أثارت أرقام البطالة المزيد من المخاوف بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي. وأظهرت البيانات التي صدرت خلال الساعات الماضية استمرار الحالة السيئة التي يعاني منها سوق العمل في الاقتصادات الكبرى في قارات أميركا وآسيا وأوروبا الأمر الذي يرسم صورة قاتمة عن أوضاع الإنفاق وأسواق الاستهلاك.
وسجل معدل البطالة في اليابان وألمانيا والولايات المتحدة في يونيو الماضي أعلى مستوى منذ ست سنوات حيث واصلت الشركات خفض نفقات العمالة للنجاة من أسوأ ركود تتعرض له البلاد منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.
وقالت وزارة الشئون الداخلية والاتصالات اليابانية إن عدد العاطلين عن العمل في اليابان زاد بنسبة 2, 31% أو بمقدار 830 ألف شخص ليصل إلى 48, 3 ملايين عاطل مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي. وشهد الشهر الماضي تسريح 21, 1 مليون شخص بارتفاع قدره 620 ألف عامل مقارنة بالشهر نفسه قبل عام في أكبر زيادة منذ يناير عام 2003.
وتم تسجيل توفر 43 وظيفة لكل 100 متقدم للعمل خلال الشهر المذكور. ويقول محللون إنه رغم أن هناك بيانات رئيسية أخرى بدأت تظهر علامات على التعافي في ثاني أكبر اقتصاد في العالم بما يشير إلى أن اليابان ستتعافى من أسوأ ركود، فإن استمرار عمليات التسريح وانخفاض دخول الأفراد يمكن أن يؤثر سلبا على الطلب المحلي وإنفاق المستهلكين.
أسرع وتيرة
وقالت الحكومة اليابانية إن مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي انخفض بنسبة 7, 1% في يونيو مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي وذلك في أسرع وتيرة تراجع مسجلة. ويزيد التراجع في مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي في البلاد الذي يستبعد أسعار الأغذية الطازجة، المخاوف بشأن زيادة الضغوط باتجاه خفض التضخم في ظل تباطؤ طلب المستهلكين عقب تعرض البلاد لأسوأ ركود خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
وقال محللون إنه ما لم ينتعش الطلب الاستهلاكي، فإن الشركات ستواصل خفض قوتها العاملة وسيتراجع الدخل بما يقود إلى ضعف الطلب بشدة وانخفاض الأسعار بشكل أكبر. لكن تقريرا حكوميا آخر أظهر أن متوسط إنفاق الأسر اليابانية زاد بنسبة 2, 0% في يونيو ليصل إلى 277237 ينا (2910 دولارات) مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي.
وأرجعت الزيادة في الإنفاق الشهري إلى الإنفاق من أجل شراء سيارات صديقة للبيئة بعد تقديم الحكومة دعما لذلك. وقالت وزارة الشؤون الداخلية والاتصالات في تقرير أولي إن متوسط دخل الأسر التي يحصل أفرادها على أجور شهرية تراجع بنسبة 2, 3% ليصل إلى 700239 ينا.
وهذا هو الشهر الرابع الذي تنكمش فيه الأسعار التي انخفضت بسرعة أكبر بالمقارنة مع انكماش بنسبة 1, 1% في مايو الماضي فيما يمثل دليلا آخر على أن ثاني أكبر اقتصاد في العالم مازال يعاني من ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض الأجور الذي أضر بإنفاق الأسر. ويتوقع بنك اليابان المركزي استمرار انكماش الأسعار على مدى عامين ولكن انخفاض الأسعار وحده من المستبعد أن يدفع البنك إلى تطبيق كامل لسياسة التسهيل الكمي للسياسة النقدية التي تعني في اليابان إغراق القطاع المصرفي بالسيولة لتحقيق أهداف نقدية معينة.
لكن وجهة نظر البنك المركزي القائلة بأن انخفاضات الأسعار لن تتسارع فور انتهاء أثر ارتفاع أسعار الطاقة في العام الماضي قد تواجه بالتشكيك إذ يتضح بدرجة أكبر الآن أن الطلب يلعب دورا أكبر في انخفاضات الأسعار بشكل عام. وأظهرت البيانات أن نحو 70% من الانخفاض في مؤشر أسعار المستهلكين يرجع إلى انخفاض أسعار الطاقة.
لكن ما يطلق عليه المؤشر الأساسي لأسعار المستهلكين الذي يستبعد أسعار الطاقة انخفض 7, 0% عن مستواه قبل عام متراجعا بمعدلات متزايدة على مدى أربعة أشهر فيما يشير إلى أن انكماش الأسعار قد يستمر ما لم يرتفع إنفاق الأسر.
تشاؤم أميركي
في الولايات المتحدة أبدى الرئيس باراك أوباما تشاؤماً حيال مستقبل أوضاع العمل. وقال إن أرقام البطالة تشكل عبأً كبيراً على الاقتصاد. وارتفع معدل البطالة في الولايات المتحدة إلى 5, 9% في شهر يونيو الماضي وهو أعلى معدل لها منذ 26 عاما.
وأظهرت بيانات حكومية الأسبوع الماضي أن أعداد الأميركيين المطالبين بإعانات البطالة الحكومية لأول مرة ارتفعت بمقدار 25 ألف إلى 584 ألف مطالب في الأسبوع المنتهي يوم 25 يوليو الماضي. لكن متوسط أربعة أسابيع الذي يعتبر مقياسا أفضل لاتجاه سوق العمل أشار إلى انخفاض أعداد المطالبين بالإعانات بمقدار 8250 إلى 559 ألف مطالب. وقال مسؤول بوزارة العمل إن الاتجاه فيما يتعلق بالمطالبات عاد الآن لما كان يمكن أن يكون عليه قبل اضطرابه الكبير في يوليو الناتج عن إغلاق وحدات صناعة سيارات.
وكان محللون توقعوا ارتفاع أعداد المطالبين إلى 570 ألف. وبسبب المشكلات التي يعاني منها سوق العمل في الولايات المتحدة سجل مؤشر ثقة المستهلك تراجعا للشهر الثاني على التوالي في يوليو. وانخفض مؤشر ثقة المستهلك لمركز أبحاث المستهلك «كونفرنس بورد» ومقره نيويورك من 3, 49 إلى 6, 46 في يونيو الماضي متأثرا بالمخاوف بشأن سوق العمل.
وقالت لين فرانكو مديرة قسم أبحاث المستهلك في «كونفرنس بورد» إن مؤشر قة المستهلك الذي استعاد عافيته بقوة في أواخر فصل الربيع تراجع في الشهرين الماضيين.
وأضافت أن الانخفاض يرجع في المقام الأول إلى تدهور سوق العمل نظرا للارتفاع الشديد في نسبة المستهلكين الذين يعتقدون بصعوبة الحصول على وظيفة. ووصف ما يقرب من 46% من المشاركين في المسح الوضع الاقتصادي الحالي بالسيئ وقال 9% منهم إنه جيد. وزادت نسبة القائلين بصعوبة الحصول على وظائف إلى 1, 48% مقابل 8, 44% الشهر الماضي بينما تتوقع الأغلبية تحسن الوضع الحالي.
وأعرب 15% فقط من المشاركين عن توقعاتهم بتوفر المزيد من الوظائف في الأشهر المقبلة. وقال روبرت جيبز المتحدث باسم البيت الأبيض إن اقتصاد الولايات المتحدة لا يزال يعاني من أضرار كبيرة. وأوضح جيبز أن من المرجح أن الولايات المتحدة أوقفت النزيف لكن من أكثر من وجه لا يزال هناك مريض صحته معتلة جدا في الاقتصاد الأميركي.
معاناة أوروبية
أوروبيا سجلت دول منطقة اليورو في يوليو تراجعاً قياسياً في الأسعار على مدى عام، بحسب الأرقام التي نشرها مكتب الإحصائيات الأوروبية يوروستات. وتراجعت أسعار المواد الاستهلاكية بنسبة 6, 0% بعد تراجع أول من 1, 0% في يونيو وجمود في مايو. ونسبة تراجع الأسعار هذه غير مسبوقة منذ إنشاء منطقة اليورو عام 1999 وحتى منذ البدء بالإحصاءات حول المنطقة عام 1996، بعد أن أعاد يوروستات احتساب بيانات الأعوام التي سبقت إنشاء منطقة اليورو.
وفي الشهر الماضي سجلت منطقة اليورو أول تضخم سلبي في تاريخها. فبعد الارتفاع التاريخي من 4% الذي سجل العام الماضي في يوليو 2008 تراجعت سرعة التضخم على خلفية انخفاض أسعار النفط. غير أن البنك المركزي الأوروبي الذي يعمل لضمان ثبات الأسعار في منطقة اليورو يتوقع ألا يدوم التضخم السلبي الحالي طويلاً.
كما استبعد حتى الآن أي خطر انكماش الذي ينعكس في انخفاض معمم ومطول للأسعار، ويؤشر إلى أزمة اقتصادية خطيرة. وأشار البنك إلى أن نسبة التضخم دخلت الطور السلبي بسبب المقارنة بالعام الماضي، عندما ارتفعت أسعار النفط في صيف 2008. وأظهرت بيانات سوق العمل الألمانية ارتفاعا جديدا في معدل البطالة في ألمانيا خلال يوليو في ظل استمرار تسريح المزيد من العمال على خلفية الأزمة الاقتصادية العالمية.
وأعلن مكتب العمل الاتحادي تراجع عدد العاطلين في ألمانيا خلال الشهر الحالي بعد وضع المتغيرات الموسمية في الحساب 6 آلاف عامل إلى 480, 3 ملايين عاطل بسبب عوامل خاصة في السوق في حين كان الخبراء يتوقعون زيادة الرقم بمقدار 50 ألفا إلى 545, 3 ملايين عاطل. ولكن في حالة استبعاد العوامل الخاصة من الحساب، يرتفع عدد العاطلين بمقدار 30 ألف عاطل.
وزادت أعداد العاطلين بدون وضع المتغيرات الموسمية في الحساب خلال يوليو الماضي بمقدار 52 ألف عاطل إلى 462, 4 ملايين عاطل مقارنة بالشهر السابق وبمقدار 252 ألف عاطل مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي. ويقول المحللون إن هذا يدفع معدل البطالة إلى 2, 8% مقابل 1, 8% خلال يونيو الماضي.
ويأتي ذلك في الوقت الذي لا تزال فيه الحكومة الألمانية تقدم دعما لبرامج خفض عدد ساعات العمل في الكثير من الشركات الألمانية لمنع تسريح المزيد من العمال بسبب تداعيات الأزمة الاقتصادية. وتتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وصول معدل البطالة في ألمانيا إلى 6, 11% عام 2010.
(الوكالات
