أصدرت وزارة الثقافة اللبنانية قراراً، قضى بالبدء بتفكيك ورفع الحمّامات التابعة لميدان سباق الخيل الروماني، والمكتشفة في منطقة وادي أبو جميل (وسط بيروت) العام الفائت..
وذلك، على خلفيّة التشنّج الذي حصل خلال الأشهر الفائتة بين الوزارة وأصحاب العقار (مكان وجود الحمّامات) الذين تسلّموا صكّ ملكيتهم للأرض، ولم تنفع معهم المفاوضات الطويلة التي جرت من أجل المحافظة على الآثار في مكانها واستيعابها من ضمن المباني التي ينوون تشييدها في المكان، لكونها ستخسرهم جزءاً من الأرض، واكتفوا في المقابل بتقديم عرض يقضي بوضع بعض من آثار هذه الحمّامات في حديقة المبنى المنوي تشييده في المكان.
وحيال «عجز» وزارة الثقافة عن دفع ملايين الدولارات ثمناً لأرض وهواء العقار، وعن التعويض على أصحابه كلفة الوقت الذي خسروه في انتظار نتائج الحفريّات، وفق توضيح مصدر مسؤول في الوزارة ل«البيان»، فإنها وافقت على العرض الذي قدّمه مالكو العقار.
وبدأت أعمال رفع الجدران الطينيّة والأعمدة من الموقع، في انتظار أن تضمّ بعضها الحديقة العامة المفترَض تشييدها في المكان على مساحة 100 متر، فيما بات مرجّحاً أن القسم الأكبر منها سيُتلَف في مكبّ «النورماندي»، على غرار ما حصل في حالات مماثلة.. علماً أن هذه الورشة تتمّ تحت إشراف عالم الآثار ومكتشف الموقع الدكتور هانز كرفرز، والذي ما زال يعمل في وسط بيروت منذ ما يزيد عن العشر سنوات كعالم آثار معتَمد من شركة «سوليدير» للتنقيبات الأثريّة في عقاراتها.
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة الى أن ميدان سباق الخيل الروماني إكتشف، خلال العام الفائت، مقابل «كنيس ماغن إبراهام» اليهودي في منطقة وادي أبو جميل، وهو يضمّ مبانيٍ لفرق الأندية التي كانت تتبارز فيه، وتنقسم الى حمّامات ضخمة وقاعات إجتماعات، وقد خسرت معظم جدرانها بفعل عوامل الزمن ولم يبقَ منها سوى أرضيّة فسيفساء والقاعات التي كان يمرّ فيها الهواء الساخن.
وفي انتظار الآتي، تجدر الإشارة أيضاً الى أن الكثير من الآثار التي تمّ اكتشافها في وسط بيروت وُضع ضمن مشاريع إدخالها الى المتاحف العامة، ولا يزال ينتظر منذ أكثر من 7 سنوات إعادة تركيبه في مكان آخر.. أما القسم الأكبر منها، فقد رُمي في مكبّ «النورماندي». فهل أن عوامل الزمن ستكون كفيلة بإتلاف ما تبقّى من ميدان سباق الخيل الروماني وحمّاماته، أي ما تبقّى من «بيروت الرومانيّة»؟
وتهتم الصحافة اللبنانية خلال الفترة الحالية بالمشكلات المتعلقة بالمنطقة باعتبار أنها تشكل دعامة سياحية مهمة. وفي هذا الإطار كتبت صحيفة الأخبار تقول: كانت بيروت الرومانية مدينة واسعة الأرجاء، غنية بالأبنية الضخمة، ذات طرقات مرصوصة بالفسيفساء.
كان لها أسواق وقصور، معابد ومدارس حقوق، حمّامات عامة وميدان سباق خيل تتبع له مبانيٍ للأندية المتبارزة. كانت مدينة غنية تنتشر آثارها في جميع أرجائها، ولكن، عشر سنين من حفريات «الإنقاذ» أودت بكل تلك المكتشفات إلى مكبّ النورماندي. فاليوم، من كل ذلك «العزّ» لم يبقَ إلا ميدان سباق الخيل ومباني الأندية المجاورة له، المكتشفة في وادي أبو جميل التي قد تكون مهدّدة أيضاً.
اكتُشف ميدان سباق الخيل السنة الماضية، وبقي مصير المحافظة عليه مجهولاً. ولكن في الأسابيع الماضية اكتملت صورة كيفية سير تلك الألعاب مع اكتشاف مباني الأندية الرياضية التي كانت تشارك في تلك الألعاب. ويقول عالم الآثار هانز كرفرز المسؤول عن الحفريات الأثرية «في بيروت وتماماً كباقي المدن الرومانية، كان هناك فرق عدة تتبارى في ميدان سباق الخيل، وكان لتلك الفرق أندية تجتمع فيها، وتستريح... وقد اكتشفنا أحدها في العقار المقابل لميدان سباق الخيل. إنه العقار الذي تملكه شركة eirut Trade 2 والقائم مقابل الكنيس اليهودي في وادي أبو جميل.
أندية الفرق هي عبارة عن قاعات اجتماع وحمامات ضخمة. لكن، لم يبقَ اليوم من تلك الأبنية إلا الجزء السفلي منها، أي القاعات التي كان يمر فيها الهواء الساخن. ويشرح عالم الآثار المسؤول عن الحفريات الدكتور هانز كرفرز عن الموقع قائلاً «هذا جزء المياه الساخنة جداً من الحمامات، الذي كان يتبعه جزء المياه المتوسطة الحرارة، ومن ثم المياه الباردة.
وتماماً كميدان سباق الخيل الروماني، هذا المبنى عرف أكثر من حقبة تاريخية: في البداية، كان النادي صغيراً لا يزيد طوله عن 30 متراً، أما في القرن الرابع، فأصبح ضخماً، وامتدت مساحته إلى 100 متر». ويقول الدكتور كرفرز إنه خلال الحفريات السابقة على العقارات المجاورة لهذه كان قد عثر على خزانات المياه الضخمة جداً، ومدخل ميدان سباق الخيل الذي أدهشه بجماله وغناه. لكن، كما جرت العادة في بيروت، فقد جُرفت تلك المعالم على أساس أنها ليست مهمّة بما فيه الكفاية ليحافظ عليها في مكانها.
وفاء عواد
