اتجه العديد من الدول والشركات خلال الفترة الأخيرة إلى توسيع رقعة الاستثمارات الزراعية في بلدان أخرى تتمتع بمقومات زراعية مناسبة خصوصاً في أفريقيا وآسيا، لكن تقريرا للاتحاد الأوروبي انتقد ما اسماه ببيع دول نامية أراضي زراعية لدول أجنبية. وجاء الانتقاد بعد وقت قصير بعد إعلان اليابان عن طرح مجموعة من المبادئ للتأكد من سلاسة الاستثمار في قطاع الزراعة بالدول النامية في تحرك يهدف إلى الحد من الاستيلاء على الأراضي على حد وصف مسئول بوزارة الخارجية اليابانية.

واستندت التصريحات اليابانية إلى تقرير أثار جدلا عالميا مؤخرا حمل عنوان: سطو على الأراضي أم فرصة للتنمية، أعده باحثون بدعم من المعهد الدولي للبيئة والتنمية ومنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو) والصندوق الدولي للتنمية الزراعية (ايفاد) ركز بشكل خاص على القارة السمراء واختار خمس دول هي السودان وأثيوبيا ومالي وغانا ومدغشقر.

ويشير التقرير إلى تسارع استحواذ الدول الغنية على أراض زراعية في دول فقيرة للاستثمار الزراعي بالرغم ما يحققه الاستثمار الزراعي وخاصة في ظل أزمة الغذاء وارتفاع أسعار الغذاء حيث يخطئ من يعتقد بأنها انتهت وإنما ظللتها أزمة أعمق وأشمل وهي الأزمة المالية العالمية الراهنة والتي شغلت انتباه العالم عن سلسلة أزمات أخرى على رأسها أزمة الغذاء والفقر في العالم.

«البيان الاقتصادي» تواصل نشر أراء مسئولين وسفراء وملاحق اقتصاديين ومستثمرين وكتاب وخبراء لمعرفة رؤيتهم للاستثمار الزراعي وما إذا كان يعد وجها من أوجه السطو والاستيلاء على الأراضي، وتؤكد التقارير ان البلدان العربية لا تستغل سوى 30% فقط من الأراضي الصالحة للزراعة.

وقال نور الهدى فتح العليم المستشار الاقتصادي في السفارة السودانية في الدولة إن الحديث الياباني عن الاستثمار الزراعي وتصويره بأنه شكل من أشكال الاستيلاء على الأراضي ينقصه الدقة وفي السودان نعتبر المستثمر العربي شريكا في تطوير الموارد الاقتصادية بشكل عام وخاصة الزراعية منها وخاصة أن الزراعة باتت القطاع الرائد في اقتصاد السودان.

وأكد أن السودان يبحث عن مستثمرين في قطاعه الزراعي ويفضل الشراكة القائمة على التكامل بين رأس المال والتكنولوجيا والأراضي الزراعية، إلى جانب أنه يقدم تسهيلات للمستثمرين لبناء شراكات. وأضاف: من المهم جدا أن نوضح هنا أن السودان لا يبيع أراضيه الزراعية ولكنه يعتمد نظام تأجير الأراضي الزراعية لفترات متوسطة وطويلة الأمد يعرف بنظام (الحكر)، نحن نؤمن بالشراكة القائمة على المصالح المشتركة.

وبسؤاله عما إذا كان السودان قادرا على أن يكون سلة الغذاء العربي قال فتح العليم إن تحقيق الأمن الغذائي للسودان والوطن العربي والسوق العالمية هدف إستراتيجي بالنسبة للسودان ولتحقيق هذا الهدف على السودان أن يسير في مسارين : المسار الداخلي ويتعلق بالتنمية الزراعية الداخلية. وفي هذا الخصوص تبنت الحكومة السودانية برنامجا يعرف ببرنامج النهضة الزراعية وهو سيساهم في إحداث نقلة نوعية في الإنتاج الزراعي بأشكاله ويتكامل مع الإنتاج الحيواني.

أما المسار الثاني فيتعلق بالاستثمار العربي المشترك وتتقدمه الاستثمارات الخليجية وعلى رأسها الاستثمارات من الإمارات ، السعودية ، الكويت وقطر وهذه الدول مجتمعة تمتلك مليون فدان زراعي في السودان وهي استثمارات عربية ممتازة جدا وناجحة جدا ، في حين تمتلك الإمارات 700 ألف فدان زراعي في السودان وقد أنتجت بعض هذه الأراضي الأعلاف والحبوب وبعض الفاكهة والخضار والمنتجات البستانية .

السودان مهم جدا فهو يمتلك 48 % من جملة الأراضي الزراعية الصالحة في الوطن العربي ويمتلك مخزونا مائيا هائلا يساهم في تطوير الزراعة كما أن السودان يقدم تسهيلات استثمارية ممثلة في الإعفاءات الجمركية على كل السلع الرأسمالية الإنتاجية وكذلك إعفاء الإنتاج الزراعي من ضريبة أرباح الأعمال وإعفاء الصادر الزراعي من رسوم التصدير .والحكومة السودانية أوجدت بنية تحتية مميزة تتمثل في مد الطرق والجسور وتوفير الطاقة الكهربائية وإقامة المطارات الخاصة بالتصدير.

ورش عمل

وعن حجم الاستثمارات الخليجية في السودان قال فتح العليم إن الاستثمارات الخليجية في القطاع الزراعي في السودان تقدر بحوالي 700 مليون دولار حصة دولة الإمارات منها تصل إلي 50% وهذا الرقم يعد بشكل عام متواضعا بالنظر إلي المساحات الزراعية الشاسعة المتاحة في السودان والتي لم تستغل بعد من قبل المستثمرين.

وعن الخطط الخليجية المقبلة للإستثمار الزراعي في السودان قال فتح العليم إنه تم عقد ورش عمل في عدد من إمارات الدولة بشراكة كاملة مع دائرة التنمية الاقتصادية في أبوظبي وغرفة تجارة وصناعة أبوظبي بحضور عدد كبير من المستثمرين الإماراتيين حيث أبدى هؤلاء رغبة كبيرة في الاستثمار الزراعي في السودان بصورة أوسع.

في حين يعتزم وفد من غرفة تجارة وصناعة ابوظبي زيارة السودان خلال الفترة المقبلة حيث سيطلعون على الفرص الاستثمارية المتاحة هناك ونتوقع أن يتم التوصل لتوقيع اتفاقيات استثمارية في القطاع الزراعي في السودان خلال تلك الزيارة ، كما تم عقد ورشة عمل في غرفة تجارة وصناعة الشارقة لمناقشة فرص الاستثمار الزراعي في السودان حيث تم الاتفاق على توجه وفد كبير من الغرفة لزيارة ولاية نهر النيل في شمال السودان لبحث فرص الاستثمار الزراعي .

تهديد للسلام الاجتماعي

من جانبه قال عبدالرحمن عبد الرؤوف المستشار التجاري في السفارة المصرية في أبوظبي إن الأزمة الغذائية التي بدأت فجأة في يناير 2008 وبلغت ذروتها في يوليو في العام ذاته شعرت خلالها الدول النامية التي تقوم باستيراد أكثر من 50% من المواد الغذائية بنوع من التهديد للسلام الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي فيها فكان الحل بالنسبة لها وضع خطط لجذب الاستثمار الأجنبي نتيجة لنقص السيولة لديها أي جذب الاستثمار الأجنبي المباشر في مجال الاستصلاح والاستزراع ومن ثم كان من الطبيعي أن تلجأ الدول النامية التي لديها فوائض مالية والدول الصناعية التي تبحث عن الاستثمار المربح إلى ضخ استثمارات في استصلاح واستزراع الأراضي.

وسألنا المستشار عبدالرحمن عن الجدل الذي لازال قائما حول ضخامة الاستثمارات السعودية والكويتية في مشروع توشكى في مصر فرد بالقول أنا لا أتفق معك على وجود جدل فأي نوع من الاستثمار يبحث بطبيعة الحال عن الربحية والبلد المتلقية لهذا النوع من الاستثمار لابد أن تحقق نوعا من التوازن بمعنى أن يستفيد المستثمر العربي وفي نفس الوقت المنطقة المستثمرة بحيث يتم تطويرها من خلال تشغيل العمال وتحسين بنيتها الأساسية وفي الوقت ذاته الاستثمار الزراعي هو مدخل للتصنيع الزراعي.

وبالنسبة للاستثمارات الخليجية في القطاع الزراعي في مصر فهي في تزايد وخاصة تلك المتعلقة في استصلاح وزراعة الأراضي. وعن أسباب تزايد الاستثمار العربي في المجال الزراعي خلال السنوات القليلة الماضية أجاب المستشار التجاري المصري بالقول إن الاستثمار العربي شهد تزايدا في المجال الزراعي لأن كثيرا من الدول العربية تستورد أكثر من 70 % من احتياجاتها الغذائية من الخارج ولا يجوز ربط الاحتياجات المحلية بظروف التجارة الحرة .

ومن ثم فإنه من المهم جدا تأمين الاحتياجات الغذائية للشعوب العربية داخل المنطقة العربية. وقال المستشار عبدالرحمن إن هناك قواعد وقوانين وإجراءات وضعتها مصر فيما يتعلق بالاستثمار الزراعي مؤخرا وضعت وزارة الزراعة المصرية شروطا لحق الإنتفاع بالنسبة للأراضي الزراعية.

وأضاف قائلا ميزة الاستثمار الزراعي في مصر هو في وجود خريطة بالمناطق الزراعية والمناطق القابلة للزراعة والتي يمكن استصلاحها بهدف الزراعة هذا بالإضافة إلى أن الاستثمار الزراعي يحتاج لشبكة طرق ومواصلات ولذلك توجد في مصر شبكة طرق كبيرة آخرها الطريق السريع من بعض محافظات جنوب الوادي إلى موانئ البحر الأحمر الغردقة وسفاجة إلى جانب وجود مطار وسكك حديدية قريبة من المناطق بصفة عامة.

وعما إذا كان يؤيد المطلب الياباني بوضع ضوابط للاستثمار الزراعي قال المستشار إنه وبشكل عام وعلى مستوى العالم ينبغي وضع ضوابط تحدد الاستثمار الزراعي يراعى فيه مصالح الطرفين والاستثمار الزراعي يعد نوعا من الاستثمار طويل الأجل.

ورفض المستشار المصري الأحاديث القائلة بأن أزمة الغذاء قد انتهت حيث يقول أنا أعتبر أن تغييب الأزمة الغذائية عن صانعي القرار يعتبر غير محبب لأنه ليس هناك صانع قرار يغيب عن ذهنه تحقيق الأمن الغذائي لأفراد شعبه ولكن عندما تحدث الأزمة الغذائية عادة ما يتم تحديدها من خلال السلع الأساسية كالقمح والذرة والسكر ولكن هذه السلع تؤثر على منتجات أخرى وبالتالي ترفع الأسعار وبالتالي ترتفع الأسعار بصفة عامة لجميع المواد الغذائية ومن ثم يغذى التضخم وبرأيي أن الأزمة الغذائية لم تنته وهي مستمرة حتى بالرغم من وجود حالة انكماش اقتصادي.

الامن الغذائي

وسألنا المستشار عبدالرحمن كيف يمكن لمصر أن تحقق الأمن الغذائي وهي غير قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء فأجاب أولا يجب التفريق ما بين تحقيق الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي من الغذاء ، فتحقيق الأمن الغذائي يعني توفير السلع الأساسية في المخزون الإستراتيجي ومصر تحقق ذلك ولكن الاكتفاء الذاتي بمعنى أنها تنتج ما يكفي للاستهلاك وهنا أقول لا يوجد دولة واحدة في العالم تنتج ما يكفي لاستهلاكها ومصر تسعى في الفترة الحالية إلى رفع نسب الاكتفاء الذاتي من المنتجات الأساسية.

استراتيجية بناء السدود

أكد محمد زين العابدين الوزير المفوض والمستشار الإقتصادي في سفارة المغرب في الدولة أن المغرب تشجع الإستثمارات الزراعية ومنذ الستينات تبنى المغرب إستراتيجية بناء السدود وحاليا هناك أكثر من 120 سدا في المغرب وهذا يدخل ضمن نطاق مشاريع تحقيق المغرب لأمنه الغذائي ، وخلال السنوات الأخيرة أصبح المغرب مصدرا مهما للزراعة مثل زراعة الخضار والفاكهة ( الحمضيات ) والتي تصدرها المغرب منذ السبعينيات وفي السنوات الأخيرة دخل المغرب حقل الصناعة التحويلية للمنتجات الفلاحية مثل الزيوت ( زيت الزيتون والمربيات والطماطم والأسماك المعلبة ..الخ ).

وأضاف: المغرب بشكل عام لم يتجه للإستثمار في المجال الفلاحي في دول أخرى من العالم ولكن المغرب يستقبل إستثمارات أوروبية وخليجية في قطاعه الزراعي ومؤخرا بدأت الإستثمارات الخليجية بالدخول وبشكل تدريجي إلى المغرب.

وعن الحديث عن الإستثمار الزراعي وتشبيهه بالإستيلاء على الأراضي أقول بأن الإستثمار الزراعي في المغرب من قبل دول غربية يخضع لضوابط وتشريعات وإجراءات إدارية تحمي الأراضي المغربية وهناك قواعد وضوابط لتملك الأراضي الزراعية في المغرب واستغلال الأراضي الزراعية في المغرب يتم تحت رقابة الدولة وتحديدا وزارة الفلاحة.

وفيما يتعلق إن كانت المنطقة العربية قادرة على تحقيق أمنها الغذائي يقول زين العابدين إن المغرب والذي يبلغ تعداد سكانه 34 مليون نسمة إمكانياته الفلاحية قادرة على تغطية الإحتياجات الغذائية ل 60 مليون نسمة مع ضرورة أن نتذكر بأن ليس كل أراضي المغرب مستغلة زراعيا وكذلك لا يوجد إستخدام موسع لوسائل التكنولوجيا الحديثة في الزراعة وبالرغم من أن المغرب يصدر فهو في الوقت ذاته لازال يستورد المواد الزراعية وعلى رأسها الحبوب.

وسألنا المستشار زين العابدين إن كانت المنطقة العربية قادرة على تحقيق أمنها الغذائي رد بالقول كل الدراسات تشير إلى أن الوطن العربي قادر على تحقيق أمنه الغذائي وكذلك تصدير المواد الغذائية إذا ما وجدت إستراتيجية زراعية واضحة واستغلال علمي للموارد الطبيعية والبشرية المتوفرة في الوطن العربي.

وعن مستقبل أسعار الغذاء يرى زين العابدين أن أسعار الغذاء تتحكم فيها الدول والشركات الكبرى وأضاف قائلا أحيانا تقوم شركات ودول كبرى بتخفيض أو خزن أو التحكم في المعروض الغذائي في الأسواق العالمية للحفاظ على أسعار غذاء مرتفعة فعلى سبيل المثال في أمريكا اللاتينية يستخدم قصب السكر لإنتاج وقود السيارات بالرغم من حاجة الدول الفقيرة الماسة في إفريقيا وآسيا للسكر.

وقال زين العابدين إن العام الحالي 2009 شهد إطلاق المغرب أحد أكبر المشاريع الإنمائية الزراعية في العالم العربي ويسمى ( المخطط الأخضر) ويهدف إلى النهوض بشكل قوي بالقطاع الفلاحي في المغرب حتى يكون أحد الركائز الأساسية للتنمية المستدامة في المغرب.

الأنظمة والقوانين موجهان أساسيان للاستثمار

قال عبدالله حسين الدفعي سفير جمهورية اليمن في الدولة إن بلاده تشجع الإستثمار الزراعي بشكل كبير ولديها من اللوائح والأنظمة ما يحمي أراضيها ويحمي الإستثمارات في الوقت ذاته.

وحول ما أثير مؤخرا عن شراء أراض زراعية والإتهامات بالإستيلاء على الأراضي، قال: الأمر كان يتعلق بالدول التي تفتقر للأنظمة والقوانين المنظمة للإستثمار الزراعي، أما نحن في اليمن لدينا قوانين تنظم الإستثمار الزراعي وبالتالي نحن لا نعاني من هذه المشكلة بالعكس نحن دائما نرحب بالمستثمرين الأجانب الراغبين في الإستثمار في القطاع الزراعي في اليمن كما أن الحكومة اليمنية تقدم تسهيلات كبيرة لهؤلاء المستثمرين.

وأضاف: أعتقد أن الإستثمار الزراعي من المنطقة العربية والخليجية تحديدا في الدول الفقيرة أمر جيد للغاية ويعود بالخير على تلك الدول الفقيرة والتي تستقبل تلك الإستثمارات فالمشاريع الزراعية خطوة رائعة لخلق فرص عمل جديدة لمساعدة إقتصاديات تلك الدول الفقيرة وخفض مستويات الفقر والبطالة ولكن من الجانب الآخر نحن نشجع على وجود ضوابط لحماية الطرفين المستثمر ومصالح الدول المستثمر فيها وفي اليمن قانون الإستثمار يحمي المستثمر والدولة وحقوقها. وعن حجم الإستثمارات الزراعية المتدفقة من المنطقة إلى اليمن وصف الدفعي تلك الإستثمارات بالضئيلة جدا، وقال إن اليمن كباقي شبه الجزيرة العربية يعاني من شح في المياه.

دبي- كفاية أولير