أعرب مسؤول السياسات ورئيس التمويل الإسلامي بسلطة دبي للخدمات المالية عن تفضيله تواجد هيئة واحدة مختصة تركز على التمويل الإسلامي، ويكون لديها برنامج عمل منشور وواضح، ويكون لديها كذلك آلية للمشورة، وتكون أيضاً خاضعة للتوجيه من قبل الصناعة في المجالات التي بحاجة ماسة إلى أحكام.

وجاء هذا التفضيل على خلفية انطواء التمويل الإسلامي على تحديات بالنسبة للسلطات التنظيمية خاصة في الدول التي يسري فيها أنظمة مصرفية مزدوجة، وحتى في إطار التمويل والأنشطة المصرفية الإسلامية.حيث يغيب هناك التجانس فيما يتعلق بالتعريفات والمقاييس، بل وحتى ينتفي تواجد لرؤية الواضحة فيما يتعلق بالتوافق والحوكمة، ويعود أسباب مثل هذا الوضع في رأي جميل حسن كبير الاستشاريين في شركة «آي فليكس سوليوشان» إلى تنوع تفسيرات الباحثين للقوانين الشرعية، ووجود حفنة قليلة من الدارسين القادرين على تفسير الأحكام الشرعية، وبالتالي، المساعدة في صياغة منتجات متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية.

معالم الفجوة

وسلط بيتر كيسي مدير مسؤول السياسات ورئيس التمويل الإسلامي بسلطة دبي للخدمات المالية في حديثه لـ «البيان الاقتصادي» الضوء على معالم هذه الفجوة: تبرز فجوة كبرى في مجال الأحكام الشرعية، حيث ان الشكوى المشتركة بين الشركات هي عدم توافق الأحكام الصادرة عن الباحثين، وبالتالي، يكون في غير المستطاع وضع منتجاً جديداً يحظى بالقبول والرضا العام، ولحد معين، يعد هذا الوضع أمراً حتمياً.

حيث مازالت صناعة التمويل الإسلامي تنمو بوتيرة سريعة، كما يوجد تقليد قوي في الإسلامية يثمن تنوع مدارسه الفكرية والجدل التفسيري، ومن ثم، لا توجد هيئة أو كيان بمقدوره وقف هذا الجدال بإصدار أحكام نهائية، بيد أن هناك هيئات تمتلك تأثيراً كبيراً، منها، المجلس الشرعي التابع لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية.

خصائص متميزة

وتطرق بيتر كيسي إلى أبرز الملامح الرئيسية للتمويل الإسلامي والتي تكسبه تفرداً وتميزاً بالمقارنة مع نظيره التقليدي بقوله: تشتمل المبادئ الرئيسية للتمويل الإسلامي على تحريم «الربا» و«الميسر» و«الغرر»، مع الأخذ في الحسبان أن عناصر من «الغرر» مسموح بها في بعض الظروف.

وواصل حديثه بقوله: تشتمل أيضاً مبادئ التمويل الإسلامي على تحريم الاستثمار في الأنشطة المحرمة وتلك التي يدر حولها الشبهات، منها على سبيل المثال الكحوليات والأنشطة الإباحية والأنشطة المصرفية التقليدية والمضاربة، والأكثر إيجابية هو نظرة التمويل الإسلامي إلى النقود على أنها لا يمكن أن تكون محل تجارة، وبالتالي، يجب أن يكون المكسب المالي نتاج جهد أو مطلوبات.

وأضاف بقوله: من حيث المبدأ على الأقل ينهض التمويل الإسلامي على الأنشطة الإنتاجية والأصول، وذلك على نحو أكثر صرامة مقارنة بالتمويل التقليدي، ويرتكز التمويل الإسلامي على مجموعة من الصيغ التعاقدية والتي تعود إلى مطلع بزوغ الإسلام، وقد جرى دراسة هذه الصيغ التعاقدية من جانب الدارسين، وذلك على نحو متقن، وعلى مدار الوقت، صارت هياكل التمويل الإسلامي أكثر تعقيداً.

وذلك مع استخدام العديد من العقود في الصفقة الواحدة، وهو الأمر الذي قاد اتباع أسلوب الهندسة المالية في التمويل الإسلامي، حاول البعض تقليد معظم منتجات التمويل التقليدي، وفي بعض الحالات، وجه انتقاداً لهذا الأسلوب بأنه يجعل التمويل الإسلامي غير مختلف في حقيقة الأمر عن نظيره التقليدي.

مقاييس معيارية

وفي رده على سؤال حول ما إذا كان بالإمكان وضع مقاييس معيارية عالمية لمنتجات التمويل الإسلامي، أجاب بيتر كيسي قائلاً: هناك ثمة جهتان أساسيتان معنيتان بوضع المقاييس والمعايير، الأولى، وهي هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ءءدةئة والتي تم تأسيسها بغرض وضع معايير محاسبية وفقاً للمعايير الدولية للتقارير المالية، وتشتمل الهيئة على المجلس الشرعي الذي أصدر معايير مهمة في مجال المعايير الشرعية للصناعة المالية الإسلامية، أما الجهة الثانية، فهي مجلس الخدمات المالية الإسلامية.

واستدرك قائلاً: يعالج المجلس قضايا كتلك الخاصة بالحوكمة ومقاييس مباشرة الأعمال، ومرة أخرى، تتمثل مهمة مجلس الخدمات المالية الإسلامية في تزويد عالم التمويل الإسلامي بالمقاييس التي تكون متوافقة بقدر الإمكان مع تلك الموجودة في التمويل التقليدي، ولكنها في الوقت ذاته، تتناول مقتضيات معينة يستلزم توافرها في التمويل الإسلامي.

وبهدف جلب التطابق، جاء إنشاء مجلس الخدمات المالية الإسلامية تتويجاً لإنجازات العقد الأخير من القرن العشرين واعتراف المنظمات الدولية بوجود هذه الصناعة كحقيقة قوية لا يمكن تجاهلها وإدخالها ضمن منظومة النظام المصرفي العالمي لذلك تحت مظلة صندوق النقد الدولي، الأمر الذي يعد انتصاراً لصناعة الخدمات المصرفية الإسلامية، خصوصاً أنه جاء في وقت تزايدت فيه الاتهامات الموجهة إلى المؤسسات الإسلامية.

وتأسس مجلس الخدمات المالية الإسلامية في عام 2002 بهدف الحفاظ على استقرار صناعة الخدمات المالية الإسلامية بما في ذلك أسواق رأسمال والمصارف الإسلامية، ويعمل المجلس بشكل وثيق مع الجهات التنظيمية الأخرى لتوفير المعايير الإرشادية فيما يتعلق بالمنتجات الاستثمارية الإسلامية، ويعتبر المجلس كياناً متعدد الأطراف مسؤولاً عن اتفاقية بازل 2.

وتعتبر مبادئ جديدة بدأت البنوك في تنفيذها حول العالم. وفي مسعى هادف إلى جلب المزيد من الوضوح والتطابق، نشر مجلس الخدمات المالية الإسلامية في العام الماضي وثيقة تتضمن سبعة مبادئ إرشادية رئيسية فيما يتعلق بمعايير الحصافة لحوكمة الشركات بالنسبة للمؤسسات التي تقدم خدمات مالية إسلامية، وتوفر هذه المبادئ خطوطاً إرشادية وتوجيهية للحوكمة بشكل عام بالنسبة لهذه المؤسسات، وحقوق أصحاب حسابات الاستثمار، والتطابق مع مبادئ وأحكام الشريعة، وشفافية تقارير حسابات الاستثمار.

ووفقاً لتقرير مجلس الخدمات المالية الإسلامية، لا يوجد نموذج واحد لضوابط إدارة المؤسسات يمكن تطبيقه بل يجب أن تضع كل دولة أو منظمة نموذجاً خاصاً بها، ورغم أن محفظة المنتجات في جنوب شرق آسيا مختلفة عن تلك الموجودة في الشرق الأوسط، مع ذلك، تساعد تطلعات أصحاب الأعمال للحصول على عوائد مرتفعة بحسب آراء جميل حسن في تعديل عروض المنتجات بما لا يمس المبادئ الرئيسية.

ومن ثم، توخى مجلس الخدمات المالية الإسلامية الحذر فيما يتعلق بوضع المبادئ الرئيسية التي تحكم حوكمة البنوك الإسلامية، وفي ديسمبر 2005، تبنى المجلس مقياسين، يتعلق إحداهما بالمبادئ الإرشادية لإدارة المخاطر، فيما يتعلق المعيار الثاني بمقياس كفاية رأسمال بالنسبة للمؤسسات التي تقدم خدمات مالية إسلامية.

وتشرح هذه المبادئ الإرشادية كيفية تحديد وقياس المخاطر المالية للمنتجات المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، وكيفية تصميمها على نحو يجعلها متوافقة مع لجنة بازل، ويشعر الخبراء بأنه يجب إعطاء المزيد من الاهتمام لتوضيح أنماط المخاطر بما في ذلك معدل العائد والسيولة والشفافية والانسحاب، وأقلمتها بشكل يتوافق مع سياق بازل.

كما تعمل هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ومقرها البحرين على إرساء مبادئ عالمية للتمويل الإسلامي، وأخذت زمام المبادرة في إصدار المعايير للمؤسسات المالية الإسلامية في عدد من المجالات كالمحاسبة والمراجعة والضوابط الأخلاقية والشريعة ورغم تمسك المنظمة بمعايير المحاسبة العالمية، إلا أنها تقوم بتعديلها بما يتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية.

ومن المتوقع أن تتكامل جهود كل من هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ومجلس الخدمات المالية الإسلامية على طريق إرساء مبادئ دولية لصناعة التمويل الإسلامي.

ولكن يبرز تحد رئيسي يتمثل في ندرة الباحثين في مجال التمويل الإسلامي، حيث تعمل الصناعة - والكلام مازال له - على التغلب على هذه المشكلة بوتيرة بطيئة، وبالتالي، تبرز الحاجة إلى المزيد من الباحثين نظراً للاعتبارات المتعلقة بوضع مقاييس للتمويل الإسلامي، كما تتطلب العولمة المشاركة النشطة من زاوية المنتجات والخدمات المطروحة، بيد أنه سيأتي الوقت الذي تكون فيه الصناعة ناضجة بشكل كامل، بطرح المزيد والمزيد من الابتكارات.

إيجاد الاموال وسك النقد الاسلامي

رأي ارمين بابازيان رئيس التمويل الإسلامي في بنك يو بي إس الاستثماري أن سك النقود الإسلامية يمكن أن يكون ابتكاراً في البنية الأساسية، وهو ما يسمح للمجتمعات بطباعة أموالها وإدارتها، مشيراً إلى عدم تطبيق مبادئ التمويل الإسلامي بعد في عملية إيجاد الأموال وإصدارها، وهو ما يثير التساؤل حول ما ينبغي أن يكون عليه شكل عملية خلق الأموال الإسلامية أو سك النقد الإسلامي.

وقال ارمين بابازيان أن مصطلح سك النقود العملية التي يستبدل بها البنك المركزي السندات الحكومية بنقود ذات قوة مالية يرتبط مباشرة بمقدمة افتراضية أساسية لخلق الأموال، بمعني أن البنك المركزي يستخدم السندات الحكومية كأصول تدعم عملية إصدار العملة والتي تعد مسؤولية البنك المركزي، وبينما ترتبط هذه الحقيقة بمحاسبات البنك المركزي، فهي تكشف أيضاً عن عملية خلق الأموال التي تعد بصورة أساسية أحد الترتيبات المؤسسية بين ذراعي الدول.

وواصل شرحه لفكرته قائلاً: بينما تعد العملة الصادرة مسؤولية البنك المركزي، فإن الأوراق المالية الحكومية هي أحد الأصول، وهذه باختصار هي المعادلة التي يتم بها ضخ العملات الورقية في الاقتصاد.

وأضاف بقوله: تستخدم خلق النقود الإسلامية منتجاً شبيهاً بحقوق الملكية لدعم إصدار العملة، وذلك بدلاً من ورقة المديونية كما هو شائع اليوم في العديد من البلدان والبنوك المركزية، وبالفعل، وعلى فرض أن الحكومة والبنك المركزي هما المصدران النهائيان للعملات، فلن يكون هناك سبب لعدم مشاركتهما بالفعل في تحمل المخاطر وتلقي المكافآت الخاصة بالإدارة الاقتصادية العامة.

وتابع بقوله: إذا كانت هناك أي عملات إسلامية متداولة، على سبيل المثال «عملات الرسملة العامة» المراد استخدامها لطبع النقود وإصدارها، يمكن للبنوك المركزية تمويل الحكومة بدلاً من إقراض الحكومة كلما تطلب الأمر، وهكذا، لا تبشر أداة سك النقود الشبيهة بالأسهم بفائدة ثابتة، بل تبشر بعائد يتم دفعه في شكل نصيب من حصة الأرباح الفائضة متى يتم تحصيلها.

وواصل حديثه بقوله: لابد من إصدار عملات الرسملة العامة بواسطة الخزانة الحكومية، ثم يتم عرضها للبيع إلى البنك المركزي للدولة، حيث سوف تكون بمثابة الأصول الحقيقية الأساسية ـ الأنشطة التي تدعم هذه العملات الإسلامية، كما سوف تكون بمثابة موارد مادية ومعنوية للدولة والإدارة الإنتاجية الخاصة بها، وذلك في إطار سعيها لتحقيق النمو الاقتصادي.

ويمكن كذلك توجيه عملات الرسملة العامة إلى مشروعات خاصة وخطط إنفاق، مثل السيولة التي يتم توجيهها إلى الحكومة، ويمكن أيضاً بيع عملات الرسملة العامة توجيه عملات الرسملة العامة إلى مشروعات خاصة وخطط إنفاق، مثل السيولة التي يتم توجيهها إلى الحكومة، ويمكن أيضاً بيع عملات الرسملة العامة إلى مستثمري القطاع الخاص والمؤسسات.

وخلص إلى القول: لم تتم ممارسة عملية خلق النقود الإسلامية بعد في العالم الإسلامي، وكما اقترحنا، تستخدم عملية سك النقود الإسلامية أداة شبيهة بحقوق الملكية لدعم إصدار العملة دون مدفوعات ذات فائدة ثابتة محددة مسبقاً، ويتم تأسيس هيكل الأوراق على أساس مبدأ مشاركة المخاطر، حيث تشترك الحكومة والبنك المركزي في مخاطر الإدارة الاقتصادية العامة.

الابتكار والتجديد

فرض مركز دبي المالي العالمي واقعاً جديداً، بشغله فراغاً لم يتمكن أحد من ملئه رغم ضربه بجذوره في عمق التاريخ، ألا وهي «فجوة الابتكار والتجديد» بالتحفيز على ابتكار منتجات مالية إسلامية تتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية، بحيث توفر أدوات مالية قادرة على امتصاص الحجم الهائل من السيولة المالية المتوفرة لدى المؤسسات المالية الإسلامية، وردم الهوة الموجودة بين النظام المصرفي بالمعنى الغربي ونظام التمويل الإسلامي، وهي في أدائها لهذا الدور، تكمل مسيرة دبي التي استهلها بنك دبي الإسلامي في عام 1975.

وتنتعش آفاق التمويل الإسلامي على مستوى العالم، بحيث يصير من المنطقي أن يتطلع اللاعبون الرئيسيون في الدولة إلى توسيع أجندة عملهم لتجاوز الأسواق المحلية بدعم تواجدهم في الأسواق العالمية والإقليمية، وتؤشر استراتيجية بنك دبي الإسلامي على مثل هذا المنحى، كما تؤشر على استحقاق الدولة حق اعتلائها عرش التمويل الإسلامي من دون منازع، ليس فحسب بحكم إحرازها قصب السبق بإطلاقها أول بنك إسلامي على مستوى هو بنك دبي الإسلامي، ولكن كذلك بحكم المبادرات التي اتخذتها على صعيد التجديد والابتكار.

دبي ـ مجدي عبيد