تحول مشهد التنافس بين الإمارات وألمانيا حول استضافة مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة ( إيرينا ) إلي النقيض ، بأن حل محله مشهد « التعاون» في هذا المجال الحيوي ، ويري المراقبون أنه بعدما نفضت الدولتان عن كاهلهما غبار المنافسة .

وتبددت غيوم تناقض المصالح الذي لبد أجواء حلبة المنافسة لبرهة ، صارتا الآن علي يقين بأنه هناك الكثير من القواسم المشتركة التي تصلح لأن تكون قاعدة لعلاقات شراكة وثيقة فيما بينهما في مجال الطاقة المتجددة ، فعلي عكس ما توقعه البعض ، جاء الانسحاب الألماني لصالح ملف الإمارات ليضيف بعدا جديدا في تطور العلاقات الألمانية الإماراتية .وهو رسوخ القناعة لدى المسؤولين في الدولة بأن تعد شريكا مثاليا في مجال الطاقة المتجددة ، ويعدد الدكتور سلطان أحمد الجابر الرئيس التنفيذي لشركة «مصدر» مقومات علاقات الشراكة ، وتشتمل علي امتلاك ألمانيا للتقنيات المتطورة والقوى العاملة عالية الكفاءة والمهارة والبيئة الاستثمارية الجذابة.

وتحفز المشاريع المشتركة فيما بين الدولتين على خلق علاقة تزاوج بين أكبر مصنع للتقنيات النظيفة ، وهي ألمانيا ، ودولة المقر للوكالة الدولية للطاقة المتجددة ، وهي الإمارات ، ويبشر هذا التزاوج بحشد الجهود وتبادل الخبرات بين اثنين من الاقتصاديات القوية والحيوية في العالم ، وهو ما يؤثر بشكل قوي على ملامح مستقبل الطاقة ليس في منطقة الشرق الأوسط فقط ولكن في العالم كله . مشروعات مشتركة ولقد انشغلت دوائر المهتمين بالطاقة وخاصة الطاقة البديلة بالإعلان الهام عن نية 20 شركة ألمانية عملاقة تأسيس كونسرتيوم لتنفيذ اكبر مشروع من نوعه في العالم لإنتاج الطاقة الشمسية أطلق علية اسم « ديزرت تيك » برأسمال قدرة 400 مليار يورو. وذكرت تصريحات المسؤولين في تلك الشركات بعض من أهداف المشروع وأهمها إنتاج الطاقة البديلة بتكلفة اقتصادية في صحراء شمال إفريقيا.

وعلى عكس التقنيات المستخدمة حاليا لتوليد الطاقة الشمسية في ألمانيا من خلال لوحات الخلايا الضوئية فان المشروعات العملاقة في الإمارات وشمال أفريقيا سوف تستخدم تقنية الطاقة الشمسية الحرارية وهنا تبرز أهمية البحث العلمي التطبيقي في إيجاد حلول مبتكرة وعملية تخدم تطوير استخدامات الطاقة البديلة على نطاق واسع .

ومن هنا كانت مبادرة المهندس يحيى لوتاه قبل سنوات بالتحالف مع مؤسسة فرانهوفر الألمانية التي تضم 80 معهدا للبحوث العلمية التطبيقية في ألمانيا وفتح الطريق لتقديم خبراتهم محليا وإقليميا حين يعملون حاليا في مشروع مدينة مصدر ومعهد دبي للتكنولوجيا وغيرها من المشروعات الهامة التي ترسم ملامح اقتصاد المعرفة.

ويرى مراقبون أن الإعلان عن هذا المشروع الهائل يعد بكل المقاييس نقطة تحول في أسلوب عمل الشركات الألمانية التي توصف « بالمحافظة » مقارنة بالشركات الأميركية والانجليزية. إلا أن هذا التحول المهم نحو المبادرة بطرح الأفكار والمشرعات العملاقة لم يكن وليد الصدفة فبعد سنوات طويلة من العمل في المنطقة العربية جنبا إلى جنب مع كبريات الشركات العالمية ربما أراد الألمان أن يؤكدوا على مكانتهم كأقوى ثالث اقتصاد في العالم والدولة التي تحتل مركز الصدارة في تطوير وتشغيل تقنيات الطاقة المتقدمة.

وعلي أرضية التعاون بين الدولتين في مجال الطاقة المتجددة ، تبرز مسألة التقنيات الجديدة ، كذلك الفرص كبيرة في مجال استخدام ثاني أكسيد الكربون في الاستخراج المعزز للنفط كذلك في مجال الاستكشافات الجديدة الصديقة للبيئة.

ومؤخرا ، وضعت «مبادرة مصدر» التي أطلقتها حكومة أبوظبي من خلال شركة «مبادلة» لتطوير حلول الطاقة المتجددة والتكنولوجيا النظيفة حجر أساس مصنعها الخاص بإنتاج ألواح الطاقة الكهروضوئية في مدينة إخترشاوسن الألمانية بتكلفة «230» مليون دولار.

ويستخدم المشروع الصناعي الجديد تقنيات إنتاج متطورة تتيح إنشاء شبكة طاقة كهربائية شمسية تكافئ شبكة الكهرباء التقليدية ، وستنتج المنشأة الجديدة ستنتج أضخم وأقوى ألواح كهروضوئية في العالم «مساحة اللوح 7, 5مترات مربعة» باستخدام معدات من المزود أبلايد متيريالز الأمر الذي سيساهم في خفض تكاليف الإنتاج وتوفير الطاقة الشمسية بأسعار مناسبة.

وأرجع الدكتور سلطان أحمد الجابر الرئيس التنفيذي لشركة فيلا مصدرلا اختيار ألمانيا لإقامة منشأتها إلي كونها تعد مركزاً عالمياً للتكنولوجيا الكهروضوئية والتي تشكل دعما لرؤية «مصدر» الرامية إلى تسريع عملية تطوير واعتماد حلول الطاقة النظيفة في مختلف أنحاء العالم. وقال الرئيس التنفيذي لشركة «مصدر» انه من المفترض أن يبدأ الإنتاج الأولي في نهاية عام 2010.

وسيتم تخصيص إنتاج المنشأتين لشركات تركيب الأنظمة الكهروضوئية في أوروبا وتلبية احتياجات «مدينة مصدر» من الطاقة الشمسية. من جانبه قال ديتر ألتهاوس رئيس وزراء ولاية تورنجن إن الولاية تعد مركز أعمال متطورا في الوقت الذي تحتل فيه ألمانيا موقعا رائدا في مجال التقنيات البيئية الحديثة لا سيما تقنيات الطاقة الشمسية التي أرست معايير جديدة في القطاع.

موضحا أن اختيار أبوظبي المانيا لتكون نموذجا لنقل التقنيات والمعرفة يعود للإمكانات التكنولوجية الضخمة التي تتمتع بها ألمانيا والتي تشكل دعما لرؤية «مصدر» الرامية إلى تسريع عملية تطوير واعتماد حلول الطاقة النظيفة في مختلف أنحاء العالم.

وأضاف أن مصنع إنتاج الطاقة الكهروضوئية يمثل خطوة مهمة على صعيد تعزيز وترسيخ العلاقات التجارية بين ألمانيا ودولة الإمارات العربية المتحدة حيث إنه يفتح أفقاً جديداً للتعاون من أجل تطوير وتوفير حلول طاقة نظيفة ومستدامة حيث تعد دولة الإمارات أحد الشركاء الرئيسيين لألمانيا في منطقة الخليج في مجال التجارة غير النفطية.

والتي يبلغ حجمها حالياً نحو سبعة مليار دولار أميركي. ونوه بأن هذه المنشأة ستساهم في تعزيز العلاقات الاستثمارية ودعم المشاريع البحثية المشتركة بين «مصدر» والعديد من الشركات والمؤسسات الألمانية بما فيها «سيمنز» و«جامعة راينيش فيستفيليش للتكنولوجيا» في مدينة آخن الألمانية و«مركز الفضاء الألماني» .

المجلس المشترك

والسؤال الذي يطرح نفسه هو كيف لعبت العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الدول دورا كبيرا في إعادة صياغة الأفكار والأهداف بل وكيف يؤثر ذلك على صياغة مستقبل التعاون في مجال الطاقة باعتباره حجر الأساس في عملية التنمية والمحرك الأول للاقتصاديات العملاقة ؟

وتكمن الإجابة المنطقية علي هذا السؤال في الإعلان عن تأسيس المجلس الألماني الإماراتي المشترك للصناعة والتجارة ( AHK ) في شهر مايو الماضي ، وحدد معالي المهندس / سلطان بن سعيد المنصوري وزير الاقتصاد أهداف هذا المجلس بإشارته إلى أن المجلس المشترك يهدف بصورة أساسية إلي تشجيع العلاقات التجارية بين ألمانيا والإمارات باعتبارها دولة تحتل مركزا رياديا في منطقة الخليج العربي وتتمتع بعلاقات متميزة مع الدول المجاورة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ويرصد المراقبون أن التعاون المشترك بين الإمارات وألمانيا في مجال الطاقة بشكل عام والطاقة المتجددة بشكل خاص ، يحتل صدارة أولويات عمل المجلس ، ويدللون على ذلك بتولي شخصيتين من العيار الثقيل في مجال صناعة الطاقة مقاليد إدارة أعمال المجلس المشترك .

وهما ( يوسف بن عمير بن يوسف رئيس مجلس إدارة شركة « بترول ابوظبي الوطنية » أدنوك الذي تولى رئاسة مجلس المجلس المشترك، والمهندس يحيى بن سعيد آل لوتاه الذي شغل منصب نائب رئيس مجلس الإدارة بالمجلس المشترك .

ويعد المجلس المشترك أول منظمة تجارية ثنائية على المستوى الاتحادي يتم أطلاقة في دولة الإمارات العربية المتحدة ويتألف مجلس الإدارة ومجلس الأمناء من ابرز ممثلي قطاع الأعمال في الدولتين ، ويعد المجلس بمثابة تتويجا لسنوات عديدة من تطور العلاقات الاقتصادية بين الدولتين وضعت دولة الإمارات على رأس قائمة الشركاء التجاريين لألمانيا بالشرق الأوسط دون منازع .

ومنذ بدء المجلس اجتماعاته ، تجلت الأولوية القصوى التي يعطيها لتطوير التعاون فيما بين الدولتين في مجال الطاقة المتجددة ، حيث أنه في أول اجتماعات المجلس المشترك الذي عقد بدبي الشهر الماضي أشار المنصوري في إجابته على سؤال حول الطاقة البديلة إلى حث دولة الإمارات على تنويع الاقتصاد كأولوية استراتيجية وعدم الاعتماد بشكل كامل على الموارد النفطية ، ونوه إلى أهمية نشر الوعي بأهمية موارد الطاقة البديلة.

أما المهندس يحيى بن سعيد آل لوتاه ، فقد أشار في كلمته إلى أن دولة الإمارات تمضى بخطوات ثابتة في مجال مشروعات البنية التحتية العملاقة وأن المجلس المشترك نموذج للشراكة والابتكار، وهو ما يدفع بالاقتصاد العالمي إلى الإمام رغم التباطؤ.

التزاوج بين مصلحتين

أكتسب التعاون في مجال الطاقة المتجددة بين الإمارات وألمانيا المزيد من الإلحاحية مع بروز مفارقة رئيسية في العلاقات التجارية والاستثمارية وهو عدم التوازي بين حجم الأموال الإماراتية المتدفقة علي السوقين الأميركي والبريطاني.

وتلك المتدفقة علي السوق الألماني ، بالرغم من وجود اذرع تجارية واستثمارية للدولتين تضع في صدارة أجندة عملها تعزيز روابط الأعمال بين الجانبين الإماراتي والألماني، بحيث صار التحدي الرئيسي هو كيفية المواءمة بين طرفي معادلة، يتجسد طرفها الأول في المصلحة الألمانية المتمثلة في العمل علي زيادة صادرات الشركات الألمانية إلى السوق الإماراتي، والاستفادة من الموقع الاستراتيجي للدولة في الحصول علي شريحة مهمة من السوق الخليجي بشكل عام.

فيما يتمثل الطرف الثاني في المصلحة الإماراتية في تصحيح الخلل الحالي في الميزان التجاري والذي يميل بشدة لصالح ألمانيا عن طريق إتاحة المزيد من النفاذ للسلع والخدمات الإماراتية إلى السوق الألماني ، فضلا عن إتاحة إمكانية التدفق السلس للأموال والاستثمارات الإماراتية ، وذلك على اعتبار أن الإمارات لم تعد دولة مصدرة للنفط فقط ، بل أضحت كذلك مصدرة للرأسمال .

ولكن ظل السؤال المطروح هو كيفية العمل علي ملء الفراغات في العلاقات الثنائية بين الدولتين ، وماهية مجالات التعاون التي تحقق مثل هذه الصيغة المتوازنة في تسيير العاقات الثنائية بين البلدين ، وهنا ، يبرز التعاون في مجال الطاقة المتجددة كسبيل لتحقيق المصالح المتبادلة ، فبمعزل عن ما إذا كانت ألمانيا تنظر إلي الإمارات علي أنها قاعدة انطلاقها مصادراتها من التقنيات النظيفة إلي أسواق الخليج .

وبمعزل أيضا عما إذا كانت الإمارات تنظر إلي ألمانيا علي أنها مصدرا للحصول علي تقنيات الطاقة النظيفة ، فإن المسألة الرئيسية هي كيفية ابتكار صيغ ومجالات تحقق التزاوج بين مصالح البلدين علي نحو متناغم . لخلق علاقة تزاوج بين أكبر مصنع للتقنيات النظيفة ودولة المقر للوكالة الدولية للطاقة المتجددة الإمارات وألمانيا .. « التعاون » محل « التنافس » على أرضية إيرنا.

مجدي عبيد