هل يختفي «الكونسياريج» ذلك الرجل الموجود حول منصة أنيقة في ردهة استقبال الفنادق، يقدم الإرشادات إلى النزلاء عن أفضل الأمكنة التي يجب أن تزار، بدءا من المنطقة التي تحيط بالفندق نفسه، وصولا إلى مئات الأميال البعيدة.

يقلب الوثائق السياحية، يفتح الخرائط، يضع نظارته على طرف أنفه ويقول بلطف بالغ: سيدي، أنصحك بالبقاء في البلدة الليلة، هناك أمسية فنية في دار الأوبرا القريب. أو عليكم أن تستقلوا القطار، تمروا على أكثر من 5 محطات.

هناك بوسعكم أنم تسألوا عن الحديقة الملكية، لها سبع بوابات وأنصحكم بالبوابة الشرقية، بوصفها الأقرب إلى محطة القطار. لكن أمكنة المحطات، والحدائق والمتاحف ونوادي الترفيه، باتت اليوم، أكثر إتاحة، وبكبسة زر، بسبب تقدم أجهزة الاتصال الالكترونية.

يقول جو، الذي يعمل في وظيفة «الكونسيارج» في أحد فنادق مدينة شوتجارت الألمانية: الناس باتوا يأتون مزودين بأجهزة الكومبيوتر أو الهواتف الحديثة التي بوسعها، عبر الاتصال اللاسكلي بالانترنت، أن تعيّن أي موقع على الخريطة.

لكن، قد يحدث هذا في الفنادق التي تخاطب رجال الأعمال بالدرجة الأولى، أو حتى الفنادق الصغيرة التي تفتقد أصلا إلى هذه الوظيفة، بسبب توفير التكلفة. ولكن الفنادق الفخمة، أو فائقة الفخامة، لاتزال تعتبر وظيفة الكونسيارج رئيسية، وهامة، باعتباره الواجهة التي يرتاح إليها النزيل وتمثل الفندق. البشر، مهما توافرت لهم صنوف التكنولوجيا الحديثة، فهم لازالوا يرغبون بالتواصل الإنساني.

أن يسألوا وتتم إجابتهم، ويطلقوا النكات ويشعروا بالحيرة، يقول الخبير الفندق سامح عطا الله. وبالرغم من أن الفنادق الفخمة لاتزال تجد أهمية حقيقية في وجود هذه الوظيفة، وهي تهتم كثيرا بهندام في الكونسيارج وأسلوبه في الكلام وتخضعه الى دورات تدريبية معرفية باستمرار، الا أنها أيضا قد وجدت طرقها الخاصة لإعلام النزلاء عن أبرز الأحداث التي تدور في الفندق أو في الأمكنة المحيطة به.

ويبدو فندق في «برينرز» العريق في مدينة بادن بادن في الجنوب الألماني، والذي يعتبر أحد أهم مقاصد الخليجيين في أوروبا عامة وألمانيا خاصة.. يبدو أنه ابتكر احدى الطرق الأكثر أناقة في هذا المجال.

فبالإضافة الى سلة الفواكه وضمة الأزهار التي تصادف النزلاء حال دخولهم الى الغرفة، وتتغير باستمرار، فإن في صحيفة «برينرز» أيضا، تكون متواجدة مع الصحيفة التقليدية التي يرغب العميل بقراءتها في الصباح، مع فنجان قهوته، على الشرفة المطلة على أحد أجمل المشاهد التي يمكن أن يحظى بها نزيل فندقي.

وتقوم هذه الصحيفة المصغرة، المكتوبة باللغتين الألمانية والإنجليزية، والتي تصدر يوميا، بإشعار النزلاء بأهم الفعاليات والأخبار التي تحدث في المدينة، وأهم التجهيزات التي تتوافر في الفندق الذي يقصده مئات الآلاف سنويا من الشرق الأوسط وأوروبا وروسيا للاسترخاء وتلقي العلاج.

يقول فرانك مارنباخ، مدير الفندق، أن في هذه نشرة يومية نضع فيها جهدا كبيرا من أجل الابقاء على التواصل مع العملاء. هي بطبيعة الحال، ليست بديلا عن الموظف الموجود في الردهة، الا أنها تقوم بخدمة مضافة.

ومع الوقت، وخاصة في الفنادق ذات الباع الطويل في خدمة عملائها، فإن هذا النوع من النشرات الفندقية يصبح له أهمية تاريخية بوصفه سجلا توثيقيا لأحداث الزمن في منطقة محددة. يقول عطا الله: الكثير من تاريخ المدن والبلدات، وخاصة في أوروبا، تمت خدمته من قبل هذه النشرات الفندقية التي وجد فيها الباحثون والمؤرخون أسماء شخصيات وصور ومناسبات.

ويحافظ في «برينرز» على سمة الأناقة في هذه النشرة، وهي السمة التي تميز الفندق بأكمله، الذي يتجاوز تاريخه المائة عام، والذي كان شاهدا، بل وجزءا، من أحداث رئيسية حصلت في ألمانيا وأوروبا في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ثم بناء الدولة الحديثة.

ويتحضر الفندق للدخول الى منطقة الشرق الأوسط عما قريب، عبر البوابة الإماراتية. يقول مارنباخ: هدفنا دوما البحث عن كافة الوسائل الكفيلة بتقديم خدمة متفردة للعميل، تعكس فن الخدمة (آرت دو سرفير) الذي نمتهنه.

الكونسيارج اذا باق، مهما تعددت الوسائل، لأن في الناس تفضل أن تسأل الناس وليس الآلات، بالرغم من كل شيء.