متى يذهب الإنسان للطبيب النفسي؟ هذا هو السؤال الذي يبحث عن اجابة لدى العديد من الأشخاص، حيث ان المشكلة في بعض الأحيان ان المريض النفسي لايدرك انه مريض او انه في حاجة للمساعدة.

ويرى د. مصطفى عفيفي استشاري الصحة العامة والمسؤول عن برنامج الصحة النفسية بالرعايا الاولية بوزارة الصحة ان هناك عددا من العوامل التي تتحكم في الاجابة على مثل هذا السؤال هي ردود الافعال وقدرة البشر على تحمل الازمات والصعوبات اليومية التي يمرون بها وهي عندما تتجاوز الحدود لدى بعض الاشخاص فإنها تؤدي إلى الاضطرابات النفسية التي يسقط فيها البعض .وهذا مايؤدي بالتالي إلى اضطرابات في السلوك والشعور او الذاكرة ويضيف ان 30 % من الحالات التي تتردد على العيادات النفسية لاتعاني من اعراض نفسية او عضوية محددة بل من ضغوط نفسية مستمرة او متكررة لها تأثير سلبي على مجرى حياتهم اليومية.ويضيف ان بعض الباحثين اشاروا إلى ان هناك جدولا بالأحداث التي تمثل مصدرا للضغوط حسب ترتيبها، وقد جاء في اعلى القائمة وفاة الزوج او الزوجة يليها الطلاق والمشاكل الزوجية ثم المشاكل المادية والمرض، بالإضافة إلى المشاكل الجنسية والبطالة.

ومن الغريب ان النجاح والتميز على الآخرين قد يكون من بين الاسباب التي تؤدي إلى مزيد من الضغوط وهو مانراه لدى اصحاب المهن التنافسية الراقية مثل الاطباء والمهندسين ورجال الاعمال وايضاً المشاهير مثل الفنانين. كما انه هناك الكثير من الاشخاص الذين لايحبون اعمالهم ولكنهم مضطرون للاستمرار فيها ربما بسبب العائد المادي الذي توفره لهم او المقابل الذي يحصلون عليه من خلالها سواء كان وضعا ادبياً او اجتماعياً.

ايضاً ضغوط الزواج والمتمثلة في عدم التكيف مع النصف الآخر بسبب اختلاف العمر احياناً، الوضع الاجتماعي، الثقافة، سلبية احد الطرفين، ايضاً الالتزامات المالية او العائلية، بالإضافة إلى العلاقات الاجتماعية التي تتطلب الكثير من الوقت والجهد، بالإضافة إلى الجانب المادي هناك الضغوط الصحية كالمعاناة من مرض عضوي او نفسي او تكاليف العلاج المادية الباهظة، ومن بين انواع الضغوط الاخرى الضغوط الداخلية المتمثلة في الصراع بين رغبات ونزعات الانسان وبين المثل الاخلاقية والدينية له، بالاضافة الى ضغوط توفير احتياجات الأسرة من مسكن وتعليم اطفال ونفقات معيشة.

مجموعة أعراض

وحول الاعراض التي تظهر على الانسان في هذه الحالة يقول ان الانسان الذي يعاني من الضغوط النفسية يعاني من مجموعة من الامراض المختلفة سواء كانت نفسية او عضوية او حتى سلوكية وتأتي هذه الاعراض بصورة متفرقة ولكنها مزعجة للمريض بسبب استمراريتها وهو مايؤثر على مجمل حياته سواء من الناحية الاجتماعية او حتى الدراسية او المهنية وفي حالة فشل الانسان في التكيف مع تلك الضغوط فإن وضعه الصحي بصفة عامة يعاني من التدهور.

ويصيب المريض في هذه الحالة عددا من الاعراض منها ضعف التركيز والشرود والنسيان، البطيء في اتخاذ القرار وفقدان الثقة بالنفس وعدم احترام الذات، كما تظهر لديه اضطرابات سلوكية تتمثل في الاكثار من تناول المشروبات «الشاي والقهوة»، بالإضافة إلى الشراهة في التدخين ونوبات من عدم السيطرة، تؤدي إلى سلوك عدواني او عنيف بالإضافة إلى اضطرابات الطعام.

ويضيف ان الامر لايقتصر على الاسباب النفسية فحسب، بل يمتد للناحية العضوية، حيث يبدأ الشعور بالغثيان والصداع المستمر، ارتفاع ضغط الدم والتعرق الشديد، بالإضافة إلى الارتجاف وسرعة نبضات القلب مع الشعور بالألم في معظم اجزاء الجسم.

ويحذر من ان الضغط النفسي قد يؤدي إلى الاصابة بالمرض، حيث ان الضغوط النفسية تحفز الجسم لإفراز هرمونات متعددة من الغدد الصماء مثل الغدة النخامية والكظرية والغرض الاساسي منها هو مساعدة الجسم على مواجهة الضغوط او التكيف معها ومع استمرار افراز هذه الهرمونات خاصة هرمون الكورتيزون تبدأ الجوانب السلبية في الظهور مثل اضعاف جهاز المناعة الذي يترتب عليه الاصابة بأمراض عضوية واخرى نفسية تؤدي إلى تدهور سريع في صحة المريض بل قد تؤدي إلى حدوث مضاعفات تؤدي إلى الوفاة.

ويضيف د. مصطفى انه من بين الامراض العضوية التي تصيب مريض السكري، ضغط الدم، امراض القلب والشرايين، الصداع النصفي، السرطان، قرحة المعدة والاثني عشر، التهاب القولون، ايضاً، وفي بعض الاحيان تؤدي إلى الاصابة بالضعف الجنسي لدى الرجال واضطرابات الدورة الشهرية لدى النساء، اما بالنسبة للأمراض النفسية فأهمها اضطرابات القلق والاكتئاب.

بالاضافة إلى ذلك فإن الابحاث الطبية اكدت ان الضغط النفسي المزمن يؤدي إلى الاسراع بضمور خلايا المخ وهو مايؤدي بالتالي إلى ضعف الذاكرة. كما تبدو مظاهر الشيخوخة المبكرة على الشخص المريض بحيث يبدو اكبر من سنه مع هبوط مستوى نشاطه البدني والذهني وزيادة تجاعيد وجفاف البشرة.

علاج الضغط النفسي

وحول علاج الضغط النفسي يقول ان العلاج ينقسم إلى قسمين، الاول علاج الاعراض والثاني هو وضع استراتيجية للتعامل مع تلك الضغوط، وبالنسبة لعلاج الاعراض فإنه يجب رؤية الامور بمنظور ايجابي بعيداً عن التركيز على الجوانب السلبية منها، فالتركيز على الجانب الإيجابي من شأنه ان يمنحنا المزيد من الثقة فيما الجانب السلبي يزيد من حالة الاحباط وحدة الضغوط.

ويضيف ان الامر الثاني هو انه يجب الاعتراف وتقبل النتائج السلبية مع الاعتراف بالخطأ وعدم الهروب من تحمل المسؤولية بالأعذار او المبررات او تحميل الآخرين مسؤولية اخفاقنا، لأن هذا من شأنه ان يعطينا الارادة اللازمة لتصحيح الخطأ.

الاستراتيجية

ويؤكد انه بالنسبة للنقطة الثانية المتعلقة بإستراتيجية التعامل مع الضغوط فهناك عدد من العناصر لابد من التركيز عليها، اولها الحزم، فالحزم مهم للغاية مع عدم التساهل او التنازل من اجل ارضاء الآخرين حتى لايعتاد لآخرون على الاعتماد عليك لمجرد انك لا تستطيع الاعتذار، بالاضافة إلى الاصرار على الحقوق والتعبير عن الافكار والمشاعر والمعتقدات بحرية وصراحة كاملة دون التعدي على حقوق او مشاعر الآخرين. الاهتمام بنقطة النظام لأن عدم النظام يؤدي إلى الضغوط في العمل والحياة الاجتماعية للفرد.

يجب التعود على ان تقول «لا» عند الحاجة إلى نطقها فعدم قدرة البعض على الاعتذار او قول كلمة لا لحساسيتهم من الآخرين يجعلهم عرضة للاستغلال، وهو مايدفعهم لعمل اشياء لايرغبون فيها .

وبالتالي فإن تعرضهم لمزيد من الضغوط يصبح امراً وارداً لحد بعيد، ايضا من المهم ألا يقوم الانسان بعمل كل شيء وتحمل المسؤولية نيابة عن الآخرين حتى لايتعرض بعد ذلك للمحاسبة على التقصير، وهذا النموذج نجده بكثرة في الحياة الاسرية وداخل محيط العمل وهو مايجعل هذه الفئة اكثر عرضة للإصابة بالمرض اكثر من غيرهم.

لذا فإنه من المهم للغاية ألا يلتزم الفرد بأعمال اكثر من طاقته، بالإضافة إلى ذلك يجب ان يكون الانسان واقعياً وألا يبالغ في امكانياته حتى لايصاب بخيبة امل او احباط في حالة تعرضه للتعثر، ويفضل ان يضع الانسان اسبقية لمهامه تبعاً لدرجة الاهمية ووقت الانجاز المطلوب.

يجب ايضاً على الانسان ان يتعلم «الفضفضة» سواء مع اقرب الناس اليه او من خلال الاهل او صديق مقرب حتى لاتتفاقم لديه حدة الضغوط دون ان يكون لها متنفس.

الأمراض العضوية

فيما ترى د. تيسير زين العابدين استشاري المخ والاعصاب بمستشفى القاسمي ان الموضوع له شقان فهناك امراض عضوية تؤدي إلى امراض نفسية والعكس صحيح، اي انه هناك امراض نفسية تؤدي للإصابة بمرض عضوي.

وتضيف انه من بين الامراض العضوية التي تصيب الجهاز العصبي والتي من الممكن ان تؤدي للإصابة بأمراض نفسية الجلطات الدماغية، اذ انه من المعروف ان غالبية الجلطات الدماغية تؤدي للإصابة بالشلل النصفي وهو مايؤدي إلى اصابة المريض بحالة من الاكتئاب نتيجة فقدانه القدرة على الحركة او الكلام وهو مايستدعي اعطاء المريض في هذه الحالة ادوية مضادة للاكتئاب خلال الشهور الاولى من الاصابة حتى يتقبل الوضع القائم ويتعامل بإيجابية مع حالته.

الصرع

وتضيف ان النوع الثاني من الامراض العصبية العضوية هو مرض الصرع، والذي للأسف ينظر اليه على انه من الامراض المعيبة خاصة بالنسبة للمرأة حيث ينظر للمرأة المصابة على انها غير سوية من الناحية العضوية ولاتقبل كزوجة بل وينظر اليها خاصة في عالمنا العربي على انها غير قادرة على ممارسة حياتها بصورة طبيعية كالزواج والانجاب دون اية عوائق او مشاكل صحية .

كما ان انعدام تقبل المجتمع لمرضى الصرع يؤدي إلى اصابة هؤلاء المرضى بالتوتر العصبي والنفسي والاكتئاب. وتؤكد على ضرورة تعريف المجتمع والبيئة المحيطة للمريض ان الصرع مرض عضوي وليس مرضا نفسيا.

وتوضح انه من الامراض الاخرى مرض التصلب التعددي وهو مرض يصيب الشباب من الجنسين خاصة النساء حيث يحدث نوع من التهاب القشرة البيضاء للمخ مما يسبب تعرية المحاور العصبية ويؤدي إلى اصابة المريض بالشلل النصفي او خلل الاتزان، بالإضافة إلى مرض الشلل الرعاش الذي يصيب كبار السن ايضاً هو ومرض الزهايمر وهو مايؤدي إلى اصابة المريض في بعض الاحيان بحالة من التهيج وعدم الاتزان.

وتشير إلى ان تعرض انزيم «السروتولين» .

وهو الانزيم الذي يتحكم في مزاج الانسان ، حيث انخفاضه يؤدي إلى تغير المزاج بالنسبة للمريض، لذا فإن معظم ادوية الاكتئاب تعمل على رفع نسبة الانزيم في المخ بهدف تحسين الحالة المزاجية وترى ان غالبية الامراض العصبية التي تصيب المريض هي ناتجة عن ردود فعل بسبب الإعاقة التي يتعرض لها المريض نتيجة اصابته العضوية.

ايضاً اصابة النخاع الشوكي او التهاباته تؤدي إلى الاصابة بالإعاقة حيث يصبح المريض غير قادر على المشي او العمل بالإضافة إلى الجانب الجنسي الذي لاشك يتعرض للإعاقة وهو مايؤدي إلى ضعف القدرة الجنسية للمريض وبالتالي يفضل الانزواء والابتعاد عن الآخرين وهو مايؤدي إلى المزيد من المضاعفات النفسية. كما ان هناك عددا آخر من الامراض العضوية العصبية التي تؤثر على الجانب النفسي للمريض مثل مرض الصداع التوتري الذي ينتج عن الامراض النفسية، ايضاً الصداع النصفي «الشقيقة».

دبي ـ عاطف حنفي