قال البروفيسور غاري هامل الأستاذ في كلية الأعمال في لندن في حديث خاص للبيان ان البنوك في العالم اعتمدت على النفوذ والتعقيدات بدلا من الابتكار الحقيقي خلال السنوات القليلة الماضية وأعرب هامل عن أمله في أن تعاود المؤسسات المالية القائمة في العالم نشاطها.

وتبدأ بالتركيز على العملاء وكيفية ابتكار وسائل جديدة تجعل حياتهم أسهل وتوفر لهم الخدمات المفيدة والبسيطة قائلا ان هناك دائماً إمكانية للابتكار في أي صناعة بما فيها القطاع المصرفي وأضاف أن الطريقة التي حاولت بها الشركات تحقيق الأموال على مدى السنوات القليلة الماضية كانت من خلال خلق منتجات أكثر تعقيداً دون أن تقدم قيمة حقيقية للعملاء. هذا التعقيد على حد قوله هدف إلى إخفاء الهامش الحقيقي الذي يحصل عليه المصرفيون ويرى هامل أن ذلك هو السبب في أن البنوك الاستثمارية قاومت ولا تزال تقاوم محاولات خلق سوق مبنى على الشفافية وحسن الأداء في سوق المنتجات المتفرعة بطريقة أو بأخرى وأضاف أن الشفافية ستجعل المؤسسات المالية أقل ربحية.

ويرى هامل بأن العالم بات يتجه نحو النموذج الاشتراكي ومع ذلك يعتقد هامل بأنه لا يوجد كثير من الناس حول العالم يعتقدون أن البيروقراطيات الحكومية قادرة على تقديم المنتجات والخدمات الاستهلاكية بشكل أفضل من مؤسسات القطاع الخاص ويقول أنا لا أرى اتجاها طويل الأجل إلى الاشتراكية. لكن بنفس الوقت نحن بحاجة إلى وضع قواعد لتنظيم السوق.

ويؤكد البروفيسور هامل أن ما نحتاج إليه الآن هو التركيز على الابتكار الذي سيؤدي إلى خلق القيمة على المدى الطويل وليس مجرد ابتكار لرفع الميزانية العمومية للدول.. وفيما يلي نص الحوار:

آفاق المستقبل

النظم المصرفية تعرضت للفشل العام الماضي فماذا يخبئ المستقبل؟

أعتقد أنه في الفترة المقبلة سنشهد المزيد من التنظيم، ومستوى أقل من الديون بالنسبة للبنوك، فبالنظر إلى العقود الماضية، فقد كان للخدمات المالية على الدوام حصة متزايدة من أرباح الشركات.

خلال الخمسين عاماً المقبلة، لا أتوقع من المؤسسات المصرفية والمالية أن تمثل نفس الحصة من الأرباح التي كانت تحصل عليها ما قبل الأزمة المالية. وعليه فان هذا القطاع سيصبح أصغر نسبيا وسيكون أكثر تنظيما بنسبة أقل الديون، وسيكون أقل ربحية (لأن هذه الأرباح كانت مبالغا فيها إلى حد كبير).

في الوقت الذي مازلت أعتقد امكانية الابتكار في مجال الأعمال المصرفية، أعتقد أن هذا القطاع سيركز أداؤه على الأدوار التقليدية للتمويل والتجارة ومساعدة الشركات على زيادة أنشطتها والتحوط في الاقتصاد الحقيقي بدلا من أن تمثل فقاعة من المنتجات الاستثمارية ومشتقاتها، والتي في معظمها لم تفعل الكثير لخلق ثروة حقيقية ودائمة. ولكن هناك دائماً مجال للابتكار، فإذا نظرنا إلى الخدمات المالية على مدى السنوات القليلة الماضية، فهناك كيانات جديدة ولاعبون جدد هي حقا ابتكارية مثل باي بال.

ولكن ما نحتاج إليه الآن هو التركيز على الابتكار الذي سيؤدي إلى خلق القيمة على المدى الطويل وليس مجرد ابتكار لرفع الميزانية العمومية. من المهم أن نتذكر أن المال ليس سلعة، وأنه في الواقع من الصعب جدا كسب المال من المال. الطريقة التي حاولت بها الشركات تحقيق ذلك على مدى السنوات القليلة الماضية كان من خلال خلق منتجات أكثر تعقيداً بدون أن تقدم قيمة حقيقية للعملاء. هذا التعقيد هدف إلى إخفاء الهامش الحقيقي الذي يحصل عليه المصرفيون.

وهذا هو السبب في أن البنوك الاستثمارية قاومت ولا تزال تقاوم محاولات خلق سوق مبني على الشفافية وحسن الأداء في سوق المنتجات المتفرعة. بطريقة أو بأخرى، فإن الشفافية ستجعل المؤسسات المالية أقل ربحية. على سبيل المثال، في تداول الأسهم والعملات الأجنبية، فإن الهوامش ضعيفة للغاية لأنها تعتبر سوقا متطورا وعلى درجة عالية من الشفافية.

أعتقد أن البنوك في العالم خلال السنوات القليلة الماضية اعتمدت على النفوذ والتعقيدات بدلا من الابتكار الحقيقي. لذا، نعم بالتأكيد سيكون هناك لاعبون جدد، ولكن آمل أن المؤسسات القائمة سوف تعاود نشاطها وتبدأ بالتركيز على العملاء وكيفية ابتكار وسائل جديدة تجعل حياتهم أسهل وتوفر لهم الخدمات المفيدة والبسيطة. هناك دائماً إمكانية للابتكار في أي صناعة، وأنا متأكد من أن هذا ينطبق على القطاع المصرفي أيضاً.

هل تعتقد أن قمة العشرين تعمل من أجل إعادة النظر في النموذج الرأسمالي؟

أعتقد أن هذه هي المشكلة. نعم، نحن نتجه نحو النموذج الاشتراكي. ومع ذلك، لا يوجد كثير من الناس حول العالم يعتقدون أن البيروقراطيات الحكومية قادرة على تقديم المنتجات والخدمات الاستهلاكية بشكل أفضل من مؤسسات القطاع الخاص.

أنا لا أرى اتجاها طويل الأجل إلى الاشتراكية. لكن بنفس الوقت نحن بحاجة إلى وضع قواعد لتنظيم السوق، لذلك دعونا لا نركز على تبسيط الأمور ووضع سيناريو «إما/أو»، أن الوضع الحالي لا يعني اما تدخل الدولة بشكل كامل أو سوق غير نظامية، هناك حلول وسط.

وبالنسبة لقمة العشرين، اعتقد أنها فعلت الكثير لإنقاذ الشركات دعونا ننظر إلى بعض الإحصاءات ونرى لماذا: في الولايات المتحدة بين عامي 2006 و2007 كان متوسط ديون الأسر المعيشي قد زاد بنسبة أكبر خلال ال 40 سنة السابقة في 1950 فإن نسبة الدين إلى متوسط الدخل في الأسرة المعيشي كان 3 وفي عام 1990، كانت هذه النسبة نحو7 أو8.

وبحلول عام 2007 كانت النسبة 4,1. الآن البيوت والشركات تسعى للتخلص من الديون، وهذا صعب جداً لأن ذلك يعني انخفاض الاستهلاك بدلا من إنقاذ المصارف، كان يتعين على الحكومات أن تسيطر على هذه المصارف وتعيد هيكلتها. ببساطة حل الاقتراض من القطاع العام محل الاقتراض من القطاع الخاص والذي سيؤدي إلى ارتفاع معدل التضخم، وخفض قيمة العملة وغير ذلك.

دور الشركات الصغيرة

أين تدخل الشركات الصغيرة ضمن المعادلة الاقتصادية؟

مما لا شك فيه أن الشركات الصغيرة تواجه أوقاتاً صعبة حالياً وسيكون هناك ضغط على التمويل لبعض الوقت. كان الحصول على الائتمان سهلا جدا في السابق وهذا صحيح بصفة خاصة في دول مجلس التعاون الخليجي، ان العديد من المشروعات ذات القيمة الاقتصادية طويلة الأجل حصلت على التمويل.

وأعتقد أن التمويل يجب أن يكون مقيداً، وعلى المؤسسات المالية أن تتوخى الحذر إزاء ما تقوم بتمويله. هذا سيكون صعبا على المدى القصير، إلا أنه مفيد جدا على الأجل الطويل لهذا يجب وضع معايير عالية جدا للحصول على التمويل في المستقبل، آمل أن يقوم المصرفيون بسؤال الأسئلة الصحيحة (مثل كيفية تمويل أشياء مبتكرة حقا)، لأن أصحاب المشاريع المبتكرة سوف يستفيدون من هذا على الأجل الطويل.

في الخليج، يعيش السكان على ثروة من الموارد الطبيعية في المنطقة منذ فترة طويلة، حيث أن طبيعة تلك الموارد خلقت فرصة كبيرة للاستثمار.

الآن التحدي الحقيقي لدول الخليج هو معرفة كيفية الحفاظ على المورد الوحيد الذي يمكن أن يخلق الاستدامة وهي الموارد البشرية، كيفية خلق بيئة عمل يستطيع فيها العاملون إبراز خيالهم وابتكاراتهم، فالاعتماد على الموارد الطبيعية فقط لن يحقق الاستدامة.

هل ترى أن الشرق الأوسط وآسيا سيقودان العالم للخروج من الأزمة المالية؟

أنا أعتقد يقينا أن معدل النمو في الصين والهند سيستمر على مدى السنوات القليلة المقبلة لأن هناك مجالا كبيراً للنمو. ما إذا كانت هذه الدول ستقودنا للخروج من هذه الأزمة أم لا فهذا أمر من الصعب أن أحدده ومع ذلك فان نمو الاقتصاد العالمي سوف يأتي من هذه المنطقة في العقود القليلة القادمة، كما أن المزيد من الابتكار سيأتي من هنا.

ما الذي يمكن للشركات والحكومات فعله لتلافي الوقوع في فخ الركود؟

أعتقد أن المصارف ستشعر بالقلق أكثر بشأن أين سيضعون أموالهم في المستقبل، قد يصبح الائتمان أكثر سهولة ولكن ليس من المرجح أن يعود إلى الطفرة التي شهدناها في 2005 و2006 و2007.

ويتمثل التحدي الحالي في معرفة كيفية عدم إضاعة القدرات البشرية. في كثير من الشركات، لا يزال هناك نظرة نخبوية للإدارة حيث يعتقد الناس أن كبار المسؤولين التنفيذيين هم أغلى الموارد البشرية وأن بقية الموظفين من السهل استبدالهم. هناك نوع من الفصل الإبداعي للعاملين حيث يتم وصف الموظفين بأنهم غير مبدعين وان الإدارة العليا هي فقط المبدعة.

أعتقد أن هذه نظرة غير صحيحة ان الإبداع الإنساني موزع على نطاق واسع جدا في السكان، ويمكن أن يأتي من جهات غير متوقعة على الإطلاق وخاصة أن وسائل الإبداع متاحة للجميع ولأول مرة في التاريخ. الناس يولدون على الابتكار والإبداع، ولكن عندما يبدأون العمل فمعظم الشركات لا تتوقع منهم ذلك، معظم الاستقصاءات في مختلف أنحاء العالم تخرج بالنتيجة نفسها؛ واحد فقط من أصل خمسة يسمح لهم بالإبداع في عملهم.

هذا هو إهدار هائل للموارد ويمثل تحديا كبيراً وخصوصا في منطقة الخليج، فنحن لم نعد ضمن اقتصاد المعرفة، لأن المعرفة أصبحت سلعة نحن الآن في الاقتصاد الإبداعي.

ولذلك، إذا كانت الإدارة ستستمر نخبوية ولا تشجع العاملين على الإبداع، فاها ستفشل. وأعتقد أن إحدى القضايا الرئيسية التي تعوق التقدم البشري اليوم هو مجموعة من الممارسات الإدارية التي ورثناها من العصر الصناعي.

الرأي المشترك هو أن الشركات توظف الموظفين لتحقيق أرباح، ولكن الموظفين هم الذين يبنون الشركات ويعملون على تحقيق الأهداف الاجتماعية المختلفة، والربح واحدة منها.

الموظفون أولا، هذا ما يجب التركيز عليه الآن، وهذا تغيير كبير في الطريقة التي يفكر بها المدراء اليوم، الهدف الذي يجب أن يحدده المدير ليس «كيف يمكنني الحصول على موظفين لخدمة الشركة بل ينبغي أن يكون «كيف يمكنني بناء شركة تشجع الإبداع والمبادرة الفردية».

الدورس المستفادة

ما هي الدروس المستفادة من المشاكل الاقتصادية خلال الـ 12 شهراً الماضية؟

الدروس الأساسية تتلخص بالتالي: إن بعض الأشياء لا يمكن أن تستمر إلى الأبد، هذا لن يحدث عد إلى التاريخ، وسيكون لكم بعض المؤشرات على ما سيكون عليه شكل المستقبل.

* فقط لان الجميع يعتقد شيئا لا يعني أنه صحيح، علينا أن نحافظ على مستوى معين من الشك، وألا نسمح لأنفسنا بأن نصبح أسرى الوهم الجماعي.

* لا يوجد بديل للثروة الحقيقية، والتي تأتي فقط من العمل الجاد والابتكار.

* كلما ازدادت العائدات، زادت المخاطر.

أفكار غيرت إستراتيجيات العديد من الشركات

تمكن البروفسور «غاري هامل» والذي يعد واحدا من أكثر مفكري العالم تأثيرا وفقاً ل«وول ستريت جورنال» من تغيير مركز الثقل ولغة الإستراتيجية في كثير من أنجح الشركات في العالم، وقام بذلك عن طريق أفكار مبتكرة في قاموس المال والأعمال مثل «النية الاستراتيجية»، «لب الكفاءة»، «الخيال في الأعمال»، و«ثورة الصناعة».

وقد ساهم هامل أثناء عمله مع كبريات الشركات في مختلف أنحاء العالم في تطوير استراتيجيات حطمت قواعد تقليدية معمول بها وخلقت بذلك ثروات جديدة تحصى بعشرات المليارات من الدولارات.

كتاب هامل «المنافسة من أجل المستقبل» كان قد احتفظ بمركز متقدم في جميع قوائم الكتب أكثر مبيعاً في الإدارة وتمت ترجمته إلى أكثر من 20 لغة مما يجعله بحق الكتاب الأكثر مبيعاً في مجال استراتيجيات الأعمال. كما احتلت أحدث كتب هامل، «قيادة الثورة»، موقعا هاما في قائمة الكتب الأكثر مبيعاً عالمياً. ويصف ثوار الصناعة أمثال ريتشارد برانسون ومايكل ديل كتاب هامل بأنه الدليل الذي لا غنى عنه للابتكار في أداء الأعمال.

اعتبرته مجلة فورتشن «خبير إستراتيجية الأعمال الرائد عالمياً». وخلال السنوات الثلاث الأخيرة حصل هامل على الترتيب الأول باعتباره أكثر متحدثي إدارة الأعمال خبرةً تبعا لمجلة «التميز التنفيذي» السنوية.

حوار - كفاية أولير