قال الخبير الاقتصادي جوزيف ستيجليتز الحائز على جائزة نوبل إن الدول الآسيوية يجب أن تركز على استكشاف أسواقها المحلية في ظل استبعاد انتعاش الاقتصاد الأميركي بشكل كامل في المستقبل القريب على أن تقوم بتنظيم نظمها المالية من أجل منع الاستثمارات بهدف المضاربة.
وقال ستيجليتز الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2001 إنه «ما لم يكن لدينا فقاعة أخرى لتحل محل الفقاعة القديمة مثلما شهدنا إحلال فقاعة قطاع الإسكان محل فقاعة صناعة التكنولوجيا فإنه من المستبعد جداً أن يستعيد الاقتصاد الأميركي نموه القوي في أي وقت خلال المستقبل القريب».
وأشار ستيجليتز إلى أن الاقتصاد الأميركي لم يتعاف بعد مستشهداً بوجود 300 ألف حالة تعثر عن سداد قروض الرهن العقاري الشهر الماضي وخسارة نحو ثلاثة ملايين مواطن أميركي منازلهم منذ بدء الأزمة المالية الأميركية العام الماضي.
وقال في مؤتمر ببانكوك تحت عنوان «آسيا: الطريق إلى الاقتصاد الجديد» إن «السوق العقارية التجارية قد بلغت نقطة الانفجار الداخلي، إذ تراجعت أسعار العقارات بنسبة 50% أو أكثر».
وحذر ستيجليتز من أنه حتى في حال نجاح الولايات المتحدة في جهودها لإعادة الرسملة، فإن الاقتصاد سيتعرض لتباطؤ النمو مستقبلاً. وقال إنه «ما ساند أميركا وإلى حد ما الاقتصاد العالمي قبل الأزمة هو فقاعة، فالناس كانت تعيش بشكل يتجاوز إمكانياتهم».
وحث اقتصادات دول آسيا التي عانت من أزمتها عام 1997 أن تنظر إلى الداخل من أجل تحقيق نمو بدلاً من الاعتماد على التصدير. وقال إنه «تم تجاوز فترة الطفولة وأصبح هناك اقتصاد مزدهر وقوي هنا في آسيا. وأصبح هناك قاعدة لتطوير اقتصاد إقليمي ضخم يستطيع أن يستمر بنفسه».
وفي الوقت نفسه دعا حكومات الدول الآسيوية إلى حماية بلادها من تدفقات السيولة النقدية الضخمة من الغرب بحثاً عن الاستثمار في آسيا حيث تتعافى الاقتصادات بشكل أسرع من الغرب. وطالب ستيجليتز بفرض ضرائب على الأرباح الرأسمالية ووضع قيود على الائتمانات المصرفية ووسائل أخرى لكبح المضاربات والنمو المفرط.
تجدر الإشارة إلى أن وجهات النظر الاقتصادية غير التقليدية للخبير الاقتصادي السابق في البنك الدولي لاقت ترحيباً واسع النطاق في آسيا التي عانت من أزمة مالية مدمرة في عام 1997 وأرجع البعض مسؤوليتها على المؤسسات الغربية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لإجبار الدول على تحرير أسواق المال وجذب رؤوس الأموال قصيرة الأجل التي يطلق عليها «الأموال الساخنة» إلى الاقتصادات الآسيوية المزدهرة قبل عقد مضى.
وكانت تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية الداخلة إلى منطقة جنوب آسيا بما فيها التحويلات، والقروض الدولية المشتركة من البنوك، واستثمارات رؤوس الأموال من القطاع الخاص، وإصدارات السندات شهدت طفرة قوية في السنوات الأخيرة، ولكنها انهارت عقب الأزمة الحالية. ويؤكد الخبراء أنه ومع استمرار إعادة الهيكلة المالية على الصعيد العالمي، سيستغرق انتعاش تدفقات رؤوس الأموال من القطاع الخاص الأجنبي بعض الوقت.
وحتى في ذلك الحين، ستنخفض القدرة على الحصول على تلك التدفقات في البيئة الجديدة المتسمة بالإحجام عن تحمّل المخاطر، كما ستزداد تكلفة الحصول على رأس المال. ومن شأن هذا أن يؤدي إلى إبطاء النمو الاقتصادي.
لكن البعض يعتقد أن معاناة منطقة جنوب آسيا ستكون على الرغم من انخفاض تدفقات رأس المال أقل من معاناة غيرها من مناطق العالم بسبب سماتها الخاصة بها. وذلك لأسباب عديدة منها أن معظم الاستثمارات في منطقة جنوب آسيا مدفوعة بالمدّخرات المحلية. فالمستوى المرتفع من الادخار المحلي يمكّن البلد المعني من تقليل مساوئ انخفاض تدفقات رؤوس الأموال.
فمعظم بلدان منطقة جنوب آسيا تنعم بمعدلات ادخار إيجابية عالية مقارنة بالبلدان النامية الأخرى. كما أن لمنطقة جنوب آسيا مكانة فريدة في اجتذاب تدفقات رأس المال الأقل تقلّباً.
فهذه المنطقة أكثر اعتماداً على تدفقات التحويلات مما أثر مثلاً على تدفقات حوافظ الاكتتابات في أسهم والقروض من البنوك. وظلت تدفقات التحويلات إلى منطقة جنوب آسيا أكثر استقراراً مقارنة بتدفقات حوافظ الاكتتابات في أسهم.
وحققت التجارة الأجنبية في منطقة جنوب آسيا نمواً كبيراً في العقد الماضي من السنوات، مما أسهم بزيادة معدلات نموها. فالعديد من البلدان التي تعاني من الأزمة الحالية في هذه المنطقة زادت سرعة انتعاش اقتصاداتها بمساعدة من توسيع الصادرات.
علماً أن انتعاش بلدان منطقة شرق آسيا عقب الأزمة التي وقعت في تسعينات القرن الماضي تحقق بفعل الصادرات إلى البلدان المتقدمة. وبالنسبة لاقتصاد منطقة جنوب آسيا، فهو على النقيض من اقتصاد منطقة شرق آسيا، مدفوع إلى حد كبير بالخدمات. علماً ان صادرات الخدمات أقل تقلّباً مقارنة بصادرات السلع.
ومازالت عولمة الخدمات في مرحلة مبكرة من تطورها. فمعدلات نمو صادرات منطقة جنوب آسيا من الخدمات أعلى من معدلات نمو صادراتها من السلع. وهي أعلى من معدلات نمو صادرات السلع من منطقة شرق آسيا. ومن المرجّح أن استراتيجية النمو الذي تقوده صادرات الخدمات ستمكّن منطقة جنوب آسيا من زيادة سرعة تحقيق الانتعاش والحفاظ على معدلات النمو العالية في الأمد المتوسط.
(الوكالات)
