أكثر من ثماني ساعات وربما عشر ساعات يقضيها العديد من المشاهدين من الجنسين خاصة السيدات والفتيات خلال هذه الأيام الفضيلة أمام شاشات التليفزيون يومياً لمتابعة هذا الكم الهائل من المسلسلات والبرامج التليفزيونية فيما يشبه الظاهرة نور الصحة التقى د. رياض جبار أخصائي الأمراض النفسية والعصبية في مستشفى عبيد الله برأس الخيمة للحديث عن الظاهرة وتأثيرها من الناحية النفسية والعصبية على المجتمع.
يقول د. رياض إن ظاهرة متابعة المسلسلات التليفزيونية هي نوع من التعويض في بعض الأحيان لما يفتقده الإنسان في حياته الحقيقية والبحث عن سبل للتعويض تكون المسلسلات بأبطالها وأحداثها حيث تمثل طريقة للهروب من الواقع. ويضيف أن ظاهرة متابعة المسلسلات هي نوع من الإدمان شأنها شأن إدمان الانترنت أو متابعة مباريات كرة القدم ولكن الجانب السلبي في ظاهرة المسلسلات هو انه يؤثر على الحياة الاجتماعية للأسرة فكل طرف الزوج أو الزوجة والأبناء تقل الروابط والصلات الاجتماعية بينهم والخطير خاصة في المسلسلات التركية أو المكسيكية أنها تركز على الجوانب العاطفية وهو بالتالي ما يمثل نوعاً من الحياة خارج إطار الحقيقة بالإضافة إلى تأثيرها السلبي. ويشير إلى أن الضرر الرئيسي يتمثل في تأثير شخصيات تلك المسلسلات على المتلقين سواء من حيث الملبس أو العادات والتقاليد التي من شأنها أن تؤدي لوجود أفكار وعادات غريبة يمكن أن تؤثر في قيم المجتمع وعاداته بالإضافة إلى أنها تلغي العديد من الحواجز الطبيعية الموجودة لدينا حول الحلال والحرام والكذب والخيانة واحترام الآخرين.
التأثير النفسي... يمتد التأثير النفسي لتلك المسلسلات للحياة الخاصة للبعض فمثلاً شخصية مثل شخصية «سي السيد» أدت لوجود نزعة لدى البعض للزواج مرة ثانية وثالثة فيما يشبه عملية الإيحاء بالإضافة إلى أن العديد من الأفراد ذوي الثقافة المحدودة أو ضعاف الشخصية أو الذين يعانون من اضطرابات نفسية من الممكن أن يمتد التأثير عليهم لحد البحث عن حل لمشاكل حياتهم اليومية من خلال أحداث تلك المسلسلات. ويضيف أن المراهقين من أكثر الفئات العمرية تأثراً بشخصيات وأحداث تلك المسلسلات خاصة الشخصيات العدوانية حيث نشهد خلال الفترات الأخيرة وفي كافة المجتمعات العربية حالات لتجاوزات وأعمال عنيفة تحدث تحت تأثير تعاطي المكيفات أو اثر التعرض لجرعة مكثفة من مشاهد العنف أو التركيز على شخصية المدمن.
ويوضح انه على الرغم من الهدف الرئيسي لتلك الأعمال الفنية هو التوعية إلا أن الطريقة التي تتم من خلالها مثلاً تؤدي إلى العكس فتناول موضوع تعاطي المخدرات يؤدي إلى نتائج عكسية حيث الحديث مثلاً عن دواء يحتوي على نسبة عالية من المخدر وهو ما يعطي الشباب والمراهقين فكرة أو طريقة للتحايل على منع المكيفات. ويوضح أن الأطفال من صغار السن هم أيضاً من الفئات التي يمتد تأثير تلك المسلسلات عليها إلى حد تقمص الطفل للشخصية خاصة الشخصيات الكرتونية وملفات الشرطة تزخر بحوادث متعددة للعنف وربما القتل في بعض الأحيان نتيجة تأثر طفل بأحداث المسلسل الذي يتابعه.
ويضيف أن السيدات هن الفئة الأكثر تأثراً ومتابعة للمسلسلات بكافة أنواعها بسبب تواجدها لفترات طويلة في البيت بالإضافة إلى التركيبة العاطفية والسيكولوجية للمرأة والتي تجعلها أكثر تفاعلاً مع الأحداث خاصة وأنها بطبيعتها تميل للاستماع لمشاكل الآخرين ومتابعة الأحداث خاصة المشوقة منها وهو ما ينعكس بالتالي على حياتها الاجتماعية.
ويجب ملاحظة أن الأشخاص من الجنسين الذين يعانون من القلق أو الاضطرابات النفسية غالباً ما تكون ردود أفعالهم سريعة وبالتالي فإنه عند تعرضهم لشحنات مكثفة من تلك المسلسلات ينعكس هذا في تصرفاتهم اليومية وأول ما تظهر تلك التأثيرات تكون على الزوج أو الزوجة وهو ما يفسر زيادة حدة حالات الخلافات الزوجية خلال عرض مسلسل ما.
تقمص
ويضيف أنه هناك شخصيات معينة من أبطال تلك المسلسلات يمكن أن تنعكس على الحالة النفسية للإنسان ( تقمص ) خاصة في ظل وجود تشابه إذ إنها من الممكن أن تؤثر سلباً أو إيجاباً على الشخص المتلقي صعوداً وهبوطا إذا ما ساءت حالة الشخصية داخل المسلسل والعكس صحيح. فمثلاً الشخص الشكاك في حالة مشاهدته لمسلسل يتناول الخيانة الزوجية وفى حالة وجود استعداد للاندماج مع الشخصية المقدمة فإن من الممكن أن تؤثر على أفكاره خاصة إذا كان صاحب شخصية مهزوزة ويعاني من أمراض نفسية مثل الارتياب أو الشك ومن الممكن أن تتضاعف الأعراض لديه في هذه الحالة.
أيضا الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب يمكن في حالة مشاهدتهم لحالات نفسية مشابهة أو حالات انتحار أن تزداد لديهم حدة الحالة أو ان يجنحوا إلى التفكير في الانتحار.
متابعة
ويضيف انه لابد من متابعة الأهل لما يشاهده الأبناء مع التركيز على رفض الأفكار والعادات الغريبة علينا والتي لا تتفق مع قيمنا وتقاليدنا بطريقة غير مباشرة حيث انه من غير المرغوب فيه فرض حصار على الأبناء ولكن المطلوب توجيههم وإرشادهم لأن حصار الأبناء في عالم اليوم أصبح شبه مستحيل.
ويؤكد د. جبارة أن الحصانة الأساسية تتمثل في وجود درع واق وهو هنا الوازع الديني كما لابد من العمل على تنمية الثقة بين الآباء والأبناء ومعرفة نوعية الأصدقاء خاصة وأن الأبناء في سن المراهقة يميلون إلى تقليد أقرانهم في الملبس وحتى الطعام.
ويوضح أن المشكلة الأساسية ليست في المشاهدة بقدر ما هي في تنمية الوعي والتميز بين ما هو مقبول وما هو مرفوض اجتماعياً ودينياً ويشير إلى أن الدور الرئيسي في هذا الجانب يعود للأم لأن الأبناء أكثر ارتباطاً بها وتأثراً وكلما كانت شخصية الأم متزنة وتتمتع بالحكمة كلما انعكس ذلك على الأبناء فالدور التشريعي للأم والتنفيذي للأب.
المسلسلات والسمنة
من ناحية أخرى فإن طول الجلوس أمام شاشات التليفزيون من المعروف انه يؤدي إلى زيادة في كميات الطعام التي يتناولها المشاهد خاصة الوجبات السريعة وهو ما يعني كيلوغرامات زائدة معه نهاية شهر الصوم.
ويقول د. اشرف نظمي أخصائي تغذية علاجية بوزارة الصحة انه بداية لابد أن يعلم الجميع أن عملية التركيز خلال مشاهدة التليفزيون بصفة عامة تؤدي إلى توقف الإشارات الآتية من المخ إلى المعدة والأمعاء بالتوقف عن تناول الطعام نتيجة الوصول لحالة الشبع وبالتالي فإن طول فترة المشاهدة تعني طعاماً أكثر.
ويشير إلى وجود بحث تم إجراؤه على مجموعتين الأولى أمام شاشات السينما والثانية بعيدة عنها وتم تقديم أكواب من الفيشار للمجموعتين فتبين في نهاية «العرض» أن المجموعة الأولى كان معدل استهلاكه للفيشار أعلى بمعدل من 4 إلى 5 مرات من المجموعة الثانية. وهو ما يعطينا مؤشرا حول تأثير التركيز في المشاهدة على الناحية الغذائية وزيادة معدل تناول الطعام.
تنظيم تناول الحلويات
ويضيف أن الطعام الذي يتم تناوله في الغالب أمام شاشات التليفزيون في رمضان هو في الغالب من نوعية الطعام عالي السعرات الحرارية مثل اللقيمات والحلويات الشرقية خاصة المركبة «أي التي تحتوي على المكسرات مع القشدة والتي تعطي القطعة الواحدة منها سعرات حرارية يمكن أن تصل إلى 350 أو 400 سعر حراري في القطعة الواحدة وإذا ما عرفنا أن الإنسان الطبيعي يحتاج مابين 2000 إلى 2500 سعر حراري يومياً إذا كان ذا حركة متوسطة ويصل وزنه إلى 70 كيلوجراما اي 30 سعرا لكل كيلو فإن معنى هذا انه تناول ثمن حاجته من السعرات الحرارية خلال مشاهدة التليفزيون أو أكثر ربما دون أن يشعر.
ويوضح انه يمكن تنظيم تناول الحلوى خاصة بالنسبة للأطفال من قبل ربة المنزل حيث يمكن استبدالها بسلطات الفواكه الطبيعية، الفيشار قليل الدسم، الجيلي بالفواكه مع تجنب الفواكه ذات السعرات الحرارية العالية مثل العنب والكريز أو التمر والتين المجفف.
الليمون والبرتقال
وبالنسبة للمشروبات يقول د. اشرف نظمي خلال مشاهدة التليفزيون فيفضل تناول الليمون والجريب فروت والكركديه والتمر هندي المخفف بالإضافة إلى البرتقال حيث توجد به سعرات حرارية اقل بالإضافة إلى احتوائه على فيتامين «ك» الذي يساعد على الهضم وامتصاص الحديد الموجود بالطعام، وفي نفس الوقت يفضل الإقلال من تناول القهوة والشاي بعد الإفطار لأنها يمنع امتصاص الحديد من الخضراوات وهو ما يفسر إصابة البعض بالأنيميا على الرغم من تناول الخضراوات بكميات كبيرة.
ويحذر من أن تناول الشاي والقهوة بكميات كبيرة خلال مشاهدة التليفزيون لأن الشاي من المشروبات المضرة للبول وبالتالي فإن الصائم سوف يفقد كميات كبيرة من السوائل وهو ما يمكن أن يعرضه للجفاف.
ويضيف انه يجب ملاحظة عدم تناول الطعام بسرعة لأنه يؤدي لعسر الهضم كما انه يلقى بالمزيد من الأعباء على المعدة حيث تقوم المعدة بدور الأسنان في هذه الحالة.
وأخيراً فإنه يجب على الصائم ان يعرف انه في نهاية شهر رمضان سوف يشهد زيادة في الوزن تتراوح مابين كيلو إلى اثنين نتيجة زيادة كمية الحلويات والأكلات الدسمة خلال شهر رمضان وهو ما يستدعي تجنب العديد من العادات السيئة.
دبي ـ عاطف حنفي



