قالت صحيفة الفايننشال تايمز في تقرير يرصد نشاط قادة الشركات الاميركية في محاولتهم انقاذ ما يمكن انقاذه من تبعات الازمة المالية العالمية والتي كان لها بالغ الاثرفي وسط أسوأ هبوط اقتصادي منذ الكساد الكبير، حيث تواجه الشركات خياراً مخيفاً. فهل عليها أن تستغل الأوقات الصعبة من أجل التخلص من الثقل الذي تراكم أثناء سنوات الطفرة، وإحداث تغييرات استراتيجية محفوفة بالمخاطر على أمل ظهور مؤسسات أخف ثقلاً، ولكن أقوى، أم هل عليها أن تتبنى موقفاً دفاعياً، وتحاول اجتياز العاصفة دون أن تتعرض للغرق إلى أن تتعافى أسواقها والاقتصاد.
تجارة
وتتم مناقشة هذه المعضلة في شتى أرجاء قطاع الشركات الأميركية، وأبعد منها كذلك، في الوقت الذي تعيد فيه الشركات التي تراوح من الضخامة مثل «جنرال إلكتريك»، إلى تجار التجزئة صغار الحجم في المدينة، والبنوك المجتمعية، دراسة ذاتها في ضوء الانكماش العالمي غير الجذاب. ويقول مايكل بير، أستاذ إدارة الأعمال في «هارفارد»، ورئيس إدارة «تروبوينت» ، الشركة الاستشارية: «إنه الوقت الأفضل لإحداث التغيير، والوقت الأخطر لإحداث التغيير داخل أي شركة. فإما الاستمرار وإما الانهيار بالنسبة لشركات عديدة».
وفي أميركا تحديداً، فإن القرارات التي اتخذها قادة الأعمال خلال الاضطراب الحالي سوف تشكل أكثر من مجرد مصير شركاتهم. ويعتبر تحديث الشركة خلال الأزمة حجر الزاوية لرأسمالية الطراز الأميركي تعتبر عملية الإنقاذ التي نفذها لو غيرستنر لشركة آي بي إم في تسعينيات القرن الماضي، بالتخلي عن قطاع الأجهزة واحتضان البرمجيات والخدمات مثالاً نموذجياً. غير أن هذا الشكل من الرأسمالية اختبرته الأزمة بشكل موجع.
في الوقت الذي كان فيه التركيز خلال العقدين الماضيين على قيمة المستهلك، وأداء الأرباح قصيرة الأجل، والمكافآت التنفيذية العالية، حيث تتهم جميعها بتضخيم الفقاعة التي سبقت الانفجار، فإن أمام الشركات الأميركية فرصة لإثبات أن القوى الداروينية التي تؤكد على النموذج الأميركي يمكنها كذلك أن تعيد إحياء الاقتصاد.
ويلخص أحد التنفيذيين الأميركيين التحدي قائلاً «إننا ندين بذلك لأنفسنا، ولمساهمينا، ولنقاد حوكمة الشركات الأنجلو ساكسونية للشركات، لكي نثبت أن بإمكان الشركات تحسين نفسها خلال الفوضى الحالية».
السؤال الكبير المطروح على التنفيذيين هو: إلى أي مدى يجب عليهم أن يكونوا راديكاليين في دفعهم للتغيير في وقت غير مستقر بشكل خطير بالنسبة لشركاتهم. ومقابل كل قصة نجاح كتلك التي نفذها غيرستنر، هناك قصة تحذيرية كقصص التنفيذيين في «جنرال موتورز»، و«كرايزلر»، الذين اعتقدوا قبل عقد مضى أن بالإمكان حل مشكلات ديترويت بواسطة السيارات الرياضية التي تستهلك كثيرا من البنزين، إلا أنهم علقوا بارتفاع حاد لأسعار النفط، وانتهى الأمر بهم في محكمة الإفلاس.
على الرغم من العوائق المتعلقة بالاقتصاد الكلي - والجزئي، إلا أن هناك مزايا بالنسبة للتنفيذيين الذين يحاولون الدفع باتجاه الإصلاح الشامل خلال الهبوط. والإغراء الرئيس هو أنه على النقيض من الأوقات الجيدة حين كان القصور الذاتي للشركة، وتفضيل العنصر الإنساني للوضع الراهن يكثفان مقاومة التغيير، فإن الأزمات تسهل اتخاذ إجراءات راديكالية، وإقناع الموظفين، والزبائن، والمستثمرين بها.
غالباً ما توضح أنواع الشركات هذا التناقض بواسطة رواية «منصة ملتهبة»: حين تشتعل النيران في منشأة نفطية في وسط المحيط، يكون أمام العمال إما خيار الاحتراق حتى الموت، وإما القفز إلى المحيط والمراهنة على النجاة. وعلى نحو غير مدهش، فإن عمال النفط يأخذون خيار الغرق. ويفعل الأمر ذاته عديد من الشركات حين تواجه الحرارة الملتهبة للانهيار الاقتصادي.
وبالنسبة لبنك سيتي ، الرجل المريض للتمويل الأميركي، فإنه عكس أكثر من عقد من النمو من خلال عمليات الاستحواذ، بتقسيم نفسه إلى «بنك جيد»، و «بنك سيئ»، وتخلص من الآلاف من الوظائف في خضم العملية، من أجل إقناع المستثمرين والمنظمين بأنه يستحق البقاء.
أنماط «سيتي»: فيكرام بانديت تصرف لإلغاء أقسام تمويل المستهلك التي جلبها ساندي وييل إلى البنوك الأميركية.
إصلاح
يقول فيكرام بانديت، الرئيس التنفيذي، ومساعدوه إن مشكلات «سيتي» عبارة عن قاعدة تكاليف منتفخة، وهيكل ثقيل، وثقافة بيروقراطية ومنقسمة يعود تاريخها إلى ما قبل الأزمة (ووصولهم إلى دفة الرئاسة). ولكنهم يعترفون بأن عملية الإصلاح المؤلمة كانت ستغدو مستحيلة لو لم يتعرض استمرار بقاء سيتي للتهديد بسبب خسائره المتعلقة بالأصول الرديئة.
مع ذلك، فإن قوة «المنصة الملتهبة» لا تقتصر على الشركات التي على حافة الانهيار. واستخدمت «جنرال إلكتريك» كذلك، وهي التي أبحرت في الأزمة بشكل أفضل من معظم الشركات، الأزمة لتغيير استراتيجيتها.
طالما نظر جيفري إيمليت الذي خلف ويلش، بعين الشك إلى اعتماد هذا التجمع على ذارعه التمويلي، «جنرال إلكتريك كابيتال» ، من أجل الحصول على حصة كبيرة من أرباحه. ويقول مساعدوه إن نمو العوائد ل»جنرال إلكتريك»، وقدرتها المؤكدة على التغلب على توقعات المحللين في ظل رئاسة ويلش كانت غير مستدامة.
تسوية
وفي الأسبوع الماضي، وافق المنظمون. ووافقت «جنرال إلكتريك» على دفع مبلغ 50 مليون دولار (35 مليون يورو، 30 مليون جنيه استرليني)، مقابل تسوية تتعلق بتهم احتيال محاسبي وجهتها هيئة الأوراق المالية والبورصات. وزعمت هيئة الأوراق المالية والبورصات أن جزءاً من حافز «جنرال إلكتريك» لارتكاب الأخطاء كان من أجل تحسين العوائد. ولم تعترف «جنرال إلكتريك» بالتهم، ولم تنكرها.
أجرى إيمليت تغييرات حتى قبل الاضطراب المالي، وباع وحدة التأمين التابعة ل»جنرال إلكتريك»، التي كان من الممكن أن تسبب معاناة كبيرة خلال هذا الهبوط. ولكن بعد أن بدأ «جنرال إلكتريك كابيتال» بالنزيف فقط، في الوقت الذي أجهضت فيه أزمة الائتمان قدرته على جمع التمويل رخيص الثمن، قامت ببيع الأصول، وقلص محفظة العقارات، وقلل من أهمية وحدة التمويل. وفي عام 2000، قدم «جنرال إلكتريك كابيتال» أكثر من 40 في المئة من عوائد «جنرال إلكتريك». وأما الآن، فإنه يجلب نحو 23 في المئة، وأشار إيمليت إلى أنه يرغب بأن تبقى الأمور بتلك الطريقة حتى حين يتغير اتجاه الاقتصاد.
في هذا الخصوص، هناك أمر مشترك بين إيمليت وبانديت: استغل كلاهما الأزمة للقضاء على قسم كبير من إرث أسلافهم الشهير.
ليس جميع التغير الذي تدفعه الأزمة يلفت النظر مثل التعبيرات المجازية ل»جنرال إلكتريك» أو «سيتي». ويشير الخبراء إلى أن العديد من الشركات تستخدم الصدمات الخارجية لإحداث تعديلات مهمة، ولكن بعيدة عن الأنظار، على العناصر الرئيسة لأعمالها، في المصانع مثلاً، أو في علاقات الموردين.
نظرية
إن المشكلة الرئيسة لدى أتباع نظرية «المنصة الملتهبة» هي أنه لا يوجد دليل حاسم على أن الإصلاحات التي يتم إجراؤها خلال الأزمة هي أكثر فعالية من تلك التي تجرى في الأوقات الجيدة. وحين قامت «مكينزي» ، شركة الاستشارات ، باستطلاع قرابة ثلاثة آلاف تنفيذي في شتى أرجاء العالم حول مشاريع التغيير في الشركات، وجدت أن تلك المشاريع التي يتم إجراؤها رداً على الأزمة أو الصدمات الخارجية، كانت أقل احتمالاً بكثير في النجاح من تلك التي يتم إجراؤها من مركز قوة.
ويجادل الخبراء بالقول إنه على الرغم من أن معظم الشركات تدرك الحاجة إلى إجراء الإصلاح في ظل الأزمة، إلا أن العديد منها يبدأ بالنوع الخاطئ من التغيير. والخطأ الشائع هو ملاحقة الوظائف عبر المجلس، وتخفيض التكاليف التي تضعف الشركة دون أن تجعل شركاتها الأساسية أكثر حدة.
ويقول رجبي من شركة بين: «الأمر الأول الذي ينبغي عليك القيام به هو حماية وتعزيز الأساس. وبالطريقة ذاتها التي تحدد بها أجسامنا تدفق الدم بعيداً عن الأطراف التي يمكن الاستغناء عنها لصالح الأعضاء الحيوية خلال أزمة ما، فإن على الشركات التأكد من حماية أفضل أسواقها وزبائنها».
دبي - «البيان»
