اتجهت العديد من الدول والشركات خلال الفترة الأخيرة إلى توسيع رقعة الاستثمارات الزراعية في بلدان أخرى تتمتع بمقومات زراعية مناسبة خصوصاً في إفريقيا وآسيا، لكن تقريراً للاتحاد الأوروبي انتقد ما اسماه ببيع دول نامية أراضي زراعية لدول أجنبية. وجاء الانتقاد بعد وقت قصير بعد إعلان اليابان عن طرح مجموعة من المبادئ للتأكد من سلاسة الاستثمار في قطاع الزراعة بالدول النامية في تحرك يهدف إلى الحد من الاستيلاء على الأراضي على حد وصف مسؤول بوزارة الخارجية اليابانية.

واستندت التصريحات اليابانية إلى تقرير أثار جدلاً عالمياً مؤخراً حمل عنوان: سطو على الأراضي أم فرصة للتنمية، أعده باحثون بدعم من المعهد الدولي للبيئة والتنمية ومنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو) والصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد) ركز بشكل خاص على القارة السمراء واختار خمس دول هي السودان وأثيوبيا ومالي وغانا ومدغشقر. ويشير التقرير إلى تسارع استحواذ الدول الغنية على أراض زراعية في دول فقيرة للاستثمار الزراعي بالرغم ما يحققه الاستثمار الزراعي وخاصة في ظل أزمة الغذاء وارتفاع أسعار الغذاء حيث يخطئ من يعتقد بأنها انتهت وإنما ظللتها أزمة أعمق وأشمل وهي الأزمة المالية العالمية الراهنة والتي شغلت انتباه العالم عن سلسلة أزمات أخرى على رأسها أزمة الغذاء والفقر في العالم.

«البيان الاقتصادي» تواصل نشر آراء مسؤولين وسفراء وملاحق اقتصاديين ومستثمرين وكتاب وخبراء لمعرفة رؤيتهم للاستثمار الزراعي وما إذا كان يعد وجهاً من أوجه السطو والاستيلاء على الأراضي:وعبر عبدالله آل صالح مدير عام وزارة التجارة الخارجية بالدولة عن اعتقاده بأن موضوع الاستثمار الزراعي والطرح الياباني في هذه الفترة ليس المقصود فيه الحد من الاستثمارات الزراعية في الدول الفقيرة بقدر ما هو يبحث عن وضع شروط معينة لضمان عدم إضرار تلك الاستثمارات الزراعية بالدول الفقيرة وكذلك لإيجاد شروط وضمان تطبيق معايير صحية وبيئية تضمن دخول هذه المنتجات للدول المستوردة لها. وإذا كان هناك توجه لبعض الدول الغربية لوضع قيود على الاستثمارات الزراعية في الدول النامية أو معارضتها فلا نعتقد أنه توجه سليم ولا يخدم توجهات مبادئ التنمية والأسواق الحرة سواء الاستثمار أو التجارة.

والتي تنادي به الدول المتقدمة. وهناك جهود تبذل على مستوى منظمة التجارة العالمية لتخفيض الدعم الزراعي في الدول الصناعية أو المتقدمة وإزالة القيود الجمركية أو تخفيض التعريفات الجمركية على المنتجات الزراعية بين الدول النامية والأقل نمواً، هذه المطالب تقابل بتحفظات من قبل الدول المتقدمة ونعتقد أنه من أسباب تعطيل مفاوضات أجندة الدوحة للتنمية والتي أعطت اهتماماً كبيراً في تنمية الدول النامية في إطار تحرير التجارة هو توجهات الدول المتقدمة فيما يتعلق بالملف الزراعي.

المقصد الرئيسي

توجهات دول المنطقة والمنطقة الخليجية وتحديداً الإمارات للاستثمار الزراعي في عدد من الدول ليس القصد منه الاستحواذ على الأراضي والإضرار بأصحابها وليس كذلك احتكار إنتاج سلعة بعينها وإنما هذه التوجهات جاءت نتيجة عدد من العوامل:

أولاً: رغبة تلك الدول النامية والفقيرة ودعواتها المتكررة لدول المنطقة للاستثمار الزراعي في بلدانها وبحكم العلاقات السياسية التي ترتبط بها الدولة مع تلك الدول وجدت الدول وكذلك دول المنطقة أنه من واجبها أن تقوم بدعم تلك العلاقات من خلال تنمية تلك الدول بما تمتلكه من مميزات تنافسية وهو القطاع الزراعي بحيث يتم استغلال تلك الأراضي بطريقة مثلى وتشغيل الأيدي العاملة وتحريك اقتصادات تلك الدول.

ثانياً: الارتفاع في أسعار السلع الزراعية والذي شهده العالم في عامي 2007 و2008 حيث شهدت أسعار السلع الزراعية ارتفاعاً بنسبة 24% في عام 2007 وبنسبة 25% في عام 2008 طبقاً لإحصائيات منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) أي ما يعادل ارتفاعات بنسبة 50% في أسعار السلع الزراعية خلال عام ونصف وهو ما دفع دول المنطقة في أن تتجه نحو الاستثمار في القطاع الزراعي نتيجة تزايد الطلب العالمي على السلع الأساسية من قبل دول العالم بما فيها الإمارات.

ثالثاً: الإمارات استوردت سلعاً زراعية وحيوانية ومواد غذائية مصنعة بما قيمته 38, 35 مليار درهم في 2008 أي ما يشكل 23% من إجمالي وارداتها، في حين بلغت صادرات الإمارات من السلع الزراعية والحيوانية والمواد الغذائية المصنعة للعالم ما إجماله 33, 5 مليارات درهم في 2008، فيما سجل إعادة التصدير من تلك السلع ما إجماله 11, 8 مليارات درهم للعام ذاته كما سجل إجمالي التبادل التجاري للإمارات مع دول العالم من السلع الغذائية والحيوانية والأغذية المصنعة ما إجماله 81, 48 مليار درهم في 2008.

الظروف البيئية

ومن جانبه قال علي سعدون مدير تطوير الأعمال في مجموعة الغرير إن ظروف المنطقة البيئية لا تسمح بفرص كبيرة للزراعة لذلك توجهت مجموعة الغرير للاستثمار الزراعي في الدول الموجهة بيئياً والتي تفتقد القدرة على الاستثمار الزراعي وتفتقد للتكنولوجيا الزراعية الحديثة وبرأيي أن التوجه للاستثمار في تلك الدول جيد جداً بعكس الطرح الياباني فعندما يذهب المستثمر لتلك الدول الفقيرة فهو يساهم في إصلاح التربة الزراعية وخفض نسب الفقر والبطالة في تلك الدول وكذلك يساهم في تأمين دخول للأفراد ولاقتصاد تلك الدول وستشتغل الموانئ وسيتحسن قطاع الخدمات اللوجستية.. الخ من الفوائد التي ستعود على اقتصادات تلك الدول.

نحن مع الاستثمار الزراعي في مناطق العالم المختلفة وخاصة أن المنطقة العربية هي المورد الرئيسي للطاقة في العالم ولكن للأسف مازلنا نستورد القمح من الخارج وهذا الأمر مؤسف حقاً وأعتقد شخصياً أن عامل السياسة وعوامل أخرى تقف وراء الطرح الياباني.

أزمة الغذاء

ويؤكد سعدون أن أزمة الغذاء مازالت قائمة فهي لم تختفي على حد قوله وإنما غيبتها الأزمة المالية العالمية الراهنة وأضاف ان حدة الأزمة الغذائية معرضة للتفاقم بفعل الأزمة الراهنة، وقال ان اللاعبين الكبار خسروا كثيراً من الأزمة مما انعكس على طبيعة الاقتصاد العالمي فهو يرى أن أسعار الغذاء انخفضت بفعل الأزمة المالية الراهنة إلا أنها لم تختفي، كما أن أسعار الغذاء مازالت على حد قوله أعلى من معدلاتها الطبيعية ويضيف قائلاً في ظل الأزمة المالية العالمية الراهنة والمضاربات على الغذاء في الأسواق العالمية أسعار الغذاء تصبح مرشحة للارتفاع مرة أخرى.

وقال عمران ان الهند على سبيل المثال منعت تصدير الأرز العام الماضي خلال حدة أزمة الغذاء حتى تتمكن من تغطية الطلب المحلي في الهند على الأرز وكان من المفترض أن تاريخ حظر تصدير الأرز من الهند أن ينتهي الأسبوع الماضي إلا أن الهند لم ترفع هذا الحظر على صادرات الأرز حتى الآن، حيث أجلوا المراجعة والنظر في هذا الحظر إلى ما بعد أسبوعين وهذا بدوره أثر على بورصة الغذاء العالمية والتي ارتفعت على أثر هذا القرار ما بين 15 إلى 20% وبما أن بعض التجار يتصيدون في الماء العكر سنجد أن هناك من يحاولون استغلال الموقف الهندي لمصالحهم ليكون بذلك المستهلك أكبر الخاسرين.

ويرى عمران أن العالم العربي مازال بعيداً عن حلم تحقيق أمنه الغذائي على الرغم من امتلاكه لمقومات لتحقيق ذلك، وذلك لافتقاد المنطقة العربية لاستراتيجية واضحة لتحقيق أمنها الغذائي.

الإمارات تعطي أولوية للأمن الغذائي

أغلب الدول المصدرة للسلع الزراعية للإمارات ليست من دول الجوار ويتركز معظمها في عشر دول مما دفع الإمارات أن تنظر لهذا الجانب على أنه من الجوانب التي تشكل أمناً قومياً بالنسبة لها ويعتبر من الأولويات للنظر فيها بحيث لا يحدث انخفاض في توريد السلع الزراعية نتيجة نشوب أي أزمة من الأزمات على المستوى العالمي سواء كانت تلك الأزمات إقليمية أو عالمية فقد تكون أزمات اقتصادية أو سياسية أو صحية، لذلك توجهت الدولة باهتمام نحو الاستثمار الزراعي باعتبار أن ذلك من أولويات أمنها القومي وهو أيضاً مساهمة من الدولة في إنعاش اقتصادات الدول الفقيرة وتنميتها إلى جانب كونه جزءاً من مسؤولياتها تجاه النظام التجاري العالمي بحيث تسد الاستثمارات في القطاع الزراعي الفجوة الحاصلة في العرض والطلب على السلع الزراعية.

وهناك 80% من دول العالم دخولها معتمدة على تصدير المحاصيل الزراعية لمنطقة الشرق الأوسط. ويجب أن يكون هناك اتفاقيات تنظم الاستثمار الزراعي في العالم وخاصة في منطقة إفريقيا حيث لا توجد قوانين واضحة ولا توجد ضمانات كافية تحفظ حقوق المستثمرين الأجانب في القطاع الزراعي وهذا بحد ذاته رد على الطرح الياباني الذي يصف الاستثمار الزراعي «بالاستيلاء على الأراضي».

دبي - كفاية أولير