من الامور التي تثير الدهشة بالنسبة للأزمة الاقتصادية في أسبانيا أنها لا تظهر في شوارع أسبانيا من الوهلة الأولى، فلم يرتفع على سبيل المثال عدد المشردين الذين لا يجدون مأوى، بشكل ملفت للنظر وليست هناك قلاقل أو مظاهرات إذ يبدو أن الأسبان يقابلون الركود والبطالة بهدوء مدهش.

وسبب ذلك من ناحية أن الوشائج العائلية في أسبانيا أقوى منها في دول أوروبية أخرى فتجد الذي يعمل يساعد العاطل عن العمل في تجاوز هموم الحياة اليومية. ومن ناحية أخرى فإن العمل الأسود، غير المسجل رسميا، واقتصاد الظل في أسبانيا، أي الأنشطة الاقتصادية التي لا تنعكس على إجمالي الناتج المحلي، مازالا منتشرين في أسبانيا أكثر منه في الكثير من بلدان الاتحاد الأوروبي.

اضطر معظم الأسبان لترشيد نفقاتهم وطال ذلك ملك أسبانيا خوان كارلوس نفسه الذي اختصر عطلته الصيفية في مايوركا ولم يمخر البحر بيخته الملكي «فورتونا» سوى مرتين فقط أثناء العطلة، والسبب: الركود الاقتصادي في أسبانيا. ففي الوقت الذي بدأت ألمانيا وفرنسا تحقق شيئا من النمو الاقتصادي فإن اقتصاد أسبانيا لا يلحظ في الأفق بوادر على انتهاء الأزمة الاقتصادية. ويرى بعض الخبراء أن أسبانيا لن تتعافى من هذه الأزمة إلا بعد عام من تعافي معظم الدول الأخرى في منطقة اليورو. وقال خافيير سيجورا الخبير الاقتصادي في أسبانيا:كان هبوط مصعد الاقتصاد سريعا ولكن صعود السلم نحو الانتعاش سيكون بطيئا ومجهدا.

تراجع الاقتصاد الأسباني خلال 12 شهرا بنسبة 3. 4%. وضاعت أكثر من 3. 1 مليون فرصة عمل نتيجة الكساد الاقتصادي جراء الأزمة وارتفع عدد العاطلين عن العمل إلى أكثر من 1. 4 ملايين عاطل وبلغت نسبة البطالة 18%، وهي أكبر نسبة بطالة في الاتحاد الأوروبي وبفارق كبير عن الدول التي تليها.

ووصفت صحيفة البايس الأسبانية أسبانيا بأنها رجل أوروبا المريض. ويعود تعثر أسبانيا في الخروج من الأزمة الاقتصادية إلى ضعف هيكلي أساسي في أسبانيا حيث إن إنتاجية الاقتصاد الأسباني ضعيفة نسبيا مما أضعف قطاع التصدير وأدى إلى عدم استفادة الشركات الأسبانية بشكل كبير من انتعاش الأسواق في آسيا. ويعتمد الاقتصاد بشكل رئيسي على الطلب الداخلي الذي يعتبر محرك الاقتصاد الأساسي.

غير أن هذا الطلب الداخلي على المنتجات متدن في أسبانيا لأن الكثير من الأسبان حصلوا على قروض على ممتلكاتهم أثناء فترة ازدهار الاقتصاد مما أدى إلى استدانتهم كثيرا ودفع بهم في أحضان الخوف والقلق على وظائفهم ويرشدون في جميع نواحي الحياة الممكنة.

وانهار قطاع الإعمار الذي ساعد الاقتصاد الأسباني لفترة طويلة على الازدهار بشكل غير مسبوق. ففي حين كانت 800 ألف وحدة سكنية تبنى في أسبانيا سنويا منذ عام 2006 تراجع هذا العدد إلى 200 ألف في الوقت الحالي. وهناك مليون مسكن لا يجد مشتريا. كما أن أزمة بناء المساكن تعتبر أحد العوامل الرئيسية وراء ارتفاع نسبة البطالة. ويساهم قطاع الإعمار في أسبانيا بنحو 5% من إجمالي الناتج المحلي وهي ضعف النسبة في الاتحاد الأوروبي تقريبا.

ووفرت حكومة رئيس الوزراء الأسباني خوسيه لويس ثاباتيرو من خلال برنامج حكومي لحفز الاقتصاد ثمانية مليارات يورو للبلديات لرصدها في تحسين الطرق والشوارع والميادين مما أدى للحفاظ مؤقتا على 410 الاف وظيفة. وأدى ذلك إلى غرق المدن الأسبانية في بحر من مواقع العمل الجديدة فلا يكاد يكون هناك شارع في مدريد على سبيل المثال إلا وبه حفر وبناء.

ولكن خزينة الدولة مهددة بالنضوب، كما أن حجم الاستدانة يتجه نحو نسبة 10% من إجمالي الناتج المحلي في حين أن الميثاق الأوروبي للاستقرار الاقتصادي يحظر تخطي حاجز 3% مما دفع الحكومة للتفكير في زيادة الضرائب ولكنها تلقى معارضة من جميع الأحزاب الأسبانية ما عدا الاشتراكيين بقيادة ثاباتيرو.

(د ب أ)