كشفت التقارير الاقتصادية الصادرة أمس بوضوح في مختلف أنحاء العالم استمرار القلق في شأن نطاق التعافي المنتظر للاقتصاد في ظل المخاوف من احتمال وصول موجة التفاؤل التي ساعدت في تحسن حالة أسواق المال خلال الشهور القليلة الماضية إلى نهايتها. ويقول راينر غونترمان خبير الاقتصاد الأوروبي في مؤسسة دريسدنر كلاينفورت الاستثمارية تعافي الاقتصاد لا يجري حاليا بكل طاقته.
وأظهر استطلاع للرأي أن غالبية من الأميركيين تعتبر أن خطة الإنعاش الاقتصادي بقيمة 787 مليار دولار التي أقرت قبل ستة أشهر بدفع من ادارة باراك اوباما لم تات حتى الان باي نتيجة ايجابية على الاقتصاد، فيما أعلنت اليابان خروج اقتصادها من دائرة الركود وهو ما يعزز الآمال في اقتراب نهاية أكبر انهيار للاقتصاد العالمي منذ الحرب العالمية الثانية.
خطط الإنقاذ
وكشف الاستطلاع الذي أجرته صحيفة يو اس ايه توداي ومعهد غالوب ان 57% من المستطلعين يعتبرون أن خطة الإنفاق الرامية إلى تحريك الاقتصاد لم تبدل شيئا في الوضع أو زادت من حدة الانكماش الذي بدأ عام 2007، مقابل 41% فقط يعتبرون أنها حسنت الظروف الاقتصادية.
وأبدى 18% فقط من المستطلعين اعتقادهم بان الخطة التي تتضمن مجموعة من التدابير الضريبية والنفقات الكثيفة الجديدة أتاحت تحسين وضعهم المالي الشخصي، في حين أن 68% لم يلاحظوا أي تغيير. وينقسم الأميركيون بالتساوي حول مسألة تقييم مفاعيل الخطة على المدى البعيد إذ يعتبر 38% أنها ستسمح بتحسين الوضع الاقتصادي للبلاد بمجمله فيما يرى 38% انها ستساهم في تردي الاقتصاد.
وعلى الصعيد الفردي، يتوقع 29% من المستطلعين تحسن وضعهم بفضل إنعاش الاقتصاد، فيما يقول 34% انه سيسوء. ولا يتوقع 36% أي تغيير. وجرى استطلاع الرأي بين السادس والتاسع من أغسطس لدى 1010 بالغين ولا يتخطى هامش الخطأ فيه أربع نقاط.
وفي الوقت نفسه فإن الولايات المتحدة صاحبة أكبر اقتصاد في العالم مازالت تدور في دائرة الركود حيث انكمش اقتصادها بنسبة 1% من إجمالي الناتج المحلي خلال الربع الثاني من العام الحالي وذلك بعد انكماشه بنسبة 4, 6% خلال الربع الأول من العام الحالي. ورغم ذلك فالمؤشرات تقول إن الاقتصاد العالمي اليوم أفضل منه منذ ستة أشهر عندما قدم المحللون صورة كئيبة للاقتصاد العالمي مع اشتداد قبضة الركود عليه.
كما حققت الاقتصادات الرئيسية الصاعدة في آسيا نتائج جيدة خلال الربع الثاني من العام الحالي حيث حقق الاقتصاد الصيني نموا بمعدل 9, 7% من إجمالي الناتج المحلي مقابل نمو بمعدل 1, 6% خلال الربع الأول من العام. ويقول جوليان جيسوب كبير خبراء الاقتصاد الدولي في مجموعة كابيتال إيكونوميكس للأبحاث الاقتصادية رغم أن الأسوأ بالنسبة للاقتصاد العالمي قد مر فإن التحسن يبدو هشا.
الاقتصاد الياباني
ويبدو أن الاقتصاد الياباني سوف ينضم إلى اقتصادي فرنسا وألمانيا في الخروج من دائرة أسوأ ركود اقتصادي منذ ستة عقود تقريبا. ورغم ذلك فمازال خبراء الاقتصاد منقسمين بشأن سرعة التعافي المنتظر ونطاقه.
وهناك خبراء يعتقدون أن الاقتصاد العالمي سوف يمر بسلسلة من الانتعاش الوهمية قبل أن يبدأ مرحلة الانتعاش الحقيقي. وبعيدا عن انتعاش معدلات التصدير وانخفاض أسعار الفائدة في الأسواق المحلية بالعالم فإن جزء كبير من النتائج الإيجابية للاقتصادات العالمية خلال الربع الثاني من العام الحالي تحققت بفضل حزم التحفيز الاقتصادي الحكومية.
وتتضمن حزم التحفيز المساعدات السخية التي قدمتها الحكومات لأصحاب السيارات القديمة من أجل التخلص منها وشراء سيارات جديدة بما يساهم في الحد من الانبعاثات الغازية الملوثة للبيئة الصادرة عن السيارات القديمة من ناحية وإنعاش صناعة السيارات التي كانت قد شارفت على الانهيار في العديد من الدول الكبرى من ناحية أخرى.
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه على خبراء الاقتصاد الذين يحاولون رسم تصور لحالة الاقتصاد العالمي خلال الشهور المقبلة وهو ماذا سيحدث عندما تنفد الأموال التي خصصتها الحكومات لحزم التحفيز الاقتصادي. ويعتقد البعض أن الاقتصاد العالمي قد يعود إلى دائرة الركود من جديد.
ومن المؤكد أن رد فعل المستثمرين على إعلان اليابان خروجها من دائرة الركود الاقتصادي وتسجيل نموا بمعدل 9, 0% خلال الربع الأول من العام المالي الحالي حتى 30 يونيو الماضي كان حذرا للغاية حيث تراجعت أسعار الأسهم في آسيا وأوروبا والولايات المتحدة.
وما عزز الموقف الحذر من بيانات نمو الاقتصاد الياباني أن المعدل المعلن جاء أقل من توقعات الخبراء الأمر الذي أصاب المستثمرين بخيبة أمل.
نزيف الخسائر
ووسط هذه الأجواء يستمر نزيف الخسائر في الشركات. وأعلنت مجموعة لوكيد مارتن الدفاعية أنها ستلغي قبل نهاية العام 800 وظيفة في قسم صناعة الطيران اي حوالى 4 5% من العاملين في هذا القسم.
ويمثل هذا الإلغاء 5, 0% من العاملين في العالم مع هذه المجموعة والبالغ عددهم 146 ألف موظف. وجاء في بيان للمجموعة أن الهدف من هذا الإلغاء هو لتحسين وضع المنافسة في هذا القسم. وأوضح البيان ان الالغاء سيطال جميع مستويات الهرمية وجميع المهن في مواقع دنفر وكولورادو (غرب الولايات المتحدة) وسانيفال في كاليفورنيا (الساحل الغربي). وأشار البيان إلى أن المجموعة ستدفع تعويضات للتقليل من أهمية عمليات الصرف هذه.
وفي أوروبا أعلنت مجموعة شيندلر السويسرية الرائدة في تصنيع المصاعد والسلالم المتحركة تراجع الطلبات على منتجاتها في النصف الأول من العام الجاري 2009 بنسبة بلغت 2, 17% بالمقارنة بنفس الفترة من العام الماضي. وقالت الشركة ومقرها لوتسرن بسويسرا في بيان إن الطلبات المستلمة.
وكذلك عوائد التشغيل تأثرت بانكماش الاقتصاد العالمي بجانب التأثيرات السلبية لأسعار صرف العملات الأجنبية. وأضافت أن صافي أرباحها خلال النصف الأول من العام الحالي بلغ 320 مليون فرانك سويسري (297 مليون دولار) بزيادة طفيفة عن العام الماضي الذي سجل صافي أرباح وصل إلى 313 مليون فرانك.
ووصفت الشركة ظروف الأعمال بأنها صعبة. وأشارت شيندلر إلى تراجع صافي الأرباح عن عمليات التمويل والاستثمار بنحو 36مليون فرانك بالمقارنة بالنصف الأول من العام الماضي 2008.
وتراجع حجم قوة العمل في المجموعة بنسبة 3, 2% منذ نهاية العام الماضي 2008 حيث بلغ إجمالي عدد العاملين فيها 44 ألفا و48 موظفا. وأكدت أنه ربما يصبح من الضروري القيام بخفض مزيد من الوظائف في حال لم تستقر الأسواق وتظهر بوادر التعافي. ومن المتوقع أن يؤثر التراجع في الطلبات على المصاعد والسلالم المتحركة على نتائج الربع الأخير من العام الجاري 2009 ونتائج عام 2010.
بوادر التعافي
لكن في الجانب الآخر ظهرت بعض بوادر التعافي في بلدان مثل هونغ كونغ. وتزايدت الآمال بأن تتعافى هونغ كونغ مبكرا من الأزمة الاقتصادية العالمية بعد أن أظهرت بيانات حكومية عدم ارتفاع معدل البطالة في المدينة.
واستقر عدد العاطلين عن العمل في الفترة من مايو إلى يوليو على 4, 5% من إجمالي القوة العاملة وهي النسبة ذاتها المسجلة في الفترة من أبريل إلى يونيو. وكانت هناك توقعات بارتفاع معدل البطالة في هونج كونج إلى 7% خلال فصل الصيف مع تدفق خريجي المدارس والجامعات إلى سوق العمل وتزايد تأثير تداعيات الأزمة العالمية على اقتصاد البلاد.
لكن مع بطالة نحو 214 ألف شخص من أصل 7 ملايين هم سكان المدينة وبقاء معدل البطالة عند أعلى مستوياته في أربع سنوات، حذر وزير العمل ماثيو شيونغ من أن التباطؤ لم ينته بعد.
وقال شيونغ في معرض تعليقه على البيانات إن سوق العمل أظهر مؤشرات على الاستقرار لكنه أضاف قائلا إن مناخ الأعمال لا يزال يتسم بالحذر وأرباب العمل متحفظون في تعيين عمالة جديدة.
وأضاف: في ضوء أن دخول خريجين جدد من الجامعات والمدارس إلى سوق العمل يصل إلى ذروته عادة في أغسطس، فمن المتوقع أن تنعكس الضغوط على عملية التوظيف بشكل كامل خلال الشهرين القادمين.
وسجل سوق الأوراق المالية بهونغ كونغ مسيرة ارتفاع قوية خلال الأشهر القليلة الماضية وخرج اقتصاد المدينة رسميا من ركود دام عاما الأسبوع الماضي وذلك بعد أن سجل نموا للمرة الأولى في هذا العام.
(الوكالات)
