مزدحمة جداً شوارع المدينة هذا المساء. سيئول، تحت سحرها البراق الذي تعكسه أنوار البنايات البعيدة، من جهة الضفتين، على نهر هان كانغ. دوك كيم، الستيني، يقود سيارته ببطء مأخوذاً بشجن بعيد.
ثمة في الفضاء ما يكفي من الفرح لاستقبال مزيد من السواح الآتين من الخليج، برغبة الإكتشاف وفضول استطلاع بلد جديد، بعيدا عن الوجهات التقليدية التي اعتادوا عليها في أوروبا.كريستين يانغ، تفتح مظلتها عند عتبة «صالون التزيين» النسائي، المشعة أنواره في إحدى ضواحي منطقة «غانغنام»، وتحث الخطى باتجاه سيارتها برشاقة لافتة، مردها لهفة دافئة وحماسة دافقة وأداتها جسد منحوت لعرض الأزياء، كما هي أجساد الشباب الكوري، بغالبه. حكايات نهر الهان يتميز الشباب الكوري بأنه صانع «الموجات» (ويفز) في آسيا. هنا، في سيئول، تتحدد الموضة. قصات الشعر. طريقة الماكياج بالنسبة للنساء.
وحتى فنون الـ «اتيكيت». تقول ليلى، زائرة من الإمارات: «في واقع الأمر، لقد اصبت بالذهول، لم أكن أعرف أن عاصمة كوريا الجنوبية على هذا البهاء. في بلادنا نسمع عن التقدم التكنولوجي المبهر، لكن التقدم في كل مكان هنا. قطاع السياحة ملفت، والإمكانات الطبيعية والثقافية والمناخية هائلة».
وبالفعل، بدأت كوريا الجنوبية، تجذب مزيدا من العائلات الخليجية الراغبة بالابتعاد عن وجهات الصخب المعتادة في أوروبا، مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا، والراغبة بالتعرف أكثر على الحضارة الآسيوية، من دون التخلي عن مظاهر الحياة الحديثة والأنيقة للمدن. يقول باهو كيم، المدير الاقليمي لمكتب ترويج السياحة في كوريا الجنوبية، بالإمارات: «انها بلاد تستحق الاستكشاف، كما أننا نقدم تسهيلات كبيرة للإماراتيين، وتأشيرة زيارة تمتد إلى 30 يوما وأكثر».
يضحك محمود، الشاب الإماراتي الذي تعلق كثيرا بالمسلسلات الكورية المدبلجة إلى اللغة العربية، وقد أقنع عائلته بالسفر إلى العاصمة سيئول، في موسم الإجازات المقبل. يقول: «المناظر التي عرضها المسلسل ساحرة بالفعل، ولم تكن مهمتي صعبة، سوف نذهب في الإجازة المقبلة إلى جزيرة جيجو التي تعتبر من أجمل 10 وجهات في العالم أجمع».
ويعود تاريخ هذه الجزيرة إلى زمن سحيق، وبالامكان استبيان ذلك من الأشكال الحجرية المنتشرة على طوال الطريق الذي تحيط به سهول الأرز والشاي الرائعة، كما توصف الجزيرة بأنها جزيرة البرتقال.
يقول السوداني منصور عبد الواحد، وهو يعمل قصابا في أحد شوارع سيئول العاصمة، أن «كوريا الجنوبية هي بمثابة بلد ثان لي. الناس هنا يحترمون كل القناعات والأديان، ولا أشعر بالغربة البتة، كما أنني أمارس شعائري الدينية في مسجد المدينة بكامل الحرية».
قصة الإسلام في كوريا
ويعود تاريخ الإسلام في كوريا إلى زمن بعيد. إذ إن التجار العرب وصلوا إليها في وقت مبكر، الا أن الوصول الفعلي للإسلام جاء في أثناء الحرب الكورية الأخيرة بعد سنة 1950، فوصلت إلى كوريا قوات تركية ضمن قوات هيئة الأمم المتحدة وكان إمام هذه القوات الشيخ عبد الرحمن، وشيدت القوات التركية مسجداً لتأدية شعائر الإسلام في سنة 1956، وأقبل الكوريون على اعتناق الإسلام، فأعتنق 4000 كوري الإسلام، ثم أخد عدد المسلمين يتزايد، وتكون الاتحاد الإسلامي الكوري في سنة 1963، .
ويتواجد المسلمون في ثلاث مناطق، في سيول، وفي بوسان، وفي بلدة كوانجو، ويقدر عدد المسلمين في كوريا بحوالي 50000 مسلم، ويوجد العديد من المسلمين الكوريين في الخارج، وعدد المسلمين في نماء مستمر. وفي سنة 1967 اعترفت وزارة الإرشاد الكوري بالاتحاد الإسلامي بكوريا، وتبرع رئيس جمهورية كوريا بقطعة أرض لإقامة المسجد والمركز الإسلامي الرئيسي بسيئول ووضع الحجر الأساسي لهذا المشروع في سنة 1971، وفي نفس العام ذهب وفد من مسلمي كوريا الجنوبية لمقابلة الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود أثناء زيارته لليابان، فدعم الأقلية المسلمة مادياً.
وفي سنة 1978 قام رئيس الاتحاد الإسلامي الكوري بزيارة الدول العربية لدعم مشروع المركز الإسلامي فزار المملكة العربية السعودية، ومصر، وأبو ظبي، و قطر، والمغرب، وليبيا، وفي سنة 1974 احتفل بإتمام بناء المركز الإسلامي بسيئول بحضور وفود من بعض الدول الإسلامية والعربية، وبعد عام احتفل بإتمام بناء المسجد الإسلامي الملحق بالمركز بسيئول .
وفي سنة ( 1976 عقد مؤتمر للأقليات المسلمة بسيئول، واتخد المركز مقراً له، وافتتح معهد اللغة العربية في نفس العام بالمركز الإسلامي بسيئول، ثم تكونت أول جمعية إسلامية خيرية بكوريا، واسس الاتحاد مسجداً صغيراً في بوسان، ونشط المركز في إصدار كتيبات عن الإسلام باللغة الكورية، وزار البلاد وفد سعودي كويتي واقترح بناء مدرسة لتعليم أبناء المسلمين الكوريين، وتبرع لهذا المشروع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود بمبلغ 25000 دولار، كمنحة سنوية ترسل إلى الاتحاد الإسلامي الكوري .
وهناك مشروع لبناء مستشفى وجامعة إسلامية بكوريا أما كوريا اليوم فهي تحتضن العديد من المساجد الاسلامية حيث يوجد بها نحو سبع مساجد رئيسية و60 مصلى منتشرة في كوريا الجنوبية.ويبلغ عدد المسلمين في كوريا الجنوبية اكثر من 50 ألف.
شخص، فيما يصل عدد افراد الجالية العربية نحو 100 ألف شخص وقد انتشر الإسلام بين سكان العاصمة «سيئول» ومدينة «بوسان» ومدينة «كوانج جو» وبعض القرى والمدن الأخرى، بعد ان اعتنق سكان قرية «سانكيونج» الإسلام وأقاموا مسجداً صغيراً وقد تم افتتاح مساجد مؤقتة في منطقتي أولسان وتشيجو.
«سيول العربية».. مرحبا بكم
هل يعرف أحد عدد الأمم التي تود الآن أن تبث برامجها وأفكارها ومسلسلاتها وأخبارها في اتجاه العالم العربي، باللغة العربية؟ المشاريع كثيرة، والفضائيات العتيدة تتكاثر مشاريع وأفكاراً، بل تنفيذاً في بعض الأحيان، بحيث ان واحداً من الخبراء توقع أن يصل عدد الفضائيات في العالم العربي أو الموجهة إليه، إلى ستمئة خلال سنوات قليلة.
حتى الآن ليس ثمة فضائية كورية تبث ـ على رغم ارتفاع معدلات التبادل التجاري بين كوريا الجنوبية والبلدان العربية ـ في اللغة العربية موجهة إلى الشرق الأوسط، لكن كل المؤشرات تدل على ان هذا المشروع بات قريباً.
ومن هذه المؤشرات ازدياد الاهتمام الرسمي وغير الرسمي في سيئول، بالنافذة الإعلامية الوحيدة التي تطل منها كوريا على العالم العربي، وهي الاذاعة الكورية التي تبث بلغة الضاد. إذ ان كل شيء يدل اليوم على انها قد تتحول لاحقاً إلى فضائية. وإن كان ثمة تكتم كبير حول هذا الأمر، علماً أن الإذاعة الكورية تبث باللغة العربية منذ أكثر من ثلاثين سنة.
في مبنى الاذاعة
كثير من الرهبة ينتابك أثناء دخولك إلى مبنى الإذاعة الكورية، الملحقة بالتلفزيون الوطني «كي بي أس». ذلك البناء له تاريخ من الحروب والدم. اليابانيون أنشأوا الإذاعة عام 1927، ثم استولت عليها القوات الأميركية في كوريا، بعد معارك ضارية مات فيها كثر، وأنشأوا «كي بي أس» التي ظلت الإذاعة الوحيدة حتى العام 1954.
في فترة الحرب الباردة تحولت الإذاعة إلى بث «بروباغندا» تؤلب سكان كوريا الشمالية ضد الحكم الاشتراكي في بلدهم. اليوم يبلغ عدد الإذاعات التي يستمع اليها الكوريون أكثر من 250 محطة، تبث على «أي أم» و «أف أم». الإذاعة الرسمية تبث بـ 12 لغة بينها الانكليزية والفرنسية واليابانية والفيتنامية والاندونيسية والإسبانية وأيضاً العربية. قبل ثلاثين عاماً انطلق أول صوت عربي على الموجات الأثيرية الكورية، ليصبح اليوم مسموعاً في دول العرب والعالم، وعبر الانترنت.
لولوة، قمر وعزت الجندي، ثلاث دعامات أساسية في القسم الذي يتعاون أيضاً مع مراسلين ومتعاونين في سيئول والعالم. كوريتان تتكلمان العربية، تفهمان «دهاليز» الكلمات، تلتقطان حس النكتة المصرية، تعرفان الكثير عن تاريخ العرب والسياسة في المنطقة، بحكم الدراسات التي تلقتاها في الأقسام العربية في الجامعات الكورية (أربع جامعات تدرس العربية). لولوة الأقدم.
تعمل في الإذاعة منذ عشر سنوات، وهي اليوم رئيسة القسم العربي. تجلس إلى الكمبيوتر في ذلك المكتب المكتظ بموظفين يتحدثون 12 لغة مختلفة، تبدو مشغولة في ترجمة الأنباء من الانكليزية، والمعلومات من الكورية إلى العربية لنشرها على موقع الإذاعة على الانترنت: «نصحني أستاذي أن أتعلم العربية لأن كوريا تتجه إلى أن تصبح دولة عظمى منفتحة على العالم». يدقق عزت الجندي، المصري المقيم هنا منذ ثلاث سنوات، والعربي الوحيد في الإذاعة، بعربية لولوة. يضحك بود على طريقة نطقها: «تتكلم المصرية كأنها ولدت في القاهرة».
جاء من «صوت العرب» إلى «صوت سيئول»، لتصدح نبرته الجهورية النفاذة بكلمات رقيقة عن «ابتسم أنت في سيئول... الشمس المشرقة... الأرض المرحبة». يذيع نشرات الأخبار العربية ويقدم أكثر من برنامج حواري. حافظة البرامج العربية تضم: سيئول بانوراما، صفحات من التاريخ الكوري، دنيا الاقتصاد، ملامح ثقافية، كوريا حاضر ومستقبل، ابتسم أنت في سيئول، من أغاني القمة، رسائل المستمعين.
«كيف حالك يا قمر؟». «الحمد الله، على ما يرام. كويسة»، ترد قمر على لولوة بمزيج من الفصحى والمصرية. لغة لطيفة لا تمنع نفسك من تقليدها او الضحك منها تحبباً. «كأنكم تدبلجون مسلسلاً». لكن الأمر لا يحتمل الكثير من الترفيه. فما يقوم به الفريق الثلاثي يعادل جهد أكثر من عشرة أشخاص في مؤسساتنا العربية.
أجواء التسلية
«سمك، عليهم أن يأتوا بسمك أكثر»، يقول عزت الجندي، وهو يحمل وجبته في المطعم الملحق بالإذاعة، مستغرباً عدم الإكثار من تقديم السمك في بلد تحيط به البحار من كل جانب. يشكو أيضاً من «ضيق عين» زميلتيه الكوريتين: «يضنان عليّ بإجازة عبارة عن شهر واحد في السنة». تضحك لولوة: «نعم، هناك «ضيقة عين».
فهناك عنصرية من مسؤولي التلفزيون تجاه الكوريين. نحن نرتاح أسبوعاً في السنة فقط». يضحك الجميع وتبادر قمر، المخرجة، بالقول: «لا تظن أننا نتصارع، انه جزء من أجواء التسلية اليومية. نحن متصالحون ومسالمون. مسيحية وبوذية ومسلم نعيش معاً في الاستوديو بسلام».
تحمل قمر رسائل المستمعين العرب وتعبّر عن فرحها الكامل برسالة مستمعة مغربية شابة بعثت بأوراق لونتها ورسمت عليها نجوماً، إلى جانب عبارات تنضح بالرقة والعذوبة عن درجة إعجابها ببرامج الإذاعة الكورية العربية: «مغرومة ببرنامج أهالي القمة الذي يبث الأغاني الكورية الجميلة... طريقة تقديمك يا لولوة تؤثر فينا كثيراً ونستمع اليك في حضور العائلة والأصدقاء». رسائل كثيرة من الجزائر ومصر وتونس وفلسطين ومن عرب المهجر وأيضاً الكوريين الذين يتحدثون العربية.
لكنّ الأمر لا يخلو من الطرائف. «نتلقى رسائل من العراق وفلسطين من مستمعين يطلبون تبرعات من الحكومة الكورية. وفي إحدى المرات اضطررت للجوء إلى السفارة المصرية في سيئول لحل مشكلة تلك المستمعة المصرية في القاهرة التي ذهبت لاستلام جائزة من الإذاعة وتعرّض لها مصريون ونعتوها بالخائنة لأنها تتعاون مع الكوريين الذين لديهم جيوش في العراق، كما يقولون».
تتدخل لولوة: «نحن إذاعة حكومية لكنها ممولة من الشعب الكوري، تماماً كما الحال مع نموذج الإذاعة البريطانية. لذلك لدينا الحرية الكاملة في التعبير عن آراء لا تتلاءم بالضرورة مع السياسة الرسمية للدولة. ناصرنا الشعب العراقي في محنة الاحتلال، نقيم جسوراً أثيرية مع أهالينا في كوريا الشمالية، نشتم الحكومة الكورية في بعض الأحيان ولا أحد يجرؤ على إسكاتنا. نتمتع بحصانة المجتمع الكوري».
تغلق الفتاتان باب الاستوديو على عزت الجندي الخمسيني. «أستاذ، حان وقت التسجيل». داخل الاستوديو البث العربي في مبنى الإذاعة الكورية، مرّت أصوات كثيرة لرجال فكر وسياسة وثقافة معروفين ومجهولين. كبار وصغار. فرق وأفراد. «أرشيفنا يحفظ مقابلات مع رفيق الحريري، بطرس غالي، عبدالله بن عبدالعزيز وغيرهم من الشخصيات العربية التي تعيش في سيئول أو تزورها».
50% زيادة عدد السياح إلى سيول من الخليج
ازدادت نسبة السياح القادمين من الشرق الأوسط لكوريا الجنوبية في سنة 2008 بنسبة 30% عن سنة 2007 وتصدر القائمة كل من المملكة العربية السعودية، دولة الإمارات العربية المتحدة والكويت. و هذه النسبة لا تشكل إلا 1% فقط من إجمالي عدد السياح الوافدين إلى كوريا من جميع أنحاء العالم، إلا أنها تزداد بشكل مطرد عاما بعد عام منذ افتتاح المكتب الإقليمي لهيئة السياحة الكورية عام 2005.
وقد لوحظ ازدياد نسبة السياح العرب في صيف 2008 تحديداً حيث قفز عدد القادمين من منطقة الخليج بنسبة 50 % تقريبا خلال أشهر الصيف من يونيو ويوليو وأغسطس، وهي الأشهر التي تخلو من المؤتمرات والفعاليات التجارية، إلا أنها مليئة بالنشاطات الترفيهية في كوريا. وتدل هذه النسبة على أن كوريا الجنوبية هي الوجهة الجديدة الواعدة للسياحة العربية، التي يمكنهم فيها التمتع بالأمن والطقس الجيد والترحاب جنباً إلى جنب مع الجودة العالية والخدمات الترفيهية.
شهرة تجارية واسعة
اكتسبت كوريا شهرة واسعة لكونها إحدى منطق الجذب للمتسوقين. وهي تقدم العديد من البضائع المختلفة بأسعار معقولة. ويمكن للسائحين شراء البضائع المعفاة من الضرائب من أي متجر من مئات المتاجر الموجودة في المراكز التجارية المتعددة الأدوار، أو المتاجر الشاملة في سيئول والمدن الكبرى الموجودة عبر البلاد.
ومن أشهر البضائع التي تعرض هناك: المجوهرات، والفراء، والحرير، والدواليب القديمة، والسيراميك، والمنتجات البرونزية، والمطرزات، وأجهزة الكمبيوتر، وشرائط الفيديو والكاسيت، والملابس الرياضية، والمنتجات الجلدية، والجينسينج، وكذلك العرائس. وهناك العديد من المتاجر الكبرى التى تقع في قلب العاصمة سيئول ومنها:
«شينسي جاى» و«لوتي» و«ميدوبا»، و«هيونداى»، و«سامبونج»، وبرج «دونج بانج»، كما تربط شبكة من مترو الأنفاق منطقة «ميونج دونج»؟ أكثر مناطق سيئول ازدحاما ؟ بكل الأماكن الترفيهية.
وتقود مداخل ومخارج المترو إلى هذه الأنفاق المذهلة الخاصة بمناطق التسوق. ومن بين كل المناطق التجارية في سيئول تقع منطقة «إتايوون» ملاحقة لمعسكر القوات الأميركية، وهي تزخر بأكبر عدد من الأجانب، كما يوجد العديد من المتاجر الفنية ومتاجر الأنتيكات في منطقة «إنسادونج»، أما سوق البوابة الشرقية فأنها تشتهر بالحرير.
سيئول ـ «البيان»

