رغم كون الإجراءات التي أعلنت أمس تصب في خانة تعزيز تنافسية الدولة على صعيد توفير بيئة جاذبة للأعمال، إلا أنها جاءت في وقت تتوق فيه الشركات إلى سماع أخبار سارة تنعش تفاؤلها بأفاق أعمالها، وذلك بعدما ألقى التدفق المتواصل للأخبار السلبية عن الأزمة المالية العالمية بظلاله القاتمة على آفاق المستقبل، وهو ما أدى إلى تآكل معنويات الأسواق تحت وطأة غياب عدم اليقين.

وتدل هذه الإجراءات على أن الدولة لم تستأنس فكرة الترقب والانتظار لما سوف تسفر عنه الأزمة المالية العالمية، ولكنها اتبعت نهجا مغايرا بشكل كامل، ينهض على أساس التحرك النشط لمساعدة قطاعات الأعمال على خفض تكاليف التشغيل، وزيادة هوامش الأرباح والعوائد.

حيث تتضافر هذه الإجراءات مع مؤشرات الأداء الاقتصادي في رسم معالم مشهد آخذ في التبلور التدريجي، وينطوي على ملمح رئيسي وهو خفض نفقات التشغيل وتكاليف الشركات، وبذلك، تضيف الدولة إلى سمعتها الأصلية كمقصد مثالي للأعمال قائم على توفير بيئة خالية من الضرائب، سمعة أخرى وهي احتضانها بيئة أعمال تتميز بانخفاض التكاليف.

معالم مشهد جديد

ويرصد المراقبون معالم هذا المشهد الجديد بإشارتهم إلى أنه من المتعين النظر إلى الإجراءات الجديدة في إطار الصورة الكلية للاقتصاد، حيث ينهض المشهد الجديد على تقديرات ومؤشرات تفيد بتراجع أسعار إيجارات الوحدات السكنية، وانحسار أسعار مواد البناء، وهدوء وتيرة النمو الاقتصادي، وتراجع معدل التضخم، ومن ثم، تبلورت صوره لمشهد يحوي على معلم أساسي يتمثل في انخفاض تكاليف الأعمال بشكل يعزز القدرة التنافسية للدولة كمركز للتجارة والأعمال، وبشكل يؤدي إلى احتواء نفقات وتكاليف الشركات عند مستويات متدنية.

وقد تركز القدر الأكبر من النقاش المثار داخل دوائر الأعمال وشرائح المجتمع بمختلف مستوياتها في العام المنصرم حول ارتفاع تكاليف الأعمال خاصة صعود رسوم الإيجارات، حيث كان ينظر إلى التكاليف على أنها أكثر الأخطار التي تحف الاقتصاد الإماراتي ضخامة، بل وصل الأمر ببعض المحللين إلى توصيف التكاليف على أنه الهاجس الذي يؤرق قطاعات الأعمال، وصار السؤال الذي يجري تداوله في أوساط المحللين، هو أوجه التأثير المحتمل لارتفاع قاعدة التكاليف على جاذبية الإمارات كمقصد للأعمال وما إذا هناك بصيص من الضوء سيشع في نهاية هذا النفق.

إيجابيات

ورغم المضاعفات السلبية للأزمة المالية العالمية، إلا أنها انطوت على بعض الجوانب الإيجابية على صعيد خفض تكاليف الأعمال، وهو ما ساهم في بلورة صورة لبيئة الأعمال مغايرة بشكل عن تلك الصورة التي كان عليها الوضع في العام الماضي، وتبرز القسمات الرئيسية للصورة الجديدة في التالي:

أولا: انحسار الضغوط التضخمية، فبحسب تقديرات وزارة الاقتصاد، تراجع معدل التضخم في الإمارات خلال النصف الأول من العام الجاري ليبلغ 4 .3 % وهو يقل عن المعدل الذي بلغه في نهاية الثلث الأول من العام الجاري، حين وصل إلى 9 .4 %، كما أنه يقل كثيرا عن المعدل الذي بلغه في نهاية العام الماضي بحسب التقديرات الأكثر تحفظا ـ والذي تجاوز 11 %.

وقد انطلقت في العام الماضي المخاوف حيال تزايد وتيرة نمو التضخم من وجود إدراك بأن الإمارات تحتاج إلى مكافحة التضخم عن طريق اتباع سياسة نقدية فعالة تهدف إلى ضبط حجم السيولة المتداولة والحد من الإنفاق مقابل تشجيع الادخار من دون إلحاق أضرار بالطلب.

حيث انه إذا ترتب على مثل هذه السياسة إبطاء في النمو الاقتصادي فإن ذلك أهون من ترك النمو ضحية لاستفحال التضخم مع كل ما يترتب عليه من أضرار بالغة تتعدى الاقتصاد إلى مجالات عديدة أخرى، بما في ذلك الحد من القدرة التنافسية للاقتصاد إقليميا وعالميا، ومن ثم، تغير مشهد التضخم كليا في الدولة بما يعزز موقعها كمقصد مثالي للأعمال.

ثانيا: انخفاض إيجارات المكاتب والشقق: وتفيد هنا تقديرات شركة لاند مارك الاستشارية العقارية بتراجع معدل أسعار الفلل والشقق في دبي بنسبة 24 و 17 % على التوالي خلال الربع الثالث من العام الجاري، وأما فيما يتعلق بإمارة أبوظبي، فقد أظهر التقرير أن عمليات بيع واستئجار قد استردت شيئا من الاستقرار خلال الربع الثاني من العام الجاري، بيد أن الأسعار المعروضة في السوق الثانوية سجلت تراجعا بنسبة 11 % للشقق و 8 % للفلل.

وتشكل تكلفة السكن بحسب وزارة الاقتصاد ـ أهم مكون في مؤشر الأسعار ، وتبلغ نسبتها 1 .36 من 100 في المؤشر، بمعنى آخر تقدر تكاليف السكن بنسبة 1 .36 % من مصروفات الأسرة، إذ يتألف مؤشر الأسعار الرسمي من تسعة مؤشرات مكونة له، يمثل كل واحد منها مجموعة من البضائع والخدمات التي تستهلكها الأسرة في العادة.

يتم احتساب وزن هذه المؤشرات وفقاً لأهميتها في «سلة التسوق» التي تشكل متوسط المصروفات الأسرية خلال العام، وتضم المكونات الأخرى المهمة كل من الموصلات والاتصالات بنسبة 9 .41 % والغذاء والمشروبات والتبغ بنسبة 4 .14 %والخدمات الترفيهية والتعليمية والثقافية بنسبة3 .10 %.

رابعا: خفض الرسوم: ويبرز هنا إعلان حكومة دبي في يونيو الماضي عن عزمها خفض رسوم الخدمات الحكومية بنسبة تتراوح بين 20 و30 بالمئة بغية تحسين التنافسية الاقتصادية للإمارة واستقطاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية. وقد خفضت دائرة التنمية الاقتصادية في دبي رسوم الرخص التجارية بنسبة 20 %.

خطوات جريئة

ويحبذ مراقبون توصيف هذه الإجراءات بأنها خطوات جريئة وشجاعة تسهم في ضخ الكثير من الدماء في شرايين الأسواق ، بجلب المزيد من الشركات التي باتت أكثر توجسا إزاء مخاطر ارتفاع التكاليف، خصوصا في ظل محدودية الموارد المالية نتيجة لتشدد أوضاع السيولة، كما تسهم هذه الإجراءات في تغذية روح الريادة لدى فئات عديدة في المجتمع.

وذلك بتقديم من المحفزات والتسهيلات التي من شأنها أن تقوي الدافع للأخذ بزمام المبادرة في مجال مباشرة الأعمال بمختلف القطاعات، وبالتالي، وبقدر ما تسهم هذه الإجراءات في توسيع هوامش الأرباح وتخفيض التكاليف بالنسبة للشركات المتواجدة، فأنها وبالقدر ذاته تبشر بدخول لاعبين جدد إلى الأسواق، سواء فيما يتعلق بالشركات الأجنبية التي تتطلع إلى توسيع مجال عملياتها في المنطقة باتخاذ دولة الإمارات مقرا لها، أو تلك الفئات التي ترغب في دخول مجال الأعمال، ولكن تحول محدودية مواردها المالية دون الدخول في هذه المجالات.

أولوية

ويرى مراقبون أن إصدار مثل هذه القرارات ينم عن إعطاء الجهات المعنية في الدولة أولوية فائقة إلى مسألة أداء الشركات، باعتبار أن مثل هذا الأداء يصب في نهاية المطاف باتجاه تعزيز صحة وعافية الاقتصاد، فمن شأن الارتقاء بمثل هذا الأداء عبر خفض قاعدة التكاليف، أن يعزز من قدرتها على الخروج من دوامة تداعيات الأزمة المالية العالمية، أو على الأقل، يعزز من قدرتها على البقاء لحين خروج الاقتصاد العالمي من عنق زجاجة الأزمات الحالية التي تعصف به خصوصا وأن هناك تقييمات تفيد بأن الشركات التي ستنجو من الأزمة الحالية ستصبح من كبار الشركات القيادية في العالم خلال مرحلة الازدهار المقبلة.

مرحلة ما بعد الأزمة

وتنطوي تلك الشواهد المعبرة عن قوة مكانة الدولة كمقصد مثالي للأعمال على أمر بالغ الأهمية بالنسبة لبعض المحللين ويتمثل في امتلاك الدولة الطاقة والقدرة على تحقيق المفاجأة حيث أظهرت قطاعات عريضة من الاقتصاد على جذب المزيد من الاستثمارات الضخمة وهو ما يؤدي بدورة إلى خلق فرصا ضخمة لأصحاب الأعمال سواء في الداخل أو الخارج .

ثقة دولية

تسجيل 188 فرعاً لشركة أجنبية في 7 أشهر

قالت مصادر معنية إن عدد فروع الشركات الأجنبية التي تم تسجيلها بوزارة الاقتصاد خلال الشهور السبعة الأولى من العام الحالي بلغ 188 فرعا مقابل 232 فرعا لشركة أجنبية للفترة ذاتها من عام 2008.

وأكدت تلك المصادر انه على الرغم من انخفاض عدد الشركات الأجنبية المسجلة لهذا العام مقارنة بالعام الماضي إلا ان العدد المسجل بالتسعة شهور الأولى من هذا العام يعطي مؤشرا جيدا على الثقة الدولية المتزايدة في اقتصاد الإمارات وحفاظ الدولة على مركزها المتقدم في مجال جذب الاستثمارات الأجنبية على الرغم من تداعيات الأزمة المالية والاقتصادية العالمية وانعكاساتها على دول العالم.

وترى هذه المصادر أن حجم الاستثمارات القائمة في الدولة والأداء الاقتصادي ونسبة النمو الجيدة في الناتج المحلي الإجمالي والحجم الكبير من المشاريع التنموية ساهم في جذب استثمارات أجنبية مباشرة حتى خلال الأزمة المالية العالمية.

وقدرت هذه المصادر حجم الاستثمارات الأجنبية الواردة إلى إمارة أبوظبي عام 2008 بحوالي 10 مليارات درهم فيما توقعت ان يستقطب اقتصاد أبوظبي حوالي 8 مليارات درهم عام 2009.

وتسعى الشركات الأجنبية إلى الاستفادة من الفرص الهائلة التي يوفرها اقتصاد الإمارات خلال السنوات المقبلة حيث تشير تقارير شبه رسمية غالى إن إجمالي الاستثمارات الثابتة المتوقعة للقطاعات المختلفة في إمارة أبوظبي وحدها حتى عام 2014 ستكون في حدود 394 و1 مليار درهم منها 174 مليارا في قطاع النفط والغاز و200 مليارا في قطاع الصناعة التحويلية و52 مليارا في قطاع الماء والكهرباء و832 مليارا في قطاع التشييد و235 مليارا في قطاع السياحة.

دبي ـ مجدي عبيد