تعهد صناع القرار في مجموعة العشرين بالابقاء على اجراءات التحفيز الاقتصادي لحين التأكد من الانتعاش والعمل على طمأنة أسواق المال بأن لديهم خططا يعتد بها للانسحاب من اجراءات التحفيز في الوقت المناسب.

ويجتمع وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية من دول مجموعة العشرين المتقدمة والناشئة في لندن لبحث الخطوات التالية لمواجهة أسوأ أزمة مالية منذ الكساد العظيم. وتحسنت بدرجة كبيرة افاق الاقتصاد العالمي منذ أن اجتمع زعماء المجموعة في أبريل الماضي عندما كان العالم وسط حالة من الكساد فارتفعت أسواق الاسهم منذ مارس وعادت بعض الدول الى النمو.

لكن صناع القرار يتوخون الحذر بشأن اعلان النصر في الوقت الراهن. ومن المنتظر أن يؤكدوا على الحاجة للابقاء على التحفظ وبحث فرض قيود على رواتب المصرفيين واصلاح هيئات الرقابة المالية والمؤسسات الدولية.

مؤشرات عديدة

وبرزت العديد من المؤشرات التي تدل على أن الاقتصاد العالمي لا يزال يواجه مزيدا من المصاعب. وانخفضت استثمارات اليابان في قطاع الصناعة خلال الفترة من أبريل الماضي وحتى يونيو الماضي بنسبة 32% مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي.

وذكرت مصادر وزارة المالية في طوكيو أن تراجع استثمارات الصناعة هو الأكبر منذ الربع الثالث في عام 2002 وأضافت أن نفقات رأسمال الشركات اليابانية تراجعت خلال الربع الثاني من العام الجاري بنسبة 7. 21% مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي. وبهذا واصلت استثمارات قطاع الصناعة في اليابان انخفاضها للربع السنوي التاسع على التوالي.

ومع بقاء أسعار الفائدة عند أدنى مستوياتها وضخ تريليونات الدولارات لتحفيز الاقتصادات ومكافحة الأزمة سيحرص صناع القرار على اظهار انهم وضعوا خططا للخروج من هذه السياسات التحفيزية. ومع ارتفاع البطالة المتوقع ان يحد من شعبيتهم فانهم يحرصون على ايجاد من يلقون عليه اللوم لذلك سيؤكدون على أن البنوك لا يمكنها العودة للعمل كما كانت.

وقدمت فرنسا والمانيا وبريطانيا مقترحات لاقناع البنوك بوقف تقديم مكافآت باهظة لمسؤوليها التنفيذيين الذين شجعهم ذلك فيما يبدو على تحمل مخاطر كبيرة قد تكون تسببت في حدوث الازمة. ويناقش الوزراء كذلك الهيئات الرقابية وسبل تحديثها دون احداث هزة في النظام المالي.

وفيما دعا وزير الخزانة الامريكي تيموثي جايتنر المجموعة لتأييد معايير صارمة جديدة تتعلق برؤوس أموال البنوك ومستويات السيولة فيها، قال وزير المالية البريطاني اليستير دارلينج: أعتقد ان بأمكاننا الشعور بالاطمئنان بشأن أفاق الاقتصاد عام 2010. لكن مازالت هناك مخاوف ومخاطر يتعين علينا مواجهتها.

وأضاف أن أكبر هذه المخاطر هو الاعتقاد بأن المشكلة انتهت وان الانتعاش أصبح مضمونا. وقال إنه لا يمكن لأي دولة الاطمئنان لذلك الان ويتعين مراقبة الوضع. وقال انه من الضروري ان تلقى الاقتصادات دعما من خلال برامج انفاق موجهة لا من خلال تقليص الانفاق في هذا الوقت الحرج.

خلافات واضحة

أثارت الرؤى حول تقييد أحجام البنوك خلافات واضحة بين الأطراف المشاركة في اجتماعات مجموعة العشرين. وقال وزير المالية الالماني بير شتاينبروك لصحيفة تسايتونج إن بلاده تعارض خطط مجموعة العشرين لتقييد أحجام البنوك لتجنب مد مؤسسة واحدة نفوذها بدرجة كبيرة في المستقبل مما قد يشكل مخاطر.

وقال: لا أعتقد أن من المنطقي وضع حد أقصى لاحجام البنوك. أنه وهم أن نقلص أحجام البنوك كلها الى مثلا حجم بنك ايزرلون. وايزرلون بلدة في ولاية نورد راين فستفاليا. وقال شتاينبروك ان المؤسسات المالية الكبيرة ستكون مطلوبة في المستقبل. وتابع: بالاضافة لذلك فان الازمة أدت الى عملية خفض لاحجام البنوك. لكننا نحتاج لتجهيز المؤسسات بدرجة أفضل برأس المال والسيولة وبنظم رقابية فعالة بشكل عام. وقد حققنا بعض التقدم في ذلك.

محاذير التفاوت

وحذر الوزير من الافراط في التفاؤل بشأن الوضع الاقتصادي قائلا انه قد تكون هناك ارتفاعات أخرى في حالات التخلف عن السداد وفي معدلات البطالة. وتابع: صحيح ان هناك بارقة أمل. لا يمكننا تجاهل ان الفصول الاخيرة من هذا العام ستكون افضل من المتوقع. وقد نتمكن من زيادة توقعاتنا الاقتصادية بعض الشيء لعام 2010. ونما الناتج المحلي الاجمالي في المانيا أكبر اقتصاد أوروبي بنسبة 3. 0 بالمئة في الربع الثاني من العام الحالي.

وحذر زعماء بريطانيا وفرنسا والمانيا من ان الازمة الاقتصادية العالمية لم تنته وان البطالة سترتفع في الاشهر القادمة. وفي رسالة الى زملائهم في الاتحاد الاوروبي قال زعماء أكبر ثلاثة اقتصاديات في اوروبا انه لا يوجد بديل للابقاء على برامج التحفيز غير العادية في الوقت الراهن لكن يجب اعداد خطط لسحبها المنسق.

وكتب رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والمستشارة الالمانية انجيلا ميركل: يجب ان نتسم بالحرص لتجنب وضع الاساس لاختلالات عالمية جديدة. وقالوا: لذلك يجب ان نعمل بناء على استراتيجيات للخروج تنفذ بأسلوب متناسق عقب انتهاء الازمة.

وبينما لا يزال غضب الرأي العام ازاء تجاوزات القطاع المالي مرتفعا في وقت تتجه فيه تسريحات العمال نحو الزيادة قال الزعماء انه لا يكفي ان تعود البنوك للعمل كالمعتاد ولكن يتعين عليها ان تحد من الاقدام على المخاطرة وثقافة العلاوة.

وحث المدير العام لصندوق النقد الدولي دومينيك ستروس كان الحكومات على (وضع) استراتيجيات واضحة للخروج من الازمة لعدم تقويض فرص الانتعاش الذي بدات ملامحه ترتسم في الافق. كما اعتبر ان اصلاح عملية ضبط النظام المالي الدولي لا يتقدم بالسرعة الكافية. وقال صندوق النقد الدولي في خطاب القاه في برلين بعنوان (ما بعد الازمة: نمو ثابت واستقرار النظام النقدي الدولي) ان (الاقتصاد العالمي بدأ على ما يبدو النهوض اخيرا من اسوأ ركود شهدناه''.

الا ان ستروس كان اعتبر ان الانتعاش سيكون (بطيئا نسبيا) بل انه تحدث عن خطر (انتعاش بلا وظيفة) وفقا لنص خطابه الذي وزع على الاعلام مقدما. وقال ان (الوقت قد حان لكي يضع القادة استراتيجياتهم للخروج من الازمة لانه اذا لم يتوصلوا الى توضيح واعداد خططهم فانهم قد يقوضون بذلك الثقة ومسيرة الانتعاش نفسها).

وبشان مراجعة عملية ضبط النظام المالي التي تعهدت بها الدول المتقدمة والناشئة في مجموعة العشرين اعتبر رئيس البنك الدولي ان (جهود الاصلاح هذه لا تتقدم بالسرعة الكافية وانه من الضروري التصدي للمشاكل التي اثارتها الازمة). وقال انه (خبر سيئ) مضيفا انه رأى (دائما تهديدات خطيرة بحدوث زعزعة استقرار مالية) على الصعيد العالمي.

وبشأن نظام الصرف وفي الوقت الذي دعت فيه الصين الى اختيار عملة احتياطي دولي جديدة بدلا من الدولار اعتبر ستروس كان ان الدولار (تعزز خلال الازمة) التي (عكست) وضعه كعملة ملاذ لا مثيل لها. واعتبر ايضا ان موارد صندوق النقد الدولي تستحق (الزيادة) رغم تعهد دول مجموعة العشرين في ابريل الماضي برفعها بمقدار ثلاثة اضعاف لتمكين الصندوق من تكثيف مساعدته للدول المحتاجة.

(الوكالات)