أكد محللون أن تقديرات الميزانية الأميركية يمكن أن تبطئ مقترحات الرئيس باراك أوباما الخاصة بالسياسة الداخلية في وقت يواجه فيه تشككا متزايدا من جانب المشرعين. وتظهر التقارير أن الحكومة الأميركية ستنفق بزيادة قياسية تبلغ 6, 1 تريليون دولار عما تجمعه هذا العام وتضاعف تقريبا ديونها القائمة خلال السنوات العشر القادمة.

وقد تزيد هذه التقديرات المالية القاتمة من المعارضة لخطة أوباما التي تتكلف نحو تريليون دولار لاصلاح نظام الرعاية الصحية بما في ذلك من جانب الاعضاء الديمقراطيين الذين يتبنون سياسة مالية متحفظة ويقولون انه يتعين على الدولة السيطرة على برامج الرعاية الصحية والتقاعد القائمة قبل توسيعها. وقال أوستن سمايث المسؤول بلجنة الميزانية في مجلس النواب الارقام مخيفة.

أرقام معروفة

وكثير من تلك الارقام معروف بالفعل. وأكد البيت البيض أن تقديراته لعجز الميزانية في العام المالي 2009 الذي ينتهي في 30 سبتمبر ستنخفض الى 58, 1 تريليون دولار بعد الغاء حوالي 250 مليار دولار كانت مخصصة لانقاذ بنوك. ويتوقع خبراء في الميزانية بالكونغرس أن يقدم مكتب الميزانية في الكونغرس تقديرات مشابهة.

وتصف الاقلية الجمهورية بالكونغرس الخفض بأنه خدعة لان الاموال كانت اجراء احتياطيا في حالة الاحتياج إلى برنامج انقاذ اخر للبنوك. ويقول البيت الابيض ان توقعاته لعجز الميزانية في عشر سنوات ستقفز من 1, 7 تريليونات دولار الى نحو تسعة تريليونات دولار ليتفق ذلك مع تقديرات سابقة لمكتب الميزانية في الكونغرس.

ووعد أوباما بخفض العجز الى النصف بنهاية فترة رئاسته ومدتها أربع سنوات وهي مهمة سيسهل تحقيقها زيادة ايرادات الضرائب فضلا عن انتعاش الاقتصاد. ومن المفترض ألا تكون هناك حاجة في السنوات القادمة الى جهود مكافحة الركود مثل قانون اجراءات التحفيز التي تكلفت 787 مليار دولار والذي أقر في فبراير واجراءات انقاذ البنوك.

جهود الأزمة

ويتوقع الخبراء أن يؤدي الإبقاء على بن برنانكي على رأس الاحتياطي الفدرالي الأميركي لولاية ثانية إلى تعزيز جهود معالجة الأزمة المالية. واوضح كبير موظفي البيت الابيض رام ايمانويل لصحيفة وول ستريت جورنال ان اوباما يبقي برنانكي في منصبه لانه ساهم في تعزيز مصداقيته بابعاد الاقتصاد من جديد عن الانكماش.

وكان الرئيس الأميركي السابق جورج بوش عين برنانكي في فبراير 2006 على رأس المصرف المركزي الأميركي خلفا لآلن غرينسبان الذي بقي في هذا المنصب 18 عاما في مرحلة من الازدهار الاقتصادي.

وفي نهاية ولاية بوش الثانية وبداية ولاية اوباما لعب برنانكي دورا اساسيا في ضمان استقرار الاسواق وتحديد اساليب مواجهة اسوأ ازمة منذ الركود الكبير في ثلاثينات القرن الماضي. وقد لقي برنانكي تأييدا واسعا من وول ستريت بسبب ليونته واساليبه غير المتشددة في انقاذ القطاع المصرفي واعادة تحديد قواعد صناعة المال ومنع الانكماش من التحول الى ركود.

معارضة برلمانية

لكن اوباما يمكن ان يواجه بعض المعارضة في الكونغرس لقراره اعادة تعيين برنانكي. وقالت صحيفة وول ستريت جورنال ان اوباما عرض على برنانكي البقاء في المنصب الذي يتطلب موافقة مجلس الشيوخ. ويمكن اعتبار قرار اوباما اشارة الى الاستمرارية وطمأنة اسواق المال التي ما زالت ضعيفة على الرغم من المؤشرات على عودة الاقتصاد الشامل الى نمو بطيء ولا سيما خارج الولايات المتحدة.

وكان يمكن لتغيير برنانكي ان يؤدي الى اثارة قلق المستثمرين ويعد تغييرا كبيرا في السياسة بما ان برنانكي كان لاعبا اساسيا في مكافحة الازمة. وقد عمل برنانكي الذي بلغ السادسة والخمسين من العمر بشكل وثيق مع وزارة الخزانة والبيت الابيض في التخطيط لوقف الانكماش واصلاح القطاع المصرفي. وهو يواجه اليوم القرار الصعب المتعلق بطريقة تخفيف الجهد الحكومي في ضخ السيولة في النظام المالي.

وقال الاحتياطي الفدرالي مطلع الشهر الجاري انه سيبدأ بالتراجع عن شراء سندات الخزينة وسندات الرهون العقارية في خطوة قال محللون انها تراجع عن الدعم الاستثنائي للاقتصاد. وفي الوقت نفسه، اكد برنانكي الاسبوع الماضي ان آفاق الانتعاش في العالم تبدو جيدة على الرغم من وضع اسواق المال، لكنه حذر من ان اي نمو اقتصادي سيكون بطيئا في البداية.

وصرح في اجتماع للمصارف المركزية في جاكسون هول في ولاية وايومينغ بعد انكماشه بحدة العام الماضي، يبدو ان النشاط الاقتصادي بدأ يتحسن في الولايات المتحدة والخارج على حد سواء وآفاق العودة الى النمو في وقت قريب تبدو جيدة.

سياسة الإنقاذ

وأفضل مثال على ثورته في الاحتياطي الفدرالي هو سياسة انقاذ المؤسسات المالية وانعاش القطاع النقدي غير المسبوقة التي طبقها في اوج الازمة. وغير هذا الرجل المتحفظ الذي يختلف في كل شيء تقريبا عن سلفه، وبهدوء عادات المصرف المركزي الاميركي ورفض الانجرار الى مبدأ عبادة الشخصية الذي كان يعتمده غرينسبان الذي كانت تصريحاته تهز الاسواق.

وبن شالوم برنانكي المولود لصيدلاني ومدرسة والذي عاش في ديون المدينة الصغيرة في كارولاينا الجنوبية (جنوب شرق الولايات المتحدة)، نجا من مصير كان مرسوما له بعدما اقنع احد رفاقه في مدرسة للاميركيين من اصل افريقي والديه بالسماح له بالالتحاق بجامعة هارفرد معه.

وبعد دراسات لامعة في هذه الجامعة العريقة حصل على الدكتوراه من معهد ماساشوستس للتكنولوجيا في 1979، ثم سنوات تدريس الاقتصاد في جامعة برنستون اعتبارا من 1985 قبل ان يتولى رئاسة قسم الاقتصاد بين 1996 و2002.

وفي 2002، عين حاكما في الاحتياطي الفدرالي ثم غادر هذا المنصب في 2005 ليترأس مجموعة المستشارين الاقتصاديين لجورج بوش الذي عينه بعد ذلك رئيسا للاحتياطي الفدرالي لولاية مدتها اربع سنوات. ولقب برنانكي الذي روى مؤخرا انه التقى زوجته آنا خلال لقاء لم يخطط له، بالهيلكوبتر بن (المروحية بن) بعد خطاب القاه في نوفمبر 2002 بعيد وصوله الى مجلس حكام الاحتياطي الفدرالي.

ففي هذا الخطاب الذي يحمل عنوان الانكماش: التأكد من الا يحدث هنا، اشار الى نظرية للاقتصادي ميلتون فريدمان الذي يرى ان السلطات النقدية يمكنها اخراج بلد من ازمة سيولة تكون فيها معدلات الفائدة معدومة ولا يمكنها بذلك تنشيط الاقتصاد، عبر اعطاء الاموال الى المؤسسات والمستهلكين مباشرة. وبدا برنانكي بصورة رجل من المصرف المركزي يرش الاموال من مروحية.

وفي مواجهة تصاعد الازمة، انتقل الاحتياطي الفدرالي برئاسة برنانكي من القول الى الفعل. وبرنانكي متأثر في عمله على ما يبدو باخطاء الاحتياطي الفدرالي خلال الركود الكبير الذي تحول في 1929 الى ازمة تاريخية كما قال في كتابه مقالات حول الركود الكبير الذي نشر في 2004. وبانتظار معرفة ما سيقوله التاريخ بشأن عمله، اصبح برنانكي وهو اب لولدين، واثقا من ان اسمه لن يمحى. فمدينته ديون كرمته في مارس الماضي باطلاق اسمه على شارع فيها.

(الوكالات)