ترتقي جوسلين، اللبنانية التي تقيم في لندن، درجات مسرح «هاسن»، وتبدو بلباسها الأنيق والعصري، كنجمة سقطت من سماء المدينة المقمرة. مجموعة من الشباب المسترخين على درجات المسرح، ينظرون اليها، فيما تلج الى القاعة المهيبة.
على مدى أكثر من مائتي سنة، لطالما تكرر هذه المشهد. النجوم، الشعراء، الموسيقيون، الدوقة، الأباطرة.. كلهم جزء من تاريخ هذه المدينة التي لطالما لقبت بمدينة «الحمامات». وحين كان الناس، في تاريخ أوروبا، يبحثون عن الماء، كانت مدينة فيسبادن الألمانية القيصرية المحكومة، في القرن الثامن عشر، من قبل الناسويين، تقدمه مالحا، معدنيا وشافيا لأبناء الطبقة الارستقراطية والأثرياء.
واليوم، تريد المدينة، التي تعتبر العاصمة الإقليمية لولاين هسن منذ العام 1945، أن تروّج للينابيع ال26 «الشافية» فيها، في منطقة الخليج، التي تبلغ الفاتورة الاستشفائية الخارجية لأبنائها ملايين الدولارات سنويا. وفي حمام المياه المعدنية «قيصر فريدريك»، من النادر ألا تلتقي بأحد القادمين من الخليج.
يقول علي، من السعودية، فيما يستعد لأخذ حمام مياه ثلجي، بعد دقائق لتعرضه لحمام آخر بماء مغلي درجته 66 درجة مئوية، يأتي من نبع ادلركويلا أنه معجب جدا بتاريخ المكان، ومؤمن بالطرق الايرلندية الرومانية القديم للعلاج. وفي صيف 1999 أعيد فتح أبواب هذا الحمام بعد أعمال ترميم كثيفة، وكان قد شيّد أصلا في العام 1913. وتتنوع غرف الساونا في المكان، وكذلك جلسات الاسترخاء.
ولن تحتاج الى تجربة خلع الملابس لكي تستفيد من المزايا الصحية للمياه المعدنية، فللسياح والمارون في أحياء المدنية، فرصة شرب هذه المياه، رغم ملوحتها وحرارتها، من منافذ هي بمثابة أسبلة مياه عامة، مغطاة بقبب على الطراز الروماني. هكذا، يتجمع الناس حول مياه نبع «بروبورن» وهو أشهر نبع في فيسبادن، ويعطي أكثر من 346 لترا من ماء كلوريد الصوديوم الشافي، في الدقيقة.
لقد ذكر هذا النبع لأول مرة في العام 1366، وهو يقوم بتجميع مياه 15 نبعا. تاريخه قديم، يشبه الكثير من تواريخ هذه المدينة، التي يعود تاريخها الى الفي عاما، حيث أقام فيها الرومان في العام 40 بعد الميلاد حصنا حدوديا استخدم كقاعدة عسكرية، واستمر تاريخها بالازدهار، حتى العام 1806، حين بدأ عصره الذهبي تزامنا مع إعلانها مقرا للدوق.
ومع انتهاء عصر الناسويين، واحلال البروسيين مكانهم، لم تندثر شهرة المدينة بجواذب المياه المعدنية، حيث تم انشاء مبنى الحمامات المعدنية «كورهاوس»، مترافقا مع حركة عمرانية كثيفة ألهمت الكثير من الموسيقيين على رأسهم ريشارد فاغنر ويوهاينس برامز، اضافة الى الفنان التعبيري اليكسي يافلينسكي.
في تلك الفترة، وتحديدا في العام 1894، بني مسرح ولاية هسن، بطلب من القيصر فيلهيلم الثاني، وتم استقدام المهندسين فيلنر وهيلمر لأجل هذه الغاية. وفي العام 1902 أضيفت الصالة الفاخرة على طراز الروكوكو، لتعطي بعدا آخرا لطراز الباروك الحديث، الذي يغلف المكان المتسع ل1401 مقعدا.
بعد سنوات قليلة، كانت المدينة قد بدأت توصف بأنها سكن الأثرياء في ألمانيا وأوروبا، ففي ذكر عام 1907 ذكرت التقارير أن معظم أصحاب الملايين في ألمانيا يقطنون في فيسبادن، والأمر له علاقة بفرار كثير من النبلاء الروس بعد ثورة أكتوبر واستيطانهم هناك. وكما يقول المثل فإن المال يجلب المال حيث أقيمت فيلات مازالت تعد طابعا مميزا للمدينة ومقصدا لسياحها. وللمدينة لقب غير رسمي وهو نيس الشمال ولو أن نيس أكثر دفئا من فيسبادن.
وحسب إحصائية 1995 فإن 997 مليونيرا يقيمون في فيسبادن، وبذلك تحتل المرتبة الثانية بعد فرانكفورت حيث يقابل 270 ساكنا في المدينة مليونيرا. لم تجذب فيسبادن إليها بعد الحرب العالمية الثانية الإحصائيين فقط، بل جذبت أيضا المكتب الاتحادي للقانون الجنائي والعديد من المؤسسات التجارية.
فالثراء والفن المعماري جعلا منها عنوانا مشهورا للصفقات التجارية. وما زال الأمر كذلك حتى اليوم، فبات بحكم الضروري أن تتخذ عدة شركات التأمين والمستشارين التجاريين مقرا لمؤسساتهم هناك. وتتمتع المدينة أيضاً ببنية تحتية تتناسب مع رغبات الأثرياء في حياتهم، فهم ينعمون بالعيش في فيلات أرستقراطية وينفقون أموالهم حسبما تهوى قلوبهم في المحلات الأنيقة. وعليه لا عجب في أن يختار كثير من موظفي البنوك في فرانكفورت القريبة مدينة فيسبادن مقرا لإقامتهم.
دبي- البيان
