برزت العديد من المؤشرات التي تدل على أن الاقتصاد العالمي لا يزال ضعيفاً في مواجهة الصدمات. وأكد القسم الاكبر من المسؤولين في البنك المركزي الأميركي أن اقتصاد الولايات المتحدة لن يتحسن سوى (ببطء) في النصف الثاني من العام، ويرى الجميع انه لا يزال (ضعيفا امام الصدمات). هذا ما جاء في البيان الذي نشر أول من أمس الاربعاء اثر اجتماع لجنة السياسة النقدية في الاحتياطي الفدرالي الاميركي (البنك المركزي) والذي يظهر ايضا ان وضع سوق العمل يبقى (مدعاة لقلق كبير).

واثناء اجتماعهم في 11 و12 اغسطس، اكد اعضاء لجنة السياسة النقدية توقعاتهم حيال عودة النمو الى الولايات المتحدة في النصف الثاني من العام. ومنذ ذلك الوقت، اعتبر رئيس البنك المركزي بن برنانكي ان احتمالات التحسن (جيدة على المدى القصير) رغم (التحديات الكبيرة) التي لا تزال مطروحة. وبحسب البيان، فان (غالبية المشاركين يرون ان الاقتصاد قابل للنمو ببطء في النصف الثاني، في حين اجمعوا ان النمو لا يزال ضعيفا امام الصدمات).

ويشير البيان من جهة اخرى الى ان (وضع سوق العمل يبقى مدعاة قلق كبير) بالنسبة الى اعضاء لجنة السياسة النقدية رغم التباطؤ في عمليات التسريح من الخدمة. وقالت لجنة السوق الاتحادي المفتوح إن النشاطات ستبقى على حذرها في تعيين عاملين جدد وسيبقى نمو الدخل (بطيئا)مع شروط ائتمان مشددة بالنسبة للدخول الاسرية.

وأضاف البنك أن الاستثمار التجاري سيبقى ضعيفا هو الآخر. وأبقى البنك المركزي على معدلات الفائدة قرب الصفر خلال اجتماع أغسطس ولم يبد أي مؤشرات لتغيير منهجه حيث أعلن ان الولايات المتحدة في سبيلها للخروج من حالة ركود استمرت 20 شهرا.

وكان البنك ثبت متوسط أسعار الفائدة بين صفر و25, 0 بالمئة منذ ديسمبر الماضي وكرر أنه سيبقي الامور على هذا النحو(لفترة غير محددة)مع بدء ظهور مؤشرات التعافي. وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما أعاد تعيين بن برنانكي الشهر الماضي لتولي رئاسة مجلس الاحتياطي الاتحادي لفترة ثانية، في قرار يؤكد أنه يفضل الاستقرار على التغيير خلال أسوأ حالة ركود منذ الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي.

طريق طويل

وأعلن وزير الخزانة الاميركي تيموثي غايتنر انه (شهد اولى اشارات النمو) الاقتصادي في الولايات المتحدة والعالم، لكنه اعتبر ان الطريق لا يزال (طويلا) قبل العودة الى الحال الطبيعية. وقال غايتنر خلال مؤتمر صحافي مخصص لاجتماع وزراء المال في مجموعة العشرين المقرر اليوم الجمعة وغداً السبت في لندن (لقد شهدنا اولى اشارات النمو في هذا البلد وفي العالم).

واضاف ان (قوة الرد الذي طبقناه هنا ومع مجموعة العشرين ادت فعليا الى ان تبعد بنجاح الاقتصاد العالمي من شفير الهاوية). وتابع الوزير الاميركي (نعود من مسافة بعيدة، لكنني اعتقد ان علينا ان نكون واقعيين، الطريق لا يزال طويلا).

وفي سياق متصل حث وزير الخزانة البريطاني أليستر دارلينج حكومات الدول التي تضررت من الركود الاقتصادي على مواصلة الإنفاق الحكومي العام للخروج من الأزمة الاقتصادية. وفي مقابلة مع صحيفة إندبندنت البريطانية حذر دارلينج هذه الحكومات من التفكير في (استراتيجيات خروج) سابقة لأوانها بالنسبة لخطط الإنفاق الحكومي وحزم تحفيز الاقتصاد.

وأضاف أنه من غير الصواب وقف الإجراءات الحكومية لتحفيز الاقتصاد قبل اكتمال المهمة وعودة الاقتصاد إلى مسار النمو المستدام. وأشار إلى ضرورة وجود خطة تضمن وقف الإنفاق الحكومي التحفيزي مع استمرار النمو الاقتصادي. وقال دارلينج إن هناك مؤشرات مشجعة على أن العمل المشترك الذي قامت به دول مجموعة العشرين خلال الشهور العشرة الماضية كان مؤثرا وانه بدأ جني ثمار هذا العمل، محذرا من أن الوقت مازال مبكرا للتوقف عن هذا العمل. وكانت فرنسا وألمانيا قد أعلنتا قبل أيام خروج اقتصاديهما من دائرة الركود في حين يمضي تعافي الاقتصاد البريطاني بوتيرة ابطأ وفقا للعديد من المؤشرات الاقتصادية.

سياسات الخروج

واتفقت دول مجموعة العشرين على أنه من السابق لاوانه سحب اجراءات انهاء الازمة الاقتصادية العالمية وستناقش تنسيق سياسة الخروج من دعم بتريليونات الدولارات. وقال وزراء مالية أوروبيون يعقدون اجتماعا في بروكسل ان المرحلة الاسوأ من الركود قد انتهت في الست عشرة دولة التي تستخدم عملة اليورو لكنهم استبعدوا أي انهاء فوري للمساعدة المالية والنقدية. وقال مصدر بالحكومة البريطانية ان هناك اتفاقا على هذا داخل مجموعة العشرين وان الكل يعتقد أنه من السابق لاوانه بالتأكيد اعلان النصر.

ومن المتوقع أيضا أن يبحث وزراء مجموعة العشرين دعوة أمريكية للاتفاق على اعطاء دول الاسواق الصاعدة حقوق تصويت أكبر في صندوق النقد الدولي. وقال مصدر بمجموعة العشرين ان واشنطن تريد على الاقل اصدار بيان في هذا الشأن عندما يجتمع قادة دول المجموعة في بطسبرج يومي 24 و25 من سبتمبر. وسيقيم الوزراء ومحافظو البنوك المركزية في لندن مدى تعافي الاقتصاد والنظام المصرفي العالمي من أزمة الائتمان.

تفاؤل أوروبي

وقال جان كلود يونكر رئيس مجلس وزراء مالية منطقة اليورو إن المرحلة الاسوأ قد انتهت في الوقت الحاضر. وتأتي تصريحاته بعدما أكدت بيانات جديدة تراجع الناتج الاجمالي لمنطقة اليورو 1, 0 بالمئة فحسب على أساس فصلي في الفترة من ابريل الى يونيو.

وقال ان الوقت لم يحن بعد لسحب التحفيز المالي. لكن وزراء منطقة اليورو اتفقوا على ضرورة الاستعداد لسحب الاجراءات عندما يحين الوقت المناسب وبتنسيق عالمي. وقال يواكين ألمونيا مفوض الشؤون الاقتصادية والنقدية للاتحاد الاوروبي: سنناقش مجموعة العشرين سبل تنسيق التحرك وسبل التجاوب بشكل منسق بغية مواصلة العمل على نحو أفضل لزيادة الطلب على المستوى المحلي.

ومن المؤشرات الدالة على استمرار تأثيرات الأزمة إعلان مكتب الإحصاء الحكومي في فرنسا (إنسي) بأن معدل البطالة قفز إلى 1, 9% في الربع الثاني من هذا العام مسجلا أعلى مستوى في أكثر من ثلاث سنوات.

وكان معدل البطالة قد استقر عند 5, 8% في الربع الأول من العام. وقالت وزيرة الاقتصاد الفرنسية كريستين لاجارد في بيان وهي تحاول التخفيف من حدة الأرقام إن عدد العاطلين زاد بنسبة 14% في فرنسا منذ ربيع عام 2007 مقارنة بارتفاع نسبته 28% في منطقة اليورو وبنسبة 116% في الولايات المتحدة. لكنها حذرت أيضا من أن سوق العمل سيستمر في التدهور لعدة فصول (نظرا لأن التعافي الاقتصادي التدريجي لن تتم ترجمته في شكل تراجع فوري في عدد العاطلين عن العمل).

منظمة التنمية

كان على النقيض من ذلك تفيد توقعات نشرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الركود العالمي يقترب من نهايته أسرع مما كان متوقعا منذ شهور قليلة فحسب بل وربما انتهى بالفعل. وقال يورجن المسكوف كبير اقتصاديي المنظمة إن التعافي قد يكون حتى أقوى قليلا من التوقعات السابقة. وأوضح المسكوف: مقارنة بالتوقعات منذ شهور قليلة يوجد الان لدينا تعاف قد يكون مبكرا قليلا وقد يكون أقوى قليلا نظرا لان الاوضاع المالية تحسنت أسرع مما كنا نفترض منذ بضعة أشهر.

وتظهر توقعات المنظمة عودة نمو الناتج الاقتصادي كما يقيسه الناتج المحلي الاجمالي في الربع الثالث من العام في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو المؤلفة من 16 بلدا بقيادة أكبر اقتصادين فيها ألمانيا وفرنسا. وتتوقع المنظمة نموا بنسبة 6, 1 بالمئة على أساس سنوي في الولايات المتحدة في الربع الثالث و3, 0 بالمئة في منطقة اليورو و1, 1 بالمئة في اليابان وهي بوجه عام تقديرات أكثر تفاؤلا من التحديث السابق في يونيو.

وقال المسكوف ان التحسن الذي بدأ مع تحول ايجابي قوي نوعا ما في الصين وسائر اقتصادات الاسواق الاسيوية الصاعدة في الربع الثاني لايزال يعتمد بدرجة كبيرة على التحفيز الحكومي والانخفاض الشديد لاسعار الفائدة في أنحاء العالم. ولا تضم منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية المكونة من 30 عضوا قوى صاعدة مثل الصين لكنها تضم الدول الصناعية القديمة التي بدأت فيها المتاعب عام 2007 عندما تصدعت طفرة الائتمان والاسكان في الولايات المتحدة مما أوقد شرارة أزمة في البنوك وأسواق المال انتقلت عدواها الى الاقتصاد الحقيقي.

وفي حين توقعت المنظمة استمرار الانكماشات في الربع الثالث في بريطانيا وايطالي ونموا يعقبه تراجع في الربع الاخير في اليابان الا أنها قالت ان الصورة العامة لمجموعة القوى الصناعية السبع الكبرى تحسنت.

وتظهر التوقعات التي تشمل معلومات حتى الثاني من سبتمبر عودة منطقة اليورو لتحقيق نمو ايجابي في ربعي السنة الاخيرين من 2009 بعد خمسة فصول متتالية من الانكماش. وتأتي التوقعات عشية اجتماع لوزراء مالية مجموعة العشرين التي تضم اقتصادات صاعدة كبيرة مثل الصين والهند الى جانب دول مجموعة السبع. وقال التقرير ان على السلطات وضع استراتيجية للانسحاب من سياسات التحفيز المالي والنقدي حالما يتأكد التعافي لكن الوقت لم يحن بعد لاخراج الاقتصاد من العناية المركزة سواء على صعيد الانفاق الحكومي أو التحول الى أسعار فائدة رسمية أعلى.

(وكالات)