قال الدكتور همام الشماع المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية انه ومنذ عدة أسابيع ونحن نعاني من التضارب في البيانات بشان أداء الاقتصاد العالمي، فتارة تصدر إشارات ايجابية وأخرى سلبية مؤكدا انه ومع كل اتجاه متعاكس تتضارب مصالح مستثمرين في أسواق الأسهم بالخسارة والربح الذي يتبادله البائعون والمشترون.

وأكد الشماع انه وخلال الأسبوعين الماضيين سيطرت المخاوف على الأسواق المالية بسبب فكرة مفادها أن الاقتصاد العالمي سيحتاج لمزيد من الوقت لاجتياز مرحلة الركود الاقتصادي الأعمق منذ الحرب العالمية الثانية. في اليابان و مع تراجع الصادرات بنسبة -2, 42% عما كانت علية في العام الماضي ، انكمش الحساب الجاري الياباني عما كان عليه في العام الماضي بنسبة 3, 34% والذي نجم عن تراجع الصادرات اليابانية وما ترتب عليه من تسريح العمالة.

وفي بريطانيا حيث القطاع الصناعي يمثل 0, 18% من الناتج المحلي الإجمالي ، فقد انخفض مؤشر الإنتاج الصناعي في شهر مايو/أيار مما يعني استمرار اضطراب الأوضاع الاقتصادية وفي الوقت ذاته جاءت تصريحات رئيس البنك الدولي الذي أشار إلى أن الاقتصاد العالمي ما زال بعيد عن الانتعاش الاقتصادي، و ان العام الحالي لا يزال عاما صعبا و أنه من الممكن أن تتراجع المكاسب بسهولة هذا العام ليضيف عمقا آخر إلى حالة التشاؤم التي عصفت بالأسواق.

وكان سبق هذه التصريحات صدور مؤشرات تشير إلى النتائج الايجابية التي بدأت بالظهور في آسيا ، باعتبارها دليل أخر على بوادر التعافي. فقد ظهرت العديد من البيانات الاقتصادية المتفائلة مع استمرار الانتعاش في القطاع الصناعي الصيني و التحسن الكبير في الصادرات الكورية الجنوبية وارتفاع مبيعات التجزئة الاسترالية.

في الأسبوع المنتهي في 25 يونيو صدر تقرير المؤشرات القائدة لأنشطة الاقتصاد المختلفة للاقتصاد الأمريكي للأشهر الستة اللاحقة، حيث ارتفعت بقيمة 2, 1 بالمئة في مايو مقارنة بالقراءة السابقة المعدلة بقيمة 1, 1 بالمائة مما دعم توقعات المحللين بوصول الاقتصاد للتعافي كما صدرت أخبار ايجابية أخرى من القطاع الصناعي الأمريكي.

ولكن وبالمقابل ، فان أخبار سلبية كانت صدرت في 18 يونيو تمثلت ببعض التراجع في بعض مؤشرات القطاع الصناعي، حيث ان مستويات المخزون قد ارتفعت بينما تقلص استهلاك الطاقة الإنتاجية للمصانع في مايو كما تمثلت أيضا بتصريح صدر عن البنك الدولي يتوقع ازدياد حدة الركود الاقتصادي في الاقتصاد العالمي خلال عام 2009 ليصل إلى 9, 2% مقارنة بالتوقعات السابقة والتي أشارت إلى احتمال انكماش بنسبة 7, 1%.

وخلال الأيام القليلة الماضية شهدنا عودة بيانات التفاؤل إذ تبين من خلالها أن مخاوف انكماش الأسعار ستبدأ بالتلاشي مع ارتفاع أسعار المنتجين، كما ارتفعت مبيعات التجزئة في الولايات المتحدة وبدأت الشركات بالإعلان عن نتائج ايجابية للربع الثاني من عام 2009، حيث صدر إفصاح جونسن اند جونسن و بنك جولدن سيش مما قد يعيد الآمال بعودة التفاؤل. فمبيعات التجزئة في الولايات المتحدة التي تشكل أكثر من نصف مجمل ما يستهلكه الأمريكيين، ارتفعت في يونيو للشهر الثاني على التوالي و بنسبة 6, 0% مقابل السابق 5, 0% .

و أيضا أكثر من المتوقع 4, 0% و ذلك بعد أن صعدت مبيعات وقود المحركات وخصوصا مبيعات السيارات التي حققت ارتفاع بنسبة 6, 2% من السابق 8, 0%، وكذلك بمبيعات الأدوات الكهربائية التي ارتفعت بنسبة 9, 0% من السابق -9, 0% ، حيث ان كلا القطاعين مشغلان أساسيان لليد العاملة.

وقال الشماع إن ما تقدم من تصريحات ليس سوى غيض من فيض عن التضارب المتلاحق في البيانات والذي بدأنا نتلمسه منذ عدة أشهر وكنا حينذاك نفسره على انه حالة طبيعية في ظل مرحلة انتقالية بين الأزمة والتعافي منها.

فالمخاض الصعب لا بد ان يولد اضطرابات في الإشارات التي يصدرها. فعوامل الدفع نحو التحسن تفعل فعلها ، فيما تظهر عوامل السحب المتبقية في الاختلال الذي ولد الأزمة ، قدرة على مقاومة الإصلاح الذي تدخله حزمة التحفيزات. ولكن أيضا فان التضارب في البيانات قد يعود إلى أن بعض البيانات المفبركة قد تكون ضرورية لإثبات وجهة نظر تساعد على المضي في سياسة تتطلبها سياسات التحفيز وتعارضها مجموعات تتمسك بفكرة أن الاقتصاد قادر على تصحيح نفسه بنفسه.

فالقدر الهائل من السيولة و التي تم ضخها في الاقتصاد في مختلف دول العالم خلال الفترة الماضية تثير جدلا واسعا بشأن ما يمكن أن تسببه من تأثير على مستويات التضخم في المدى الطويل، ومن هذا المنطلق كان لا بد لمن يريد الاستمرار بهذه الساسة التوسعية أن يظهر الدلائل الكافية على أن الاقتصاد لا يزال بعيدا عن التعافي ولا بد من بيانات تثبت ذلك.

ومن المعروف أن السيولة الكبيرة التي تم ضخها في الاقتصاد هي دين على الحكومات لا بد من تسديده آجلا للبنوك المركزية أو للجهات التي اشترت السندات الحكومية، أي لابد من أن تقوم الحكومات آجلا أم عاجلا بسحب هذه السيولة من الأسواق.

والحقيقة أن التوازن الاقتصادي أمر لا يمكن إدراكه أبدا فهو كاللحظة الراهنة حالما تضع يدك عليها تذهب إلى اللحظة التي تليها. وعندما قامت الحكومات بضخ السيولة بهدف التحفيز فان هذه السيولة يمكن أن تتحول إلى ملهب للتضخم إذا لم يتم سحبها في الوقت المناسب.

ولعل أصعب ما في الأمر هو تحديد الوقت المناسب لسحب السيولة من الأسواق دون الإخلال بالتوازن المطلوب بين النمو وبين التضخم. من هنا فان من المتوقع أن نشهد استمرار الجدل بشأن عكس السياسات التحفيزية وانعكاس ذلك على روح التفاؤل والتشاؤم التي تسود الأسواق وربما أيضا استمرار ظهور بيانات تخدم أغراض الثبات على هذه السياسات أو التحول عنها.

وأشار إلى أن تضارب البيانات سيبقى أمرا متوقعا يترتب عليه تفاوت في أداء الأسواق العالمية بين الهبوط والارتفاع وكذلك تذبذب حاد في أسعار العملات الرئيسية تجاه الدولار والين وبالتالي تذبذب وعدم استقرار أسعار النفط ، وبما يعني أننا سنضل لفترة طويلة نسبيا نشهد تقلبات في أسواقنا المحلية مع ميل طفيف للارتفاع خلال الفترة المتبقية من العام الحالي.

ابوظبي - ناصر عارف