلية خلال الفترة 1997 1999، ان التأرجح الحاد كان أقل حدوثا قبل عام 2000، وذلك عندما أصدر الكونغرس في العام المذكور قانون تحديث استثمارات السلع المحسوبة بأسعار مستقبلية، وقد أجاز القانون تداول المنتجات في السوق الموازي أو المعاملات على المنضدة من جانب المؤسسات المصرفية لكي يتفادوا الإطار التنظيمي الذي تضعه اللجنة الأميركية للمتاجرة في السلع المستقبلية، وهو ما مهد الأرضية لنهوض السوق الموازية في مجال تجارة مشتقات الطاقة، وأختتم جرينبيرجرج تعليقه بقوله لم تكن لدي مثل هذه الأنواع من المشاكل قبل عام 2000 .
ويقيم محللون أن مثل هذه القيود التنظيمية على التعاملات الآجلة للسلع الزراعية لم تؤد واقعيا إلى الحد من زيادات الأسعار المفرطة في هذه الأسواق، ومن ثم، طرح محللون سؤالا وهو : لماذا لم تسهم محاولات إدارة أوباما الأخيرة في تغيير الوضع كثيرا ؟
ساحة للمناورة
وعلق مايكل لويس محلل السلع في دويتشه بنك بقوله : ان توحيد المعاملة لكل أسواق السلع من زاوية التنظيم والإشراف من شأنه أن يوفر ساحة للمناورة في أسواق السلع، ولكن لماذا من المتعين توسيع مجال تطبيق هذه اللوائح والتنظيم لتشمل أسواق الطاقة، إذا كانت هذه اللوائح قد أخفقت في كبح جماح الزيادات المفرطة لأسعار السلع الزراعية.
وتعد صناديق تتبع مؤشرات السلع أحد الأهداف الرئيسية لإدارة أوباما، وتتبع مثل هذه الصناديق أداء مجموعة معينة من السلع، وقد استثمرت صناديق التقاعد وصناديق التحوط مليارات من الدولارات خلال السنوات الأخيرة على السلع ، وهو ما حول النفط الخام وسلع الطاقة الأخرى إلى فئة أصول بالنسبة للمستثمرين، الأمر الذي سمح لهم بتنويع محافظهم والتحوط ضد مخاطر الدولار الضعيف.
وتقول الانتقادات ان المسؤولين عن الصعود الزائد في الأسعار هم مستثمرو المؤشرات الذين يقومون بعمليات الشراء والاحتفاظ بالأسهم لفترة طويلة، ثم يقومون بزيادة الأسعار المفروضة، وبالتالي، فهم يكبحون وتيرة التراجعات في الأسعار .
تصنيف المضاربين
وفي رأي بعض المحللين أنه ربما يعد تعريف وتصنيف المضاربين أحد المهام الصعبة بالنسبة للجنة الأميركية للمتاجرة في السلع المستقبلية ، وذلك في إطار مسعاها لجعل ساحة التداول أكثر شفافية، فإلى جانب المتداولين غير التجاريين على غرار صناديق التحوط وتتبع المؤشرات وعمليات المقايضة، يبدي المتعامين التجار كالشركات النفطية والمصافي اهتماما بالمشاركة في عمليات المضاربة، وذلك بناء على رؤيتهم للسوق
وبافتراض أن اللجنة قادرة على فرز اللاعبين وتصنيفهم ، وصياغة قواعد تنظميه لهؤلاء جميعا ، يجب أن تدرس اللجنة فوائد وتكاليف النظام القائم حاليا، فضلا عن دراسة أي تغييرات تطرأ عليه، فقد تعني القواعد التنظيمية الجديدة إحداث تغيير في آلية التسعير ، وتقلل التدفقات النقدية في السوق .
وقالت بليث ماستيرز رئيسة قسم السلع في بنك «جيه بي مورجان تشيس» الذي يعد من المؤسسات العالمية الكبرى المتاجرة في السلع أن أي كوابح جديدة على حجم مراكز التداول يجب وضعها بغرض معالجة الغلو في المضاربة فقط مع الأخذ في الاعتبار أن المضاربة في حد ذاتها تلعب دورا جوهريا في أسواق السلع .
وتابعت قائلة : إذا ما شعر مستثمرون على غرار جيه بي مورجان تشيس بالإحباط، فإن مستهلكي النفط الذين بحاجة إلى التحوط ضد مخاطر الأسعار سيجدون صعوبة بالغة في إبرام الصفقات والدخول إلى أسواق تنزع إلى التقلب الشديد.
وتعتبر مؤسسات مالية على غرار بنكي «جيه مورجان تشيس» و«جولدمان ساكس» من كبار اللاعبين في أسواق عقود الطاقة .
وقال كريستوف ريهل كبير الاقتصاديين في شركة « بي بي» أنه لا يحبذ مثل هذه الفكرة التي تعد بمثابة كابوس بيروقراطي، وذلك على الرغم من أنها غير قابلة للتطبيق العملي، إذ انها تقود إلى التوزيع غير الكفء للموارد .
جبهة مشتركة
واتسعت دائرة الجدل بشأن كبح ممارسات المضاربين إلى الضفة الأخرى من الأطلسي، إذ جرت مناقشة هذه القضية في قمة مجموعة العشر بإيطاليا خلال الفترة من 8 إلى 10 يوليو، واتفق الرئيس الفرنسي نيكولاس ساركوزي مع رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون على العمل كجبهة مشتركة ضد التعاملات الورقية في النفط، وطالبا بدراسة كيفية تؤثر أسعار النفط بعمليات المضاربة، وطالب المسؤولان المشرعين والمنظمين في النظر مجددا إلى أوجه تضرر المنتجين والمستهلكين من جراء التقلبات الحادة في الأسعار الناتجة عن أنشطة المضاربة، وأعلن الزعيمان الفرنسي والبريطاني أن مجموعة خبراء في مؤسسة الطاقة الدولية ستأخذ زمام القيادة في وضع تصور مشترك طويل الأجل يتعلق بنطاق سعري يكون منسجما ومتمشيا مع المقومات الأساسية للسوق ، وسوف ينظر الخبراء في أي تدابير ممكنة لتقليل التذبذب والتقلب.
وفي ظل احتدام الجدل بشأن هذه القيود ، وأتساع دائرته ، يبقي السؤال المطروح هو : هل يدخل العالم مرحلة جديدة لتأسيس آليات لتسعير النفط ؟ وماذا عن مواقف منظمة أوبك حيال هذه التطورات ؟
تقرير
وكالة الطاقة تركز على العرض والطلب
أورد تقرير وكالة الطاقة الدولية عن سوق النفط في الأجل المتوسط بعض الاستنتاجات المهمة ، وتتمثل في التالي :
أولا : عندما تعمل قوى الطلب والعرض على نحو غير مرن، فان من شأن أي تغيير محدود في حجم الطلب أن يؤدي إلى تعيير الأسعار بشكل كبير .
ثانيا : تعكس التغييرات في الطاقة الاحتياطية لدول منظمة أوبك المقومات الرئيسية للسوق ، إذ قاد تزايد الإنتاج إلى تراجع الطاقة الاحتياطية من 3,2 مليون برميل يوميا إلى 5,1 مليون يوميا في العام الماضي ، وترتب على ذلك ، صعود الأسعار من 35 دولارا للبرميل إلى 147 دولارا للبرميل، وذلك حتى تأثرت الدخول، وتفاقم مثل هذا الوضع بسبب الركود الاقتصادي الذي حفز على تراجع الطلب بما دفع دول أوبك إلي زيادة طاقتها الإنتاجية .
ثالثا : استبعدت الإحصائيات الواردة في تقريري اللجنة الأميركية للمتاجرة في السلع المستقبلية ( ديسمبر 2008 ) وصندوق النقد الدولي( أكتوبر 2008 ) وجود علاقة ارتباط بين أنشطة المضاربة والأسعار الفورية .
رابعا : رغم الإقرار بتأثير عمليات المضاربة على الأسعار، إلا أن مثل هذا التأثير يبقى محدودا على التجارة العينية للنفط الخام، حيث يتساوم البائعون والمشترون على السعر إلى حين استكمال صفقات الشراء، وتحدد القدرات التفاوضية للأطراف المعنية مستوى خصومات الأسعار، وبالتالي، يكون تأثير المضاربين محدودا وقصير الأجل، حيث تؤسس المقومات الأساسية للسوق توازنا جديدا، بغض النظر عن عامل المرونة.
توجه
«جينسلر» يعتزم تحطيم المضاربين
لم يبدد جينسلر رئيس اللجنة الأميركية للمتاجرة في السلع البالغ من العمر 51 عاما وقتا طويلا في اقتحام مثل هذه الملف الشائك ، ففي غضون أسبوع واحد من تأديته اليمين كرئيس للجنة في 26 مايو الماضي .
طلب من فريق العمل في اللجنة رفع تقارير تتضمن توصيات وخيارات فيما يتعلق بهذه الأسواق خاصة تلك ذات الصلة الوثيقة بالأسواق العينية .
ودعا جينسلر إلي تحطيم مضاربي الأسواق الذين تسببوا في إشعال أسعار النفط والذرة والسلع الأخرى في العام الماضي ، وبالتالي ، خالف جينسلر رأي وولتر ليكين الرئيس السابق للجنة والذي شهد أمام الكونجرس في 11 سبتمبر بأنه لم يتوافر برهان قوي بأن التجار مسؤولون عن دفع الأسعار إلى أعلى.
وعبر جاري جينسلير عن أبرز معالم توجه الإدارة الأميركية في هذا الخصوص بقوله : ان اللجنة سوف تستخدمها كل سلطتها التنظيمية لضمان عدالة عمليات الأسواق المستقبلية بالنسبة للنفط والزراعة، مشيرا إلى أن المضاربين ساهموا في خلق فقاعة السلع خلال عام 2008 ، وأن اللجنة لن تفرض الأسعار ، ولكنها ستستخدم سلطتها في المساعدة على جعل الأسواق تعمل بشكل منظم وعادل .
وقدم بيرني ساندرز عضو مجلس الشيوخ تشريعا يجيز للجنة الأميركية أن تستخدم سلطات طارئة لوقف المضاربة على النفط، كما دعا النائب الديمقراطي بيرت ستيباك إلى وضع حدود على تجارة المشتقات .
دبي ـ مجدي عبيد
