برز الألماس في مظهر «الرابح الأكبر» من تقلب أسعار الذهب، وشكل تألق الإقبال على مجوهرات الألماس أحد أبرز تعبيرات استجابة السوق لتأرجح أسعار المعدن الأصفر بين الصعود تارة والتراجع تارة أخرى، وشملت التعبيرات الأخرى، اتجاه تجار التجزئة إلى تنويع محافظهم من تشكيلات المجوهرات، بعرض أنواع متعددة ومتنوعة لاستهواء أكبر عدد من المستهلكين.
فضلاً عن اتجاه البعض منهم إلى الانتقال إلى المراكز والسلاسل التجارية الأكثر ازدحاما بجمهور الزوار والمرتادين، بهدف تتبع المستهلك حيثما يتواجد بكثافة، وجاءت هذه التغييرات في أساليب البيع ضمن التحولات في استراتيجيات التجار للتعامل مع مشكلة التراجع الحاصل في الطلب على المجوهرات الذهبية.
بيد أن نجاح دبي في الفوز بألقاب ومسميات متعددة، بما يعكس تنامي مكانتها كمركز لتجارة السلع في العالم، لن يقلل في رأي أحمد بن سليم الرئيس التنفيذي لمركز دبي للسلع المتعددة في حديثه ل«البيان الاقتصادي» من أهمية الذهب ضمن أولويات وأنشطة المركز السلع، ولن يهز كذلك في رأي فيروز ميرشانت رئيس شركة بيور جولد من سمعة دبي كمدينة للذهب، باعتبار أن مثل هذه الشهرة لا تمت بصله لمسألة تقلبات الأسعار التي تخضع لعوامل وقوى عالمية خارج نطاق سيطرة مدينة الذهب.
وفي البداية، يستبعد أحمد بن سليم الرئيس التنفيذي لمركز دبي للسلع المتعددة أية إمكانية لتقليل الاهتمام بالذهب ضمن أنشطة وأولويات المركز، مشيراً إلى أنه لا توجد أي حدود أو قيود على أنشطة قسم الذهب والمعادن النفيسة بالمركز، ولفت الانتباه إلى حقيقة كون محفظة الذهب صارت الآن أكثر تنوعا لتلبية مختلف احتياجات المستثمرين والتجار، حيث أضحت تشتمل على كل من عقود الذهب الآجلة وأسهم دبي الذهبية المقيدة ببورصة ناسداك دبي، فضلاً عن العملات الذهبية.
ويرى أحمد بن سليم أن توسيع محفظة الذهب جاء متمشيا ومنسجما مع تطور ونضج أسواق الذهب، إذ لم تبرز مثل هذه الحاجة منذ عشر سنوات مضت، بيد أنه في الوقت الحالي، صارت أنشطة المتاجرة والاستثمار في الذهب تتميز بالتنوع الشديد، كما زاد الاستثمار في الذهب بشكل ضخم، وهو الأمر الذي من شأنه أن وطد مكانة الذهب بوصفه عملة العالم.
وفي رأي أحمد بن سليم، ينطلق تصدر الذهب أولويات مركز دبي للسلع المتعددة من حقيقة أن الذهب يعد السلعة الأكثر كفاءة في الاستخدام، فهو يستهلك في المجوهرات وصناعة الإلكترونيات وتأمين أصول، ويشكل في الوقت وعاءً ادخارياً واستثماريا يتميز بالقدرة على البقاء والاستمرار دون التعرض للنفاذ، ويتميز كذلك بتزايد قيمته بسبب تراجع عدد المناجم وتشدد الإمدادات.
ويرى أحمد بن سليم أن الأزمة المالية العالمية لم تنل من الدور المهم والمؤثر الذي تلعبه دبي في مجال تجارة السلع، فعلى الرغم من الضرر الذي لحق بمراكز تجارة الألماس في العالم، إلا أن ذلك لم يؤثر على جاذبية دبي كمركز عالمي لتجارة الألماس، وهو ما يثير غيرة مراكز الألماس الأخرى ولم يؤثر كذلك على جهودنا في العمل على استقطاب الشركات العاملة في تجارة السلع.
تقلبات الأسعار
وعلى نفس المنوال، يرى فيروز ميرشانت رئيس شركة بيور جولد أن تقلبات المعدن الأصفر غير ذات صله من بعيد أو قريب بمكانة دبي كمدينة الذهب في العالم، فهي محل ثقة التجار بأنها المكان الأفضل في العالم لتجارة الذهب، وذلك من زاوية النقاء والسعر والتصميم، وبالتالي، لم تتأثر مكانة مدينة الذهب من تقلبات الأسعار، حيث تتحدد أسعار الذهب بناء على قوى وعوامل عالمية لا دخل لمدينة الذهب فيها، كما أن المستهلكين يشترون الذهب في دبي بالدرهم وليس بالدولار.
وقد استشرف فيروز ميرشانت قبيل سبتمبر 2008 معالم آفاق مستقبل يحمل الكثير من الظلال القاتمة، ووجه الدعوة لعقد اجتماع طارئ لمجلس إدارة الشركة لكي يطرح هواجسه ومخاوفه حيال الضغوط التي ستثقل على الصناعة، وقد بني فيروز حدسه حيال المستقبل، بناء على قناعة ذاتيه لديه بأنه لا يوجد شيء في العالم يصعد إلى المطلق، ولكن مسيرة هذا الصعود تكون دائما محكومة بقانون طبيعي، وهو حتمية وجود سقف لأي صعود وتطور، وفسر فيروز ميرشانت القفزات السعرية التي شهدتها أسعار الأصول قبيل نشوب الأزمة المالية العالمية بأنها تنذر ببلوغ مستويات التي سيتلوها مرحلة الارتداد على هذا الصعود، والدخول في مرحلة التراجع والانكماش.
وعندما طرح فيروز ميرشانت هواجسه ومخاوفه على أعضاء مجلس الإدارة، ساد السكون أرجاء المكان، وبدا كما لو كان الطير يحلق فوق رؤوسهم، حيث بدا حديثه بمثابة نشاذ عن النغمة السائدة في السوق، ويستذكر فيروز ميرشانت معالم ردود الفعل بقوله: كنت أتحدث عن تراجع قادم، فيما كان الجميع يعزفون على نغمة التوسع والازدهار، وقد تلقيت بعض المداخلات والآراء، ولكن كان بمقدوري المضي قدما في تنفيذ إستراتيجية الأعمال الجديدة، بحكم موقعي كرئيس للشركة، ويتذكر أعضاء مجلس الإدارة الآن آرائي منذ عام مضى ليثنوا على رجاحة حدسي وتفكيري.
يصف فيروز ميرشانت أسلوبه في مباشرة الأعمال بأنه يتسم بالبساطة الشديدة، لكونه ينهض على رؤية محافظة في إدارة الأعمال تنطلق أساسا من قاعدة الالتزام بما هو ساري من قواعد وسياسات وأنظمة تتعلق بمباشرة الأعمال، فضلاً عن تجنب الانزلاق في أي ممارسات تمت من بعيد أو قريب لأنشطة المقامرة.
تغييرات جوهرية
بيد أن نظرته المحافظة في إدارة أعماله لم تحل دون قيامة بإدخال تغييرات جوهرية في إستراتيجية أعماله، إذ اتخذ منذ عام وصنف عام مضى قرارا بتنويع أعماله من الذهب إلى الألماس، إذ تقلص عدد المحلات العاملة في مجال المجوهرات الذهبية ليصل عددها إلى ما يتراوح بين 3 إلى 4 متاجر من إجمالي 55 متجراً في الإمارات، وتمتلك بيور جولد شبكة من المتاجر على مستوى منطقة الخليج تضم نحو 75 متجراً، وعليه، ركز القسم الغالب من متاجر بيور جولد على الأعمال المرتبطة بمجوهرات الألماس.
أما التغير الثاني الأكثر أهمية، فهو إتباع إستراتيجية تسويقية تضع في حسبانها القوة التسويقية للمستهلك، وما طرأ من تغييرات على مفاهيم الاستهلاك كنتيجة للأزمة المالية العالمية، حيث صار المستهلكون أكثر حرصاً وانتقائية في إنفاق أموالهم، وذلك نتيجة للخسائر الضخمة التي تكبدوها، وبالتالي، لم تتغير معدلات الإنفاق فحسب، وإنما تغير ذلك وعي المستهلكين الذين صاروا أكثر تفحصا لمجالات الإنفاق، وأكثر عناية في اختيار مجلات للإنفاق تحافظ على قيمة ثرواتهم، وتعمل الشركة على جعل مجوهرات الألماس مناسبة لشرائح دخول ومهن وأساليب حياه متنوعة، بحيث تغدو مجوهرات الألماس موضع إقبال، ومواكبة في الوقت ذاته للتغييرات في الأسواق الناجمة عن تقلب أسعار الذهب، وبالتالي، استهدفت الشركة من خلال هذا النهج، زيادة شعبية مجوهرات الألماس بين شرائح متنوعة من المستهلكين.
ويتحدث فيروز ميرشانت عن هذا النهج التسويقي بقوله: نحن عرضنا منتجات تجمع بين روعة التصميم وجودة السعر، بحيث يكون سعرها قابل للتحمل من قبل شرائح دخول متنوعة، إذ طرحنا خاتم ألماس يبلغ وزنه واحد قيراط بسعر 229. 12 درهما، وهو سعر تنافسي وقابل للتحمل، وعرضنا تشكيلة مجوهرات تمزج بين الذهب والألماس بسعر 2999 درهما، وطرحنا أيضاً تشكيلة مجوهرات خلال شهر رمضان بسعر يبلغ 786 درهما.
ويتمثل التغير الثالث في فتح متاجر في السلاسل التجارية التي يرتادها الكثير من الزوار، وإغلاق متاجر أخري في مواقع تعاني من ضعف إقبال الزوار عليها، أي إعادة توزيع مواقع المتاجر للتواجد في الأماكن التي يرتادها المتسوقون بكثافة، ويكشف فيروز ميرشانت عن هذا التوجه بقوله: قمنا بإغلاق ما يتراوح بين 7 إلى 10 متاجر في الأماكن التي يضعف إقبال المستهلكون عليها، وقمنا في التوقيت ذاته بفتح نفس العدد من المحلات في السلاسل التجارية العالية الأداء، ونحن بصدد افتتاح متجرين في شهر سبتمبر المقبل ونتطلع لفتح متجرين آخرين في أبوظبي عندما تلوح الفرصة، ومن ثم، حرصنا على مراعاة التوازن بين إغلاق متاجر وافتتاح متاجر أخري جديدة صارت متاحة لي نتيجة للازمة المالية العالمية.
ورغم عدم توافر اليقين الكامل لدي فيروز ميرشانت بإمكانية إن تستعيد الأسواق عافيتها وإزهارها في غضون فترة وجيزة، ورغم قناعته بأن استقرار السوق قد يستغرق فترة زمنية تصل إلى عام أو عامين أو حتى ثلاثة أعوام، إلا أنه على ثقة كاملة بقوة حصانة ومناعة السوق في الإمارات، ومرد هذه الثقة هو إيمانه المطلق بأن الإمارات قد حباها الله بقيادة تمتلك رؤية سديدة وحصيفة، وتضع هذه القيادة في صدارة أولياتها الارتقاء والنهوض بكل قطاعات الاقتصاد وحماية الأعمال، وهو ما يحقق الخير لكل فرد على أرض الإمارات، وتعد هذه الثقة أحد روافد جاذبية دبي في أعين التجار والمستثمرين والتي أعتبرها أحمد بن سليم الرئيس التنفيذي لمركز دبي للسلع المتعددة بمثابة الركيزة التي تنطلق منها دبي في التعامل مع تداعيات الأزمة المالية العالمية.
دبي: مجدي عبيد
