أشار تقرير نشرته مجلة شركة لوفتهانزا مؤخرا إلى تزايد عدد القادمين من دول الخليج إلى المدن الكبرى في ألمانيا، وتحديدا إلى ميونيخ، رغم كل المعوقات التي عرقلت حركة السفر لهذا الموسم.

وقالت المجلة في عدد يوليو الماضي، في سياق استعراضاها لأهم الأمكنة الجاذبة للسياح في ألمانيا، أن مدينة ميونيخ، تتحول في فصل الصيف إلى ما يشبه المدن الخليجية، حيث ينتشر السياح القادمون من السعودية والإمارات والكويت، على ضفاف النهر، وتحت الجسور، وفي الحدائق العامة، ومحلات التسوق في الشوارع الفخمة.

وبإمكان من يقصد فندق آرابيلا شيراتون في ميونيخ، أن يختلط عليه الأمر، لهنيهة، فلا يعرف إن كان في بهو احد فنادق دبي، أو هو فعلا، في مدينة أخرى على مسافة مئات الآلاف من الأميال. وتختلف أسباب الزيارة من سائح إلى آخر، فمحمد يقصد المدينة كل صيف لإجراء فحوصات طبية له ولعائلته، وهو يقول: أثق جدا بمستوى الخدمات الصحية في هذا البلد، كما أثق بخبرة هذه المدينة بالذات في التعاطي مع القادمين من الخليج. لقد بات لنا تاريخ في هذه المدينة..

لكنّ ناصر، الكويتي، يشير الى أمر آخر: أحب جدا الجلوس في المفاهي القريبة من مبنى الجامعة والحديقة الانجليزية. في هذا الشارع، هناك مطاعم تقدم أطيب لحم غزال بوسعك أن تأكله في حياتك، يشرح فيما يهم بالأكل من طبق موضب على الطريقة البافارية المحترفة.

وتعد ميونخ ثالث أكبر مدن ألمانيا و عاصمة ولاية بافاريا. تقع المدينة في جنوب ألمانيا على نهر إيزار على بعد حوالي ساعة بالسيارة من جبال الألب. ويستغل الكثير من السياح هذا القرب، لزيارة الجبال التي يبقى الثلج على قمم بعضها حتى في أشد أوقات الصيف ذروة. وتدعى المدينة أحيانا بالعاصمة الخفية لألمانيا. وبوسعك لدى خوض الحديث مع أي من أبناء هذه المدينة أن تلاحظ نبرة الاعتزاز بانتمائه اليها، والتي قد تصل في بعض الأحيان الى منافسة واضحة بين الافتخار بها، أو بالعاصمة السياسية برلين.

وبالرغم من أن هذه قد حاولت في السنوات الخمسة الماضية أن تخطف بريق المدن الألمانية العريقة مثل بون وهامبورغ وميونخ، وتجذب الكثير من العناصر التنافسية التي كانت تميز هذه المدن بشكل حصري، الا أنه لا يزال لدى ميونخ، التي تحكي جسورها تاريخها الموغل بالعراقة، الكثير لكي تقدمه.

ويبلغ عدد سكان المدينة حوالي 3 مليون نسمة. وقد امّن لها موقعها المميز في وسط أوروبا، أن تكون محطة رئيسية ومركز مهم في القارة. واليوم تشكل ميونخ باقتصادها، إحدى أغنى مدن ألمانيا وأقواها اقتصادا. وفيها مقر عدد من الشركات والمصانع الألمانية المهمة، أهمها شركة السيارات بي إم دبليو (حط)، شركة التأمين أليانز، شركة سيمينز للكهربائيات والاتصالات وشركة مان لصناعة المركبات الثقيلة. وهي أيضا مركز مهم للموضة والثقافة والأدب في ألمانيا، حيث بها مقر عدد من محطات التلفزة والإذاعة و حوالي 300 دار نشر. يزورها سنويا أكثر من ثلاثة ملايين سائح. حسب الإحصاءات الألمانية، فإن ميونخ تعد المدينة المفضلة الأولى للمعيشة في ألمانيا. وأقيمت بها عام 1972 الألعاب الأوليمبية.

ويهتم السياح، حين يتجولون في شوارع المدينة، بالسؤال عن تاريخها. وباني ميونيخ الحقيقي كان الملك لودفيغ الثاني، الذي حكم ما بين 1825 إلى 1848. جعل من المدينة مركزا تجاريا وثقافيا مهما في أوروبا. وبعد نهاية الحرب العالمية الاولى عاشت ميونخ أحد أسوأ فتراتها على مر العصور.

حيث انتشر الدمار والسرقة والفقر والجوع والبطالة، مما مهد الطريق لبزوغ نجم الفكر اليميني المتشدد الذي عرف فيما بعد بالفكر النازي. قاد الزعيم اليميني أدولف هتلر المسيرة النازية الشهيرة عام 1923 إلى صالة رجال الساحة (هيرنفيلد هاله) في قلب ميونخ، حاول من خلالها عمل ثورة شعبية ضد الدولة ولكنه فشل.

بعد عشر سنوات، تسلم هتلر المستشارية في ألمانيا بطريقة ديمقراطية. أعلن هتلر مدينة ميونيخ عام 1935 كعاصمة الحركة. دمرت أجزاء كبيرة من المدينة خلال الحرب العالمية الثانية، ولكن في فترة الخمسينات والستينيات أعيد إعمار ميونيخ ونمت بسرعة لتصبح مدينة يفوق عدد سكانها المليون نسمة. أقيمت فيها العاب اوليمبية الصيفية عام 1972 وكانت أحد مدن كأس العالم لكرة القدم التي أقيمت في ألمانيا عام 1974. أقيمت فيها مباراة افتتاح كأس العالم لكرة القدم 2006 بين منتخبي ألمانيا وكوستاريكا.

واليوم، يعتبر قصر اليانز ارينا من معالم المدينة الأكثر زيارة على مدار العام. ومما يثير الإنتباه عند هذا القصر هو حديقته الواسعة بما تضمه من مجاري مائية وبحيرات صغيرة وأجحار خفية. ويوجد في الضاحية الشمالية من مدينة ميونخ قصر شليسهايم المزخرف الذي يعتبر تعبيرا لنمط من الحياة تسوده الأناقة والترف. وقد تم بناء هذا المقر الصيفي لأهل فيتلسباخ في القرن 18.

ميونيخ - «البيان»