كشف مسؤول في سلطة دبي للخدمات المالية عن اعتزام السلطة العمل على تطوير الإطار التنظيمي للتمويل الإسلامي، وأوضح أن هذا الإطار بحاجة لأن يستجيب للتطورات في المقاييس والمعايير الدولية، فضلا عن المستجدات التي تطرأ على صناعة التمويل الإسلامي، حيث أن سلطة مركز دبي المالي العالمي تنظر إلى التمويل الإسلامي على أنه قطاع حيوي لأجل المستقبل، وأنه يتمتع بموقع يؤهله لأن يتبوأ مكانة الريادة العالمية، بالنظر إلى مزايا دبي الطبيعية كمركز لمنطقة الخليج والمنطقة العربية على نطاق واسع.
وقال بيتر كيسي مدير مسؤول السياسات ورئيس التمويل الإسلامي بسلطة دبي للخدمات المالية في حديثه الخاص لـ «البيان الاقتصادي» أن قطاع التمويل الإسلامي محل تركيز إستراتيجي من قبل سلطة دبي للخدمات المالية، كما أنه يعد واحداً من القطاعات التي يعتزم تطويرها وتنميتها سواء على صعيد مركز دبي المالي العالمي، أو على الصعيد الدولي، باعتبار أن سلطة دبي للخدمات المالية تعد عضوا في المجتمع الدولي للهيئات التنظيمية.مشيراً إلى أن السلطة تعمل على تعزيز الحوار مع الصناعة لرؤية وتحديد المجالات التي يمكن أن تقدم فيها المساعدة. وساق مثالا على ذلك بإشارته إلى أن سلطة دبي للخدمات المالية قد أعلنت خطتها الخاصة بمراجعة أنظمتها الخاصة بالصناديق الاستثمارية، وبالتأكيد، ستكون الصناديق الاستثمارية الإسلامية واحدة من المجالات التي ستكون محل نظر ودراسة.
ويأتي اهتمام سلطة دبي للخدمات المالية بتطوير قطاع التمويل الإسلامي في ظل الأولوية التي يعطيها مركز دبي المالي العالمي لأن يكون بمثابة المنصة الأولى في العالم القادرة على جذب هذا التمويل، ويعبر عبد الله محمد العور، الرئيس التنفيذي لسلطة مركز دبي المالي العالمي عن هذا التوجه الإستراتيجي بقوله: إن مركز دبي المالي العالمي يدرك القدرات والإمكانات الكبيرة التي ينطوي عليها التمويل الإسلامي. وفيما يعمل مركز دبي المالي العالمي على ترسيخ مكانته مقراً عالمياً للمؤسسات المالية، وبوابةً تتدفقُ عبرها رؤوس الأموال والاستثمارات في الأسواق الناشئة، فإن التمويل الإسلامي يعد أحد أبرز القطاعات التي نركز عليها.
ثلاثة معسكرات
وأكد بيتر كيسي مدير مسؤول السياسات ورئيس التمويل الإسلامي بسلطة دبي للخدمات المالية أن النهج الذي تتبعه سلطة دبي للخدمات المالية مع التمويل الإسلامي يرتكز على «الوسطية»، وشرح معالم هذا النهج قائلاً: تتعلق القضية الكبرى لأي منظم للتمويل الإسلامي بدوره في الحوكمة المتوافقة مع مقتضيات الشريعة الإسلامية، وعلى المستوى الدولي، يندرج المنظمون ضمن ثلاثة معسكرات رئيسية، الأول، لا يكون لدى المنظمون شيئاً يفعلونه حيال هذا الأمر، فهم ينظرون إلى أنفسهم على أنهم كيانات علمانية محضة.
ومن ثم، ليس لديهم أي شيء يفعلونه حيال أي مسألة دينية، وتندرج بعض الجهات التنظيمية الأوروبية بشكل عام ضمن هذا المعسكر، بيد أن أي شركة تقوم بنعت نفسها بالإسلامية، فهي بذلك تصدر إدعاءً صريحاً أو ضمنيا لمستهلكيها بأن ما تقدمه يتطابق مع مقتضيات الشريعة الإسلامية، ومن ثم، إذا لم تعر الجهة التنظيمية اهتماماً للتحقق من أن هذا الإدعاء يرتكز على أسس جيدة، فهي بذلك، تترك المستهلكين عرضة لاستغلال الشركة التي تزعم بأنها إسلامية من دون أن يكون هناك أساس حقيقي لهذا الإدعاء.
أما المعسكر الثاني، فيضم الجهات التنظيمية التي تنظر لنفسها على أنها بمثابة هيئات تحكيم نهائية في القضايا الشرعية المتعلقة بالأسواق التي يناط بها مسؤولية تنظيمها ،وتقوم هذه الهيئات على نحو نمطي بتأسيس مجلس شرعي خاص بها يتولي الإشراف على عمليات مجالس الإدارات الشرعية وهيئات المشورة في الشركات الخاضعة لسلطتها التنظيمية.
وينطوي هذا النموذج على مزايا ضخمة تتعلق بجلب التناسق والتناغم للسوق الوطني، بيد أنه ينطوي كذلك على مخاطرة رئيسية تتمثل في إضفاء الطابع المؤسسي على أوجه الاختلافات بحسب الخطوط الوطنية، وبالتالي، تواجه الشركة الدولية أنظمة شرعية مختلفة في الدول التي تعمل فيها، كما أنه من الصعب تطبيق هذا النموذج في البلدان التي يكون فيها المسلمون أقلية، إذ أنه من الصعب تخيل اضطلاع الجهات التنظيمية في فرنسا أو الهند بمثل هذا الدور النشط حيال القضايا الشرعية.
وأوضح بيتر كيسي أن أسلوب تعامل سلطة دبي للخدمات المالية يندرج ضمن المعسكر الثالث أي المعسكر الذي يتخذ موقفا وسطا بين المعسكرين الأنفين الذكر، وشرح معالم هذا الأسلوب بقوله: نحن نسعى إلى التأكد من أن الشركات الإسلامية العاملة في مركز دبي المالي العالمي تمتلك الأساس الملائم لإدعائها بأنها متوافقة مع مقتضيات الشريعة الإسلامية، ولكننا لا نصدر أحكاما بالنسبة للقضايا الخلافية.
حيث أننا نطلب من الشركات تأسيس مجلس إشراف شرعي يضم على الأقل ثلاثة دارسين أكفاء، كما نطلب من الشركات أن تفصح لمستهلكيها عن التفاصيل الخاصة بمجلس الإشراف الشرعي، وبالتالي، يكون لدى المستهلكين الأساس للحكم على المجلس، بما إذا كان يستحق ثقتهم من عدمه، كما نطلب من الشركات أن يكون لديها أنظمة تكفل نشر وتنفيذ الأحكام الصادرة عن المجلس، وأن تقوم بإجراء بمراجعات وتدقيقات شرعية بشكل سنوي.
نموذج مرن
وواصل حديثه بقوله: نحن نعتقد أن هذا النموذج يعد نظاما مرنا صالحا للتطبيق في مركز دولي مالي، كما يتمتع هذا النموذج بميزة أنه لا يفرض التطابق اصطناعيا على قطاع ينمو بوتيرة بالغة السرعة، وبالنظر إلى تركيز سلطة دبي للخدمات المالية على الأنظمة والإشراف والرقابة، فان مثل هذا النظام قابل لأن يحاكي ويتبع من جانب الجهات التنظيمية حتى في الدول ذات الأقلية الإسلامية.
ولدى سؤاله حول ما تقصد سلطة دبي للخدمات المالية من تأكيدها في خطة عملها لعام 2009 / 2010 على أخذ زمام الريادة في تطوير الرؤية التنظيمية للتمويل الإسلامي، أجاب بيتر كيسي بقوله: تشارك سلطة دبي للخدمات المالية بنشاط في أنشطة كل من هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية وسلطة الخدمات المالية الاسلامية حيث أنها عضو في الهيئتين، كما تحاول سلطة دبي للخدمات المالية التأثير على اتجاهات التفكير من خلال ما يصدر عنا من مطبوعات ومنشورات ومداخلات.
إطار تنظيمي
وتحدث بيتر كيسي حول ما إذا كان التمويل الإسلامي بحاجة إلى إطار تنظيمي مختلف عن مثيلة التقليدي قائلاً: يجب أولا الإقرار بأن هناك العديد من القضايا في التمويل الإسلامي تتماثل مع تلك الخاصة بالتمويل التقليدي، فعلى سبيل المثال، يشترط المنظم أن تكون الشركة مملوكة لمدراء مقبولين، ويكون لديها مجلس إدارة يضم أشخاصا يتمتعون بالكفاءة والنزاهة، فضلا عن أنظمة لتعقب ومنع غسيل الأموال وغير ذلك من الاشتراطات، وتسري مثل هذه المبادئ على التمويلين الإسلامي والتقليدي على حد سواء.
وواصل حديثه بقوله: يتمثل المبدأ الرئيسي الذي ينهض عليه الإطار التنظيمي الجيد في التعامل المتماثل مع المخاطر المتماثلة للتمويلين الإسلامي والتقليدي، وبالتالي، يجب تطبيق قواعد متماثلة عندما تفرض الشركة الإسلامية نفس نوعية المخاطر التي تفرضها نظيرتها التقليدية، بيد أنه ليس بالضرورة أن تكون المخاطر متماثلة، فعلى سبيل المثال، قد يعني الهيكل المختلف للرهن العقاري الإسلامي أن لدى الأطراف حقوقا والتزامات مختلفة في حالة التعثر.
وبالتالي، يكون منظمو التمويل بحاجة لفهم الهياكل التي يتعاملون معها، حيث توجد بعض المجالات التي يختلف فيها التمويل الإسلامي عن نظيرة التقليدي، وذلك بطرق تؤثر بوضوح على النظام التنظيمي، وفي مجالات أخرى، تمتلك منتجات إسلامي ملامح وخصائص تكون بحاجة إلى أساليب إفصاح معينة للمستهلكين.
دبي تحتل مرتبة الصدارة في التمويل الإسلامي
جرت الكثير من المياه في أنهار التمويل الإسلامي، حيث نما حجم هذا التمويل بشكل جعل الكثيرين يراودهم حلم تنصيب هذا التاج على رؤوسهم، ولكن كانت هذه الأحلام تتبدد بمجرد تفكيرهم مليا في الخطوات التي خطتها دبي لتكريس حقوقها الشرعية والتاريخية في هذا التاج، الذي حرصت أن يظل متألقا على رأسها ليس بحكم الحقوق التاريخية فحسب، ولكن بحكم ما ينطق به الواقع الذي تنتصب بين جوانبه مبادرات ساهمت في جعل هذا التمويل جزءا أصيلا من النظام المالي العالمي.
وتكاثر المدعين بحقهم في ملكية تاج التمويل الإسلامي جاء في ظل واقع جديد فرضته البنوك الإسلامية على السوق المصرفية العالمية، حيث اقتحمت مصطلحات «المشاركة» و«الصكوك» و«التكافل» قواميس البنوك الغربية، واستطاعت البنوك الإسلامية أن تطرح مفهوماً جديداً في التعاملات المصرفية، وليس أدل على ذلك من سعي العديد من البنوك العالمية لإنشاء أقسام إسلامية لتلبية الطلب المتزايد لعملائها المسلمين على الخدمات البنكية التي تتوافق وتعاليم الشريعة الإسلامية.
وهكذا، احتفظت دبي بتاج التمويل الإسلامي ليس بحكم حقوقها التاريخية فحسب، ولكن بحكم المبادرات التي اتخذتها على صعيد التجديد والابتكار، بحيث صارت تستحق عن حق اعتلائها عرش التمويل الإسلامي من دون منازع.
دبي ـ مجدي عبيد


