خالفت شركات الاتصالات دون استثناء اتجاهات الأسواق السائدة والتي ارتبطت بطريقة أو بأخرى بتداعيات الأزمة المالية. ففي الوقت الذي تظهر البيانات المالية لمختلف المؤسسات سواء المالية أو العقارية أو حتى الصناعية تراجعا وخسائر، وقيام بعضها بإيقاف مشروعاتها وتأجيل خططها، ينطلق قطاع الاتصالات نحو النمو وبقوة محققاً أرباحاً ومزيداً من التوسع والاستحواذات وإطلاق مشروعات، وطرق أبواب أسواق جديدة.

(التقرير نشرة اقتصادية تصدر أول كل شهر)

أكدت ذلك غلوبل هاوس - البحرين في نشرتها الاقتصادية الشهرية «التقرير» وأضافت: بذلك يمكن القول إن الاتصالات تحدت الأزمة، أو قد يقول البعض إنها الأعمال والخدمات التي تستفيد في جميع الظروف، فعندما تكون الأحوال جيدة يستخدم الناس والشركات الاتصالات بكثرة، وكذلك الأمر في حال التعثر، فهم أيضا يكثفون اتصالاتهم للخروج من مأزقهم بطريقة ما.

أرباح جيدة

وعند أخذ شركتي «بتلكو» البحرينية و«زين» الكويتية كنموذج نجدهما حققتا أرباحا جيدة فضلا عن أنهما ما زالتا ماضيتين في مشروعات التوسع والبحث عن الفرص في أسواق جديدة.

فقد نجحت «بتلكو» في تحقيق أرباح خلال النصف الأول من 2009 تجاوزت 2, 54 مليون دينار (144 مليون دولار) بزيادة 7% عن نفس الفترة من العام الماضي، كما أكملت مؤخرا مشروع دخولها إلى السوق الهندية من خلال شراء 49% من شركة «إس تل» الهندية للاتصالات، مقابل 225 مليون دولار.

كما أعلنت مجموعة زين المجموعة الأم عن تحقيقها أرباحا بلغت 5, 154 مليون دينار كويتي (5, 533 مليون دولار) عن النصف الأول من العام الحالي، مقارنة ب148 مليون دينار عن الفترة نفسها من العام الماضي 2008، مما يدل على أن القطاع ضرب بالأزمة المالية عرض الحائط، ليواصل بذلك تحقيق النجاحات.

وسجلت غالبية شركات الاتصالات في المنطقة نموًّا في أرباحها خلال الربع الأخير من العام الماضي 2008، وهو الربع الذي تكبدت فيه شركات عديدة في غير قطاع الاتصالات خصوصا العقارات والبنوك خسائر قاسية.

كما واصلت الشركات الرئيسة في الخليج توسعاتها الخارجية دون اكتراث بمصاعب التمويل أو بالأزمة العالمية، مما يؤكد أنها غير مكترثة بما يجري في العالم.

توسع واستحواذ

وحصلت شركة «اتصالات» الإماراتية على ثالث رخصة للهاتف المحمول في إيران بتكلفة 400 مليون دولار، في حين أكدت أنها ستستثمر هناك ما يصل إلى 5 مليارات دولار، على مدى السنوات الخمس المقبلة.

وحصلت شركة الاتصالات السعودية على الرخصة الثالثة لتشغيل شبكة اتصالات الهاتف المحمول في مملكة البحرين مقابل 230 مليون دولار.

أما شركة «كيوتل» القطرية فتقدمت بعرضٍ تطلب فيه زيادة حصتها في ثاني أكبر شركة اتصالات اندونيسية، لتصل إلى تملك الحد الأعلى المسموح به من الشركة وهو 65%، وهي تعادل نحو 732 مليون دولار.

وتأتي هذه التوسعات المتلاحقة في شركات الاتصالات الخليجية في الوقت الذي يعاني فيه العالم بأكمله من أزمة سيولة نقدية وتمويل، إضافة إلى مخاوف من حدوث انكماش اقتصادي كبير لم يشهده العالم منذ عشرات السنين.

وأنفقت شركات الاتصالات الخليجية على عمليات استحواذ وشراء رخص جديدة في منطقة الشرق الأوسط نحو 6, 9 مليارات دولار في 2008، في حين وصل الرقم في 2007 إلى حوالي 4, 27 مليارا ونحو 3, 6 مليارات دولار في 2006.

كما واصلت الشركات صرفها بسخاء على شبكاتها وعلى التكنولوجيا الجديدة، فمثلا نجد أن الاتصالات السعودية أنفقت وحدها نحو 1, 5 مليارات دولار على المصروفات الرأسمالية العام الماضي.

ويواصل المشرعون وصانعو السياسات في الخليج مسيرتهم بسرعة نحو تحرير صناعة الاتصالات، حيث من المعلوم أن احتكار قطر للاتصالات كان آخر الحصون التي سقطت في الخليج، عندما فازت فودافون برخصة تشغيل ثانية في البلاد.

منافسة وخدمات جديدة

تواجه شركات الاتصالات الخليجية تحديات مثيرة تخلقها المنافسة الشرسة، والتي من المتوقع أن تبدأ في نخر إيراداتها، خصوصا بعد أن تشبعت الأسواق المحلية، في ظل وجود شركتين فأكثر في جميع دول الخليج.

لكن يبقى أمامها العديد من الخدمات التي تقدم بالتماشي مع الهواتف النقالة، فهناك شبكات الألياف الضوئية والتلفزيون المدفوع، والتي ما زالت سوقها صغيرة جدا وتعد فرصة جديدة للنمو.

وفي ظل المنافسة مع كثرة الشركات أصبح من الضروري على مقدمي خدمات الاتصالات في الخليج أن يسعوا لزيادة حصتهم السوقية وذلك من طرح خدمات جديدة وذات قيمة مضافة ومتميزة، فضلا عن متابعة كل ما هو جديد في ثورة الاتصالات.

وبدأت بعض شركات الاتصالات الخليجية باقتحام قطاعات تجارية جديدة، كان آخرها خدمات التلفزيون المدفوع التي ظلت لسنوات طويلة حكرا على شركات تقليدية مثل أوربت وشوتايم، حيث تجد هذه الشركات التقليدية نفسها اليوم أمام منافسة شرسة مع شركات اتصالات عملاقة تغدق مليارات الدولارات على بناها التحتية.

وعلى صعيد الانترنت أيضا، فقد أصبحت خدمة الواي ماكس مع نهاية شهر مارس الماضي، مشغلة ومتوفرة في كل من السعودية والكويت والبحرين، فضلا عن الأردن والجزائر وتونس، في حين تتجهز دول عربية أخرى لإطلاقها قريبا.

المشتركون ونسبة الاختراق

وصل عدد مشتركي الهاتف النقال في 19 دولة عربية حتى نهاية النصف الأول من العام الماضي إلى نحو 5, 194 مليون مشترك، مقابل 35 مليون خط أرضي في نفس هذه الدول.

ويذكر أن اشتراكات النقال نمت بشكل كبير في النصف الأول من 2008، حيث أضاف المشغلون حوالي 18 مليون مشترك، بزيادة نسبتها 2, 10%.

وبحسب آخر بيانات متوافرة فإن شركة الاتصالات السعودية احتلت المركز الأول كأكبر مشغل نقال في دولة واحدة، حيث تجاوز عدد مشتركيها 8, 17 مليون بنهاية النصف الأول من 2008، تلتها موبينيل وفودافون المصريتين بواقع 3, 16 مليونا و2, 15 مليون مشترك على التوالي.

وعلى مستوى نسبة نفاذ (اختراق) الهاتف النقال، جاءت الإمارات في مركز الصدارة بنسبة تجاوزت 198%، تلتها المملكة العربية السعودية بنسبة 141%، متخطية البحرين التي كانت حتى نهاية منتصف 2008 تحتل المركز الثاني بواقع 130%. كما بقيت الإمارات والبحرين تملكان أكبر نسبة نفاذ لخدمة الهاتف الثابت.

وتشير الأرقام إلى أن معدل العائد الشهري من كل مستخدم هاتف نقال في المنطقة العربية بلغ 6, 22 دولاراً في النصف الأول من عام 2008 مقارنة ب40 دولارا لخدمة الهاتف الثابت في نفس الفترة، لكن هذا الرقم يرتفع إلى نحو 25 دولارا على مستوى دول الخليج.

وتراجع عدد مشتركي الهاتف الثابت في دول الخليج بسبب اعتماد الناس على الهواتف النقالة، من 8, 5 ملايين مشترك في العام 2006 إلى نحو 1, 5 ملايين مشترك في العام 2008، أي بنسبة انخفاض وصلت إلى 12%.

وبلغ مؤشر الاتصال الكلي في الإمارات 5, 329% لتتصدر دول العالم العربي، تليها البحرين 4, 210، ثم السعودية 9, 207، فقطر 1, 193%، والكويت 7, 164%، وليبيا 162%، وعُمان 7, 153%، والأردن 9, 133%، والجزائر 7, 130%، ولبنان 6, 124%، وتونس 7, 122%، وسوريا 5, 122%، ومصر 6, 111%، والمغرب 6, 106% وفلسطين 5, 90% والعراق 2, 77%، وموريتانيا 5, 45% واليمن 2, 47%، ثم السودان 9, 28%.

الأفضل استثمارياً

وينتهي «التقرير» إلى أنه على الرغم من أن قطاع الاتصالات في منطقة الخليج خالف توجهات الأسواق في نهاية العام الماضي ومطلع 2009، وشهد انتعاشة تشير إلى أنه لم يتأثر مطلقا بالأزمة المالية العالمية، إلا أن ذلك لم ينعكس على مستوى الأسعار بالنسبة للمشتركين، حيث بقيت تراوح مكانها أو أقل بنسبة طفيفة.

وأضاف: نعتقد أن قطاع الاتصالات الأفضل استثماريا، فحالات الركود والانكماش الاقتصادي تزيد من انتعاشه بدلاً من تكبيده الخسائر الأمر الذي يجعله فرصة للباحثين عن الاستثمار طويل الأجل، خصوصا وأن معظم الشركات مدرجة في الأسواق المالية. وينظر للقطاع، على أنه الأكثر أمنا من غيره، إذ يدور الحديث عن خدمات لا يستطيع الناس الاستغناء عنها على اختلاف احتياجاتهم وشرائحهم.

ولكن تبقى الشركات تبحث عن الأرباح، الأمر الذي دفعها، جميعها دون استثناء، إلى التوجه نحو الأسواق الخارجية على الرغم من أن المنطقة العربية ما زالت تزخر بفرص النمو، وهي بحاجة لكثير من خدمات الاتصالات. وفي بعض الأحيان، قد نجد عذرا لهذه الشركات، فالرخص المعروضة للبيع في البلدان العربية تثمن بأسعار فلكية، وأعلى من قيمتها السوقية بما لا يقل عن 70%، الأمر الذي يدفع الشركات الباحثة عن الفرص نحو أسواق ناشئة وجديدة وذات نسبة اختراق قليلة مثل شبه القارة الهندية وأفريقيا.

وفي ظل المنافسة، ومع كثرة الشركات، أصبح من الضروري على مقدمي خدمات الاتصالات في الخليج أن يسعوا لزيادة حصتهم السوقية وذلك من خلال طرح خدمات جديدة وذات قيمة مضافة ومتميزة، فضلا عن متابعة كل ما هو جديد في ثورة الاتصالات، الأمر الذي سينعكس بالنهاية على الاقتصاديات وعلى عموم الناس.

المنامة ـ «البيان»