قالت مجلة إكونومست في تقرير أخير لها أن بوادر انتعاش ظهرت في الآونة الأخيرة في أميركا غير أنها تكاد تبدو هزيلة بالمقارنة مع الانتعاش الحاصل في الشرق. فقد نمت اقتصادات آسيا الناشئة في الربع الثاني بمعدل نمو سنوي وسطي زاد عن 10% فيما تراجع الناتج المحلي الإجمالي الأميركي بحدود 1%.

وقالت الإكونومست إن التوقعات الأخيرة في عام 2009 ككل توحي بأن آسيا الناشئة مرشحة للنمو بنسبة لا تقل عن 5% فيما قد تنكمش اقتصادات الدول السبع الكبار بمعدل 5, 3% وأن فجوة النمو بين الاثنين لم تكن قط أكثر اتساعا.

لقد أخفت بيانات معدل النمو الوسطي فروقات واسعة في عموم آسيا خلال السنوات الماضية. فقد كانت الصين والهند واندونيسيا من ضمن الاقتصادات القليلة في العالم التي واصلت توسعها في خضم أزمة الركود العالمية، غير أن الأسواق الأصغر والأكثر انفتاحا كانت الأكثر تضررا. ففي الفترة الواقعة بين شهر سبتمبر ومارس انخفض الناتج المحلي الإجمالي بمعدل سنوي متوسط يبغ 113% في هونغ كونغ وماليزيا وكوريا الجنوبية وتايوان وتايلاند.

انتعاش ملحوظ

وفي موازاة ذلك فإن الدول التي نشرت بيانات الناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني أظهرت انتعاشا ملحوظا. وبمقارنة الربع الثاني مع الربع الأول بمدل سنوي فإن الناتج المحلي الإجمالي للصين نما بواقع 15%. وفي كوريا الجنوبية 10% وفي سنغافورة ارتفع بمعدل 21% وفي إندونيسيا صعد بتواضع إلى 5%. كما أن بلدانا أخرى في المنطقة مرشحة لإظهار بوادر الانتعاش.

صحيح أن الناتج في كوريا الجنوبية وسنغافورة كان ما يزال أقل من مستواه في عام مضى غير أن التغييرات الفصلية يمكن الإفادة منها في تحديد نقاط التحول حيث إن معدلات النمو في الولايات المتحدة تقاس بهذه الطريقة.

إن عودة الانتعاش إلى الإنتاج الصناعي في آسيا أكثر وضوحا حيث إنه قفز بمعدل سنوي بلغ 36% في الربع الثاني. ووفقا للباركليز كابيتال فإن آسيا الناشئة كانت المنطقة الوحيدة في العالم التي استعاد فيها الناتج مستواه الذي كان عليه قبل الأزمة.

ويعود الفضل في ذلك بصورة كبيرة إلى الصين حيث ارتفع الناتج الصناعي بنسبة 11% خلال 12 شهرا حتى يوليو ومن المؤكد أن جميع الدول الآسيوية شهدت قفزات متنوعة. وعلى النقيض من ذلك فإن الناتج الأميركي كان يواصل انخفاضه حتى يونيو. وفي هذا المقياس فإن اقتصادات آسيا الناشئة تقود بوضوح مسيرة الانتعاش العالمي. وحتى في حال نمو الاقتصاد الأميركي خلال النصف الثاني من العام فإنه يظل متوقعا أن ينهي العام بأصغر مما كان عليه في بدايتها.

تحول كبير

لقد باغت انتعاش آسيا كثيرا من الخبراء الاقتصاديين ففي شهر مايو على سبيل المثال توقع صندوق النقد الدولي أن يبقى انتعاش آسيا ( فاترا )لأن الطلب على الصادرات الآسيوية وتحديدا من قبل الدول المتقدمة سيبقى ضعيفا. ويبدو أن أصحاب التوقعات يقللون دائما من قدرة نمور آسيا على الخروج من الأزمات، فخلال أزمة شرقي آسيا المالية خلال الفترة الواقعة بين عامي1997-1998 على سبيل المثال اضطرت دول المنطقة إلى خفض عملاتها نتيجة للعجز الكبير في حساباتها الجارية والهجمات المضاربة على عملاتها.

وهذا ما أدى إلى تضخم ديون العملات الأجنبية للشركات في الشروط المحلية ودخولها دوامة الإفلاس وتدهور البنوك. وقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي في تايلاند وإندونيسيا وكوريا الجنوبية في عام 1998 بمعدل 10%.واستنتج عدد من الأجانب أن النجاح الاقتصادي لآسيا كان مجرد أمر مصطنع معتمد على ضخ الحكومات لأموال رخيصة في شركات محظية.

وعزز الاقتراض والاستثمار الزائدين من النمو الاصطناعي وتوقع البعض عقدا من النمو الخاسر. لكن بدلا من ذلك فإن النمور عادت مزمجرة. ففي نهاية 1998 توقع استطلاع للرأي أجرته مجلة إكونومست أن ينكمش اقتصاد كوريا الجنوبية مرة أخرى في عام 1999 لكن نموها الفعلي حقق انتعاشا مذهلا بلغ 5, 9%.

استثمارات تبذيرية

صحيح أن نمو آسيا القوي أخفى استثمارات تبذيرية وأنظمة مصرفية غير كافية وفسادا، غير أن مكونات النمو المتمثلة في النمو السريع للإنتاجية والأسواق المفتوحة نسبيا ومعدلات التوفير المرتفعة لتمويل الاستثمار ظلت في مكانها. مما ساهم في تفسير سرعة انتعاش الاقتصادات الآسيوية بصورة أسرع من غيرها.

وفي السياق ذاته، فإن التوقعات تشير إلى معدلات النمو سوف تعتدل بعد ارتداد الربع الثاني المدهش. ولكن رغم ذلك فإن مايك بوكانان الاقتصادي في جولدمان ساكس رفع من سقف توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي في أسيا الناشئة إلى 6, 5% لعام 2009 ككل، و6, 8% لعام 2010. وتوقع أن تسجل الصين نموا خارقا يصل إلى 4, 9% هذا العام و 9, 11% العام القادم.

ويتوقع أن يحقق الناتج المحلي الإجمالي للهند نموا متواضعا نسبته 8, 5% في السنة المالية الحالية التي تنتهي في مارس 2010. وقد شكلت الصادرات 15% فقط من الناتج المحلي الإجمالي للهند في عام 2008 مقارنة بنحو 33% في الصين وعليه فإن الهند كانت أقل تضررا بالأزمة المالية العالمية. ورغم ذلك فإن بوكانان توقع أن يرتفع النمو إلى 8, 7% العالم القادم.

الخشية من الفقاعة

بالرغم من أن تلك الاقتصادات بدأت تتلمس لتوها بوادر الانتعاش، فإن صانعي السياسة يواجهون الآن معضلة صعبة ألا وهي كيفية استدامة الانتعاش دون انفجار للفقاعات. فثمة مخاوف متزايدة من أن تدفق السيولة يغذي فقاعات في أسعار الأصول من شأنها ضعضعة الاقتصادات عند تفجرها. ففي الصين تضاعفت أسعار الأسهم مرتين منذ انخفاضها في نوفمبر الماضي، كما أن معظم البلدان الآسيوية شهدت مكاسب تجاوزت 50% أو أكثر منذ بداية العام.

إلى جانب ذلك فإن أسعار المنازل بدأت ترتفع بسرعة بعد انخفاضها في هونغ كونغ وشنغهاي وسيئول وغير مكان. وارتفعت مبيعات المنازل من حيث القيمة بنسبة 70% في الصين العام الماضي.ووفقا لأحد التقديرات فإن خمس عمليات الإقراض الجديدة في الصين هذا العام ذهبت إلى سوق الأسهم والعقارات. ومن الممكن أن ترتفع أسعار الأصول أكثر من ذلك بكثير. فبالرغم من المكاسب الأخيرة هذا العام فإن متوسط أسعار المنازل في معظم البلدان أعلى مما كان عليه منذ عام سابق. ويبقى الدرس الذي ينبغي تعلمه من أميركا في السنوات الأخيرة هو أن من الأفضل الحيلولة دون تشكل الفقاعة.

وائل الخطيب