قال خبراء ماليون إن حالة عدم الاستقرار التي سيطرت على تعاملات أسواق الأسهم المحلية وحدة التذبذبات التي تشهدها المؤشرات خلقت قناعة لدى شريحة كبيرة من المتعاملين ان المضاربة ربما أصبحت أكثر جدوى من الاستثمار طويل المدى في الأسواق وذلك بعدما اتضح أن المستثمرين طويلي المدى كانوا الأكثر تكبداً للخسائر خلال الفترة الماضية، مشيرين إلى أن هذا الوضع يعد مخالفاً للمفاهيم المتعارف عليها في عالم المتاجرة بالأسهم .

والتي تؤكد أن نسبة المخاطرة ترتفع في حال المضاربات فيما تقل بالنسبة للمستثمرين. وأكدوا أن هذا الوضع ساهم في تحول شريحة كبيرة من المتعاملين للمضاربة بدلاً من الاستثمار طويل الأجل أو حتى على المدى القصير لذلك لم يعد من المستغرب مشاهدة التسابق بين المحافظ والأفراد في عمليات المضاربة وجني الأرباح السريعة، الأمر الذي أدى بدوره إلى عدم نجاح الأسواق بالمحافظة على المكاسب التي تحققها نتيجة لجوء غالبية المتعاملين إلى سياسة الدخول والخروج السريع من الأسواق.وطالبوا بوجود صانع للسوق يتولى عملية ضبط تحركات الأسعار سواء لجهة الصعود أو الهبوط وعلى نحو يمنح الطمأنينة للمتعاملين خلال المرحلة القادمة ويساعد أيضاً في تغيير السلوك الاستثماري في الأسواق.

وقالوا إن الحديث عن ترابط مباشر بين الأسواق المحلية والعالمية وعلى وجه الخصوص الأميركية منها على النحو الذي يجري حالياً يعد أمراً غير منطقي وحتى في حالة إقرارنا بوجود هذا الارتباط فلماذا لا تتفاعل الأسواق مع الأداء الإيجابي لنظيرتها العالمية إلا بنسبة بسيطة.

المفاهيم المتعارفة

ويؤكد كفاح المحارمة المدير العام لشركة الدار للوساطة أن حالة عدم الاستقرار التي شهدتها الأسواق خلال الفترة الأخيرة وحدة الانخفاضات التي سجلتها الأسعار وفاقت توقعات أكثر المتشائمين خلق قناعة لدى غالبية المتعاملين بأن الاستثمار على المدى الطويل في هذه الأسواق يحمل مخاطر كبيرة، الأمر الذي يعني انعكاساً في المفاهيم المتعارف عليها في عالم المتاجرة بالأسهم.

وقال لقد كان أداء الشركات وبشكل عام جيداً رغم التراجع في الأرباح إلا انه من الملاحظ ان الخسائر الكبيرة تكبدها المستثمرون الذين يعملون على المدى الطويل، وبما انه من المعروف أن المخاطرة ترتفع نسبتها بالنسبة للمضاربين وليس لمن يستهدفون الاستثمار على المديين المتوسط والطويل فقد ساهم هذا الوضع في تحول شريحة كبيرة من المتعاملين للمضاربة بدلاً من الاستثمار طويل الأجل أو حتى على المدى القصير.

ومن هنا يقول المحارمة ان السوق لم تنجح بالمحافظة على المكاسب التي حققها خلال الفترة الماضية وذلك نظراً للتذبذب العالي في الأسعار وبالتالي عدم استقرار المؤشرات تحت ضغط من سياسة الدخول والخروج السريع وبغض النظر عن هامش الربح أو الخسارة.

وفي رده على سؤال بشأن مسؤولية الارتباط المبالغ فيه مع الأسواق الخارجية فيما تشهده الأسواق المحلية من عدم استقرار قال المحارمة انه لا يمكن لأحد إنكار وجود ترابط بين جميع اقتصادات العالم، ولكن ان يتم الحديث عن ترابط مباشر ما بين الأسواق المحلية والعالمية وعلى وجه الخصوص الأميركية منها على النحو الذي يجري حالياً فان ذلك يعد أمراً غير منطقي وحتى في حالة إقرارنا بوجود هذا الارتباط فلماذا لا تتفاعل الأسواق مع الأداء الايجابي لنظيرتها العالمية إلا بنسبة بسيطة.

مبررات الارتباط

ربما لن يكون من قبيل الاكتشاف القول ان الربط على هذا النحو لم يعد له ما يبرره خاصة وان الارتفاع الذي سجلته أسواقنا المحلية كان بنسبة بسيطة مقارنة مع تلك المسجلة بالأسواق العالمية مما يعني عدم وجود منطقية في الترابط، وبمعنى آخر فان ارتفاع الأسواق الأميركية إلى أعلى مستوياتها يستوجب بالضرورة في ظل الحديث عن وجود ترابط ارتفاع الأسواق المحلية بنفس النسبة تقريباً.

ولكن ما يحدث على أرض الواقع لا يعكس حقيقة وجود الارتباط إلا في الهبوط وبكل ما هو سلبي فقط. وأشار المحارمة إلى انه وحتى الحديث عن موضوع الارتباط مع الأسواق الخليجية الأخرى لا توجد له منطقية في ظل الارتفاعات التي سجلتها هذه الأسواق وخاصة السوق السعودي ونجاحها في تعويض جزء كبير من خسائرها في حين مازالت أسواقنا تراوح مكانها بحيث كلما ارتفعت وحققت مكاسب عادت لخسارتها في غضون أيام قليلة.

وأكد أن المطلوب من أجل ضبط التوازن في تحركات الأسواق إيجاد صانع للسوق حيث تتمكن الأسعار والمؤشرات من المحافظة على المكاسب التي تحققها، كذلك فان من شأن وجود صانع للسوق سيساهم في إعطاء نوع من الطمأنينة للمتعاملين وسيساعد أيضاً في تغيير السلوك الاستثماري. وأضاف: أخيراً يمكنني القول ان إيجاد التوازن في أسواق الأسهم وضبط تحركاتها سواء لجهة الصعود أو الانخفاض لا يتطلب إصدار تشريعات أو قوانين جديدة بقدر ما يرتبط بوجود صانع للسوق يساهم في وضع حد للتقلبات التي نشاهدها منذ مدة طويلة.

الاستثمار المؤسسي

من جانبه قال حسام الحسيني مدير الوساطة في شركة إعمار للخدمات المالية إن التذبذب الكبير الذي تشهده الأسواق وعدم الاستقرار في تحركاتها طيلة الفترة الماضية يعود ومن وجهة نظري لعدة أسباب، منها ما هو متعلق بغياب الاستثمار المؤسسي المؤثر والذي يمتاز بطول فترة مكوثه في الأسواق.

مشيراً إلى انه لم يكن من المستغرب في ظل حالة عدم الاستقرار أن يتحول حتى الاستثمار المؤسسي الموجود إلى المضاربة التي أصبحت تستحوذ على النسبة الأكبر من التعاملات بعدما بات المتعاملون الأفراد يسيطرون على التداولات. ويتابع الحسيني حديثه قائلاً كذلك فان من أسباب عدم الاستقرار في الأسواق قلة الأدوات الاستثمارية والتي ستساهم في حال توفرها في إعطاء عمق أكبر للسوق سواء من حيث أحجام التداولات ونوعيتها أو شرائح المتعاملين في السوق.

وأوضح أن سيطرة الاتجاه الهابط على أسواقنا خلال المرحلة الأخيرة جعلها تتأثر بالأمور السلبية أكثر من الايجابية التي تحدث في الأسواق العالمية لذلك ليس من المستغرب أن تفقد غالبية المكاسب التي تحققها خلال فترة وجيزة وذلك نتيجة ردة الفعل المبالغ فيها من قبل المتعاملين.

غياب السيولة

تجب الإشارة إلى أن غياب السيولة يلعب دوراً في حالة عدم الاستقرار التي تشهدها الأسواق والتي بدورها لا تشجع على دخول سيولة جديدة نتيجة عدم وجود المحفزات المطلوبة. وقال الحسيني إن أحدث الدراسات التي قمنا بإجرائها أظهرت أن الارتباط بين الأسواق المحلية والأميركية يميل إلى السلبية مما يعني عدم وجود مثل هذا لارتباط بين السوقين خاصة على المدى البعيد.

مشيراً إلى أن مبالغة البعض في ترسيخ القناعة بوجود ارتباط مع الأسواق الخارجية يعود بالدرجة الأولى لعدم عمق السوق وسيطرة عمليات المضاربة على التداولات، ومن الطبيعي أن يلجأ البعض إلى اختلاق أسباب سواء للصعود بالأسعار أو تراجعها إلى تحركات الأسواق الخارجية، وأعتقد أن غياب الاستثمار طويل الأمد الذي من شأنه إعطاء الطمأنينة للمتعاملين يلعب دوراً في لجوء البعض للربط مع الأسواق الخارجية وهو ما ينعكس على عدم الاستقرار في أسواقنا المحلية

الاتجاه الهبوطي

شهد العام 2009 تذبذبات كبيرة في الأسواق نتيجة عوامل عديدة اختلف المحللون حول طبيعتها. وكرر الحسيني التأكيد مرة أخرى أن الاتجاه الهبوطي المسيطر على تحركات الأسواق يجعلها عرضة للتأثر بكل ما هو سلبي في الأسواق الخارجية، قائلاً إن فكرة الارتباط بالأسواق الخارجية تعمقت لدى قطاع واسع من المتعاملين بعد خروج الاستثمارات الأجنبية المفاجئ من الأسواق نهاية العام الماضي وما تسبب به هذا الخروج من خسائر كبيرة تكبدتها الأسواق والمتعاملون وتجاوزت قيمتها 100 مليار درهم.

حالة خوف

بمعنى آخر إن خروج الاستثمارات خلق حالة من الخوف لدى المتعاملين وعزز من الارتباط النفسي مع الأسواق الخارجية خاصة من الناحية السلبية واعتقد أن مفهوم البعض عن صانع السوق هو مفهوم خاطئ وفي غير محله فنحن بحاجة إلى صندوق يتولى ضبط التعاملات في الأسواق ويساهم في الحد من الارتفاعات الكبيرة والانخفاضات المبالغ بها كذلك فان معالجة الخلل الحاصل في الأسواق يتطلب أيضاً العمل على زيادة عمقها واستقطاب مؤسسات مالية عالمية وتشجيع المؤسسات المحلية للاستثمار .

وهي العناصر التي ستساهم بدورها في استقرار الأسواق وترفع من أحجام التداول، كما يمكن أن يساعد خلق أدوات استثمارية جديدة وتشجيع صناديق التحوّط للعمل في الأسواق في ضبط الاستقرار وسيخدم المصلحة العامة لهذه الأسواق والمتعاملين على حد سواء. وقال الحسيني لا شك أن هناك مسؤولية تقع على عاتق المؤسسات المحلية في تعزيز استقرار الأسواق المالية ولكنني لا أحب الاستفاضة في هذا الموضوع وذلك لكون هذه المؤسسات أدرى بما يجب أن تتحمله من مسؤولية.

100

بلغت خسائر الأسواق نتيجة خروج الاستثمارات الأجنبية خلال الفترة الأخيرة نحو 100 مليار درهم

2009

شهد العام 2009 تذبذبات ملحوظة في الأسواق وذلك بسبب عوامل عديدة اختلف المحللون حول طبيعتها

محللون نفسيون لفهم سلوك المتعاملين

هل بات الأمر بحاجة للاستعاضة عن المحلل المالي بمحلل نفسي حتى نستطيع فهم سلوك المتعاملين وما يحدث في أسواق الأسهم من أمور غير مبررة؟ وهل هناك من يستطيع أن يقنعني بوجود ارتباط مثلاً بين إفلاس جنرال موتورز وتراجع سهم أسماك بنسبة 32% منذ بداية العام؟ وهل لشركة أبوظبي الوطنية للتأمين علاقة مع «إيه آي جي» الأميركية، وهل لشركة الدواجن والعلف إدراج مزدوج في بورصة نيويورك؟

هذه التساؤلات وغيرها لطالما حدثت بها نفسي في ظل ما نراه هذه الأيام من مبالغة البعض في محاولة ترسيخ قناعة بوجود ارتباط مباشر بين أسواقنا المحلية والعالمية إلى الدرجة التي جعلت شريحة من المتداولين يعتمدون في اتخاذ قراراتهم بالبيع أو الشراء بناء على تحركات الأسواق الخارجية وعلى وجه الخصوص الأميركية منها.

كنا فيما مضى من الوقت نعاني من مبالغة البعض في ربط توجهات الأسواق المحلية مع نظيرتها الخليجية وفي مقدمتها السعودية وكان امراً مقبولاً إلى حد ما، على اعتبار وجود إدراجات مزدوجة ولو بنسبة قليلة، بالإضافة إلى أن السماح بتملك مواطني دول التعاون في هذه الأسواق جعل هناك سهولة في انتقال الأموال بينها وبالتالي التأثير في تحركاتها، ولكن الأزمة الاقتصادية العالمية قلبت المعادلة وبتنا نرى تحولاً في الربط مع الأسواق الخارجية على نحو غير منطقي ولا يمكن استيعابه في ظل اختلاف الظروف وخصوصية كل سوق وطبيعة الشركات العاملة فيه.

لا يمكن لأحد الإنكار أن سياسة الانفتاح الاقتصادي على العالم يترتب عليها أن نتأثر بما يجري من حولنا من أحداث ومن ضمنها الأزمة الاقتصادية العالمية، ولكن من غير المعقول أن تكون انعكاسات تلك الأزمة علينا أكثر من البلدان التي تعتبر بؤرة لها، لذا فقد بات من الواجب على المستثمرين إعادة النظر في سلوكهم كما أصبحت هناك حاجة لمزيد من برامج التوعية التي تساعد في خروجنا من هذا المأزق بأسرع وقت ممكن.

أبوظبي ـ ناصر عارف