أجمع خبراء ومسؤولون في قطاع الخدمات التسويقية أن الأزمة الاقتصادية الحالية عززت سوق الاستشارات الإستراتيجية في الدولة والمنطقة بشكل عام لا سيما في المؤسسات والشركات التي شهدت ركوداً ملحوظاً في أعمالها بسببها حيث بدأت بطلب حلول إدارية مبتكرة لتخفض التكاليف التشغيلية وتعزز إنتاجية العمل.
وأكد هؤلاء أن النصف الاول من العام الجاري لم تهدأ فيه معدلات الطلب على الاستشارات بسبب الأزمة المالية العالمية وهو شبيه بالفترة نفسها من العام الماضي التي كانت فيه الاسواق أكثر انتعاشا. وأشار البعض إلى أن قطاعاً الطيران والاتصالات يحصلان على حصة الأسد من الاستشارات الادارية والتسويقية حيث ان هذه الشركات تنافس على نفس المجموعة من العملاء والتحدي الأبرز الذي تواجهها هو الحفاظ على انجازاتها الكبيرة وسمعتها التي وان ضاعت ستؤثر كبيراً عليها. وفي السياق ذاته أكد فراس سليم مدير مكتب الإمارات في شركة فرتشو للعلاقات العامة والتسويق أن وجود الأزمة أثر إيجابيا على سوق الاستشارات وبشكل خاص الأمور التخطيطية على نطاق الإدارات العليا.
وأشار إلى أن هذه الخدمات تأخذ مقعدا أماميا على طاولة الإدارات العليا. ونوه سليم أن الإدارة العليا والسمعة تعتبر أهم أصول الشركات ولذلك تسعى في فترة الحالية وفي ظل العقبات التي قد تواجهها إلى إعادة هيكلة إدارتها والمحافظة على أدائها من خلال الاستناد إلى بعض الاستشارات الادارية لكبار الموظفين والمدراء في الشركات. مزيد من الجدية وأضاف سليم أن قطاع المنتجات سريعة الاستهلاك بدأ بالاطلاع على الحلول الادارية بشكل أكثر جدية مما سبق كما أن عمليات الدمج بين الشركات الكبيرة أو المتوسطة أثرت إيجابيا على الخدمات الاستشارية من خلال اعتماد تلك المؤسسات على نظام إداري جديد وإعادة الهيكلة والاستعانة بالمزيد من الخدمات في مجال الاستشارات التسويقية والإدارية.
واعتبر سليم أن الشهور الست الماضية ساهمت بنمو حجم الأعمال الاستشارات بنسبة لا تقل عن 10% وبالنسبة للمردود المالي أوضح أن بعض هذه المؤسسات اتجهت إلى تخفيض رسومها ما بين 10 إلى 20% بغية توسيع قاعدة العملاء والاحتفاظ بهم نظرا للظروف الصعبة التي يواجهها البعض منهم ونوه إلى أن قطاع الاستشارات الوظيفية اقل حظا لما تتحمله الشركات من عمليات تسريح لموظفيها وقلة التعيينات في الوقت الراهن الأمر الذي عمل على قلة التنافس والتحدي في هذا المجال.
وعلى صعيد المنطقة والعالم يرى سليم أن الطلب نما بشكل محدود في الشركات العالمية لما تملكه من خبرة كافية ومستشارين داخليين بالمؤسسة. على عكس أسواق الشرق الأوسط التي تتميز بحداثتها وندرة الخبراء وخصوصاً في مجال إدارة المخاطر والأزمات وإدارة السمعة المؤسسية.
وتوقع سليم أن حدوث عملية التعافي من الأزمة في المستقبل وبشكل خاص في المنطقة ستولد المزيد من العلميات الاستثمارية والمشاريع الجديدة وسيؤدي ذلك إلى استمرار عجلة الاعتماد على الخدمات الاستشارية وخصوصاً في القطاع الوظيفي التي ستتنافس فيه المؤسسات على استقطاب الكفاءات المميزة.
وأفاد الدكتور علي ألاشراب خبير إداري دولي أن الأزمة الاقتصادية الحالية عززت سوق الاستشارات الإستراتيجية في المنطقة لا سيما في المؤسسات والشركات التي شهدت ركوداً ملحوظاً في أعمالها بسببها حيث بدأت بطلب حلول إدارية مبتكرة لتخفض التكاليف التشغيلية وتعزز إنتاجية العمل.
وتقوم تلك المؤسسات بالعمل على تحديد مهام ومسؤوليات الشركات الاستشارية لتطوير استراتيجيات تبني أنظمة العمل وتساعد فى تحديد العقبات وإيجاد الحلول وتطوير مخططات استشارية ملائمة لتحسين العمل اليومي فى المؤسسات وإدارة المتغيرات والدعم في المراحل الانتقالية.
التحدي والاستجابة
ومن جهة أخرى قال شراب: أثرت عملية تسريح العمال على قطاع الوكالات الوظيفية غير أنها لم تؤثر على قطاع استشارات الموارد البشرية حيث ان الأزمة تشكل تحدياً كبيراً للشركات لإدارة مواردها البشرية وبث روح الايجابية فيما بينهم وتعزيز ولاءهم وفهمهم للأزمة للحصول على تأييدهم وتعزيز انخراطهم في رؤية المؤسسات التي يعملون فيها.
وعلى الرغم من الأزمة هناك منافسة خفية بين الشركات لاستقطاب الكفاءات البشرية. وحث شراب الشركات أن تفتح حواراً صادقاً مع موظفيها للوصول معاً إلى سيناريوهات مناسبة للطرفين للحفاظ عليهم ومنها على سبيل المثال نقلهم إلى مجموعات عمل أخرى أو تخفيض رواتبهم مقابل منحهم نسب معينة من الإيرادات أو الأسهم.
وتزايد الحاجة إلى توظيف كفاءات إدارية أسهمت في استقرار رواتب المدراء التنفيذيين الشرق الأوسط على رغم من الأزمة المالية العالمية. رغم ان رواتب التنفيذيين الميدانيين شهدت انخفاضاً بنحو 30 % لكنه لن يكون ذا اثر الكبير على الموظفين أنفسهم حيث سيصاحبه هبوط في تكاليف المعيشة يرجع إلى انخفاض الإيجارات السكنية.
وحول القطاعات الأكثر طلباً للخدمات الاستشارية أستطرد شراب قائلا: برهنت عدة قطاعات اقتصادية في الخليج قدرتها الواسعة على المنافسة دوليا وهذا ما يستلزم خبرات عالية تستطيع الحصول عليها عبر الاستشارات التسويقية والإدارية المناسبة لا سيما في الأسواق التي لا تتواجد فيها فعليا.
وتستوعب منطقة الخليج الأدمغة الاستشارية الدولية حيث افتتحت العديد من هذه الشركات مكاتب إقليمية لها في الدولة لخدمة أسواق المنطقة بأسرها. كما أنها استعانت بالفئات الاستشارية المحلية لتزودها بالمعرفة المعمقة عن أسواق المنطقة وخصائصها. ومع برامج الخصخصة وإعادة الهيكلة وتحرير القطاعات التي تشهدها المنطقة سينمو قطاع الاستشارات بشكل ملحوظ خلال الفترة القادمة على الرغم من الأزمة المالية الحالية وقطاعاً الطيران والاتصالات يحصلان على حصة الأسد من الاستشارات الادارية والتسويقية حيث ان هذه الشركات تنافس على نفس المجموعة من العملاء والتحدي الأبرز الذي يواجهها هو الحفاظ على انجازاتها الكبيرة وسمعتها التي وان ضاعت ستؤثر تأثيرا كبيراً عليها.
ويضيف شراب أن النصف الاول من العام الجاري لم تهدأ فيه معدلات الطلب على الاستشارات بسبب الأزمة المالية العالمية وهو شبيه بالفترة نفسها من العام الماضي التي كانت فيه الاسواق أكثر انتعاشا. ومن المتوقع أن تستعيد الأسواق العالمية والخليجية عافيتها في العامين القادمين مما يستدعي عدم الاستغناء عن خدمات الاستشارات داخل المؤسسات ولكن بتكلفة منصفة للطرفين. وتعد خدمات الاستشارات مهمة في هذه المرحلة لترتيب البيت الداخلي لهذه المؤسسات لتكون أكثر فعالية عندما يزدهر السوق من جديد.
غياب الاحصاءات
وذكر شراب انه لا توجد إحصائيات عن بدل أتعاب المستشارين في الوطن العربي. ويرجع السبب في ذلك إلى عدم احترافية مهنة الاستشارات في المنطقة مما يجعل الكفاءات الاستشارية غير قادرة على تقديم نفسها بطريقة ملفتة ومعبّرة.
واظهر استبيان حديث أن 85 % من شركات الاستشارات المتخصصة في المجالات الهندسية والإدارية والتسويقية والاتصالية في الخليج هي دولية تقاضي عملاءها عن كل مستشار أجراً يوازي ضعفين ونصف أجر الموظف المتفرغ بشكل مقطوع. وقد خلق الطلب الكبير على الاستشارات نوعاً من قلة التنظيم الذي أثر سلبياً على احترافية القطاع من خلال توفير خدمات استشارية غير فعالة ومكلفة في آن معاً.
الاستشارات والمصداقية.. وجهان لعملة واحدة
وجدت ما يثير تساؤلي حول النظرة العالمية لمفهوم الخدمات الاستشارية وحول الفروق بين دول العالم وبيننا في المنطقة.. أجابني الدكتور علي شراب الخبير الإداري الدولي قائلاً: استوقفني مرة مستشار دولي في مؤتمر شاركنا فيه سوياً ليقول لي: إن الاستشارات والمصداقية وجهان لعملة واحدة، فأكسجين هذه المهنة وفقاً لزميلي الخبير الأجنبي هو الشفافية والوضوح.
الاختلاف واضح حيث تفكر الشركات الأوروبية على سبيل المثال لا الحصر بعقلية وقائية بمعنى أنها تستخدم المستشارين لتطوير العمليات بدلا من الاستعانة بهم لحل المشكلات.
وعلى المؤسسات العامة والشركات الخاصة في الخليج أن تتطلع أيضاً بإنصاف إلى تحديات المستشارين والذين يواجهون في معظم الأحيان عدم تعاون من الفئات الوظيفية أو عدم قدرة على الانخراط في الثقافة المؤسساتية للعملاء أو التعامل مع مدراء غير كفوئين وغيرها من المصاعب التي تخفض من إنتاجيتهم وتؤثر على كفاءتهم في صياغة حلول فعالة وقابلة للتنفيذ.
ورغم كل هذه التحديات فإن مهنة الاستشارات موجودة وقديمة قدم وجود العلاقات على وجه الأرض لأنها تقوم أساسا على النصح والإرشاد والتجاوب معها لتقديم اكبر قدر من المساعدة. ومهنة الاستشارات وجدت لتغطي الحاجة إلى التكامل بين العقول البشرية، وتطورت في وقتنا الحاضر لكي تتبنى برامج تسويقية ممنهجة لتسويق قطاعات معينة على النحو المطلوب كحاجة رئيسية لتطوير الاقتصادات العربية.
أبو بكر الشيزاوي


