أسس «صندوق الدعم» الذي أصدر ه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء قانونا بتأسيسه أمس ، مرحلة جديدة في تعامل امارة دبي مع تداعيات الأزمة المالية العالمية ،تتمثل أبرز مفرداتها في نهج الأسلوب المؤسساتي في إدارة هذه التداعيات علي نحو كفؤ وفعال ، حيث سيكون بالإمكان تجميع الجهود المبذولة من جانب مختلف الهيئات تحت مظلة مؤسساتية واحدة .

وثمن محللون هذا الأسلوب بأنه سيسهم في تلبية احتياجات السوق من ناحية تعزيز مستويات الإفصاح والشفافية ، كما أنه سيوفر آلية تعين على الوقوف على الحجم الحقيقي للتحديات الناجمة عن الأزمة المالية العالمية ، وفي التوقيت ذاته ، يضع هذا النهج المؤسساتي امارة دبي على طريق توفير آلية للإنذار المبكر للأزمات ، على نحو يجعلها قادرا على التفاعل السريع مع أي أزمات مستقبلية ،بحيث تخرج إمارة دبي من عنق زجاجة هذه الأزمة ، وقد تجهزت بالأدوات والآليات التي تكفل لها معالجة مختلف التحديات الناجمة عن اندماجها في الاقتصاد العالمي .

ويرى محللون أن تأسيس هذا الصندوق ينطلق من امتلاك دبي للكثير من مقومات القوة الكامنة التي بقيت سليمة بالرغم من الظروف الاقتصادية السائدة، ومن هذه العوامل، البنية التحتية المتطورة، والبيئة التنظيمية الممتازة للقطاع المالي، والانفتاح على العالم، والأسس الاقتصادية القوية، وحضور الشركات الأجنبية، ووجود الاستثمارات الخارجية بكثافة في دبي .

عموماً، وبالتالي فهي في موقع يتيح لها الانطلاق بقوة عندما تتابع الدورة الاقتصادية حركتها ، خصوصا وأنه صار واقرا في الأذهان أن البقاء في منأى عن مجريات الأحداث العالمية والانفصال عنها هو محض أحلام. فجميع القوى الاقتصادية تأثرت بتراجع الاقتصاد العالمي، بما في ذلك دبي.

دحض المزاعم

ويدحض تأسيس هذا الصندوق المزاعم التي تتردد هنا وهناك بشأن افتقار دبي إلى الملاءة المالية التي تغطي ديونها ، حيث يؤكد تأسيس هذا الصندوق هو أن بناء دبي الحديثة لم يتم بالاعتماد كلياً على التسهيلات الائتمانية، إذ إن النمو الذي شهدته دبي في الماضي كان يعتمد على حقوق الملكية وليس على الدين ، كما أن طبيعة الديون في دبي مختلفة كلياً عن المديونية في أسواق أخرى مثل الولايات المتحدة الأميركية، حيث استخدمت الدين لتمويل عجز الإنفاق وزيادة الاستهلاك.

بينما تم اللجوء إلى الدين في دبي من أجل بناء مشاريع البنية التحتية والمرافق العامة، وهي استثمارات قادرة على تغطية نفقاتها ذاتياً ومن شأنها تعزيز الاستطاعة والقدرات الإنتاجية.

وقد طرحت أزمة الائتمان العالمية نوعين من التساؤلات ،يتعلق أولهما بمدى ونطاق تأثيرات هذه الأزمة علي أسواق الائتمان في منطقة الخليج بشكل عام والإمارات علي نحو خاص ، فيما يتصل ثانيهما بنوعية القطاعات التي ستكون أكثر انكشافا أمام مخاطر هذه الأزمة ، واجتهد المحللون في تسليط الضوء على أسباب وتداعياتها على الأسواق المالية، وتقييم المخاطر الناجمة عن انتقالها إلى الأسواق وسياسات وإجراءات التخفيف من آثارها.

ويري محللون ان تشكيل مثل هذا الصندوق يعد بمثابة رد عملي على الهواجس التي انتابت الأسواق بشأن تداعيات الأزمة الائتمان العالمية علي إمارة دبي ، حيث أن الأزمة تؤثر عملياً على المنطقة بما في ذلك الإمارات، لكن هناك قدرة واضحة على تجاوز تأثير تلك الأزمة في الدولة بعد أن أصبح لدى القطاع المصرفي حالياً أدوات تمكنه من التعامل بكفاءة مع الآثار الناجمة عنها، خصوصاً وان البنوك المحلية تتمتع بقدرات مالية عالية .

وهي قادرة على توفير الموارد اللازمة لتمويل الإقراض من خلال زيادة رأس المال الذي يجعلها تتوسع في إعطاء القروض دون الحاجة إلى الاعتماد على توفير مواردها من الأسواق العالمية بالدولار، لكن هناك وجهاً آخر لآثار الأزمة يتمثل بالشركات التي تحصل على الأموال بالعملات الأجنبية وبعض هذه الشركات مدرجة في أسواق الأسهم وبالتالي فإن تأثرها السلبي بتراجع موارد التمويل العالمية يمكن أن يترك انعكاساته على الأسواق المالية المحلية.

خصائص متفردة

فضلا عما سبق ، يختلف سوق العقار في دبي تماما عن نظيره الأمريكي كما أن المؤشرات التي يتأثر بها مؤشرات حساسة للغاية تعطي بعدا أكبر لقراءاتها، وبذلك فإن التأثيرات الداخلية التي تقع على الاقتصاد الأمريكي ليس بالضرورة أن تنتقل إلى الاقتصاد المحلي أو الاقتصاديات الأخرى المجاورة. وأيضا قروض الرهون العقارية في أمريكا توصف بأنها قروض عالية المخاطر ورديئة أما قروض الرهون العقارية في إمارة دبي فهي قروض ممتازة منخفضة المخاطر .

حيث لا تمنح للعميل إلا بعد التأكد من مستوى دخله وخلفيته الائتمانية ومقدرته على الإيفاء بسداد الأقساط إضافة إلى دراسة موقع الوحدات الممولة والتأثيرات المحيطة بها ، كما أن هناك سببا آخر وهو أن السوق العقارية المحلية سوق ناشئة وواعدة وليست سوقا متقدمة كالأسواق الأمريكية إضافة إلى زيادة الطلب على الوحدات السكنية تحافظ على نمو هذا القطاع لسنوات عدة مستقبلا .

وفي هذا المجال ، تري الدكتورة سلوى حمامي رئيس قسم البحوث في شركة أرقام كابيتال إن تأسيس مثل هذا الصندوق قد حقق فوائد إيجابية فورية ، تمثلت في انخفاض أسعار الفائدة بين البنوك ، ولم يقتصر هذا الانخفاض على التدفقات النقدية القصيرة الأجل فيما بين البنوك ، ولكن كذلك التعاملات النقدية الطويلة الأجل ، وهو ما أشر على توافر مستويات من السيولة .

وتقول الدكتورة سلوى حمامي أن تأسيس مثل هذا الصندوق من شأنه أن يوفر آلية قادر علي التعامل مع طلبات السوق من ناحية الإفصاح والشفافية ، حيث سيكون بالإمكان توفير معلومات أكبر عن حجم استفادة البنوك والشركات من التسهيلات المقدمة لها ، فضلا عن التعرف بشكل أكبر عن الوضع المالي للشركات ، على غرار شركة نخيل .

وأوضحت أن تأسيس هذا الصندوق يعد بمثابة خطوة فريدة من نوعها ، بتدشين آليات مؤسساتية في إدارة التحديات الناجمة عن اندماج اقتصاد دبي في الاقتصاد العالمي ، حيث سيكون لدى هذا الصندوق رؤية ومعرفة حقيقيين بكافة المشاكل التي يتعرض لها السوق .

تعزيز الثقة

وفي التوقيت ذاته، يمثل تأسيس هذا الصندوق أحد تدابير تعزيز الثقة في الأسواق ، حيث يعد بمثابة تجسيد عملي لإتباع النهج الذي وصفه البعض ب «سياسات الشمس المشرقة» في إشارة إلى الشفافية والحكومة، حيث تعرض العالم للتغير خلال الأشهر الماضية ، واهتزت الثقة بشكل جذري وعميق، وبالتالي ، يمثل الصندوق ترجمة عملية علي تصميم الإرادة السياسية في إمارة دبي علي الخروج بسلاسة من هذا المنعطف التاريخي .

حيث ان الحوكمة والشفافية لهما قيمة مضافة مهمة، وفي غياب الشفافية، ستتفاقم مضاعفات الأزمة، وستتصاعد المخاوف، وستنتشر الإشاعات، وفي النهاية، يدخل الجميع في دائرة مغلقة غير معروف كيفية الخروج منها، وبالتالي، وعندما يجري إتباع هذه الحزمة من سياسات الشمس المشرقة، يكون بالمقدور استعادة الثقة ، حيث بمقدور الفرد معرفة ما يحدث فعلا وإلى أين تتجه الاقتصاد ، حيث ان الثقة هي عبارة عن مفهوم مجرد لا يمكننا رؤيته أو لمسه، ولكن يمكن إدراكه والإحساس به.

والثقة قادرة على إيجاد الدافع لاستعادة الثقة ، فلم تعد هناك رفاهية الانتظار، باعتبار أن الأزمة آخذة في الامتداد والتوسع والانتشار بوتيرة سرعة غير طبيعية.

الإرادة السياسية

وعلى نفس المنوال، يؤكد الصندوق الدليل على تصميم الإرادة السياسية على تجاوز الأزمة ، حيث أنه يعبر عن قوة الدعم الحكومي لمختلف المؤسسات والشركات سواء أكانت عامة ، وهو ما يعبر بوضوح عن اقتناع راسخ بأن الارادة الحكومية هي الوحيدة التي ستستعيد الثقة، لأنها يجب أن تضع القواعد بشأن الكيفية التي بها سيتم تخصيص الأموال التي ترصدها ، وبالتالي، فإنه إذا كان من المتعين على الإرادة الحكومية التدخل، فانه من المتعين كذلك أن تنظم الأسواق نفسها.

ولعل السؤال المطروح بشأن ما إذا كان من المقدر بعد فترة من الوقت نسيان الأزمة، ومن ثم، الوقوع في نفس الفخ مجددا، هنا يقدم صندوق الدعم الإجابة على هذا السؤال ، حيث سيكون بمقدوره التعامل السريع مع أي أعراض أزمة مستقبلية .

انعكاس طبيعي لقوة المقومات الاقتصادية

تميزت السياسات التي اتبعتها دولة الإمارات بشكل عام ودبي علي وجه الخصوص في التعامل مع الأزمة المالية العالمية بروح الابتكار ، فلم تكن مجرد استجابة لتحديات الأزمة ، فعلى مستوى السياسات النقدية ، جرى ضخ سيولة لإنعاش أسواق الائتمان والقطاع المصرفي، وعلى مستوى السياسة المالية ، تم الإعلان في إمارة دبي عن ميزانية تنطوي على عجز ، ولكن مثل هذا العجز يعد الأول من نوعه على مدار ست سنوات ، حيث سجلت الميزانيات خلال هذه السنوات فوائض .

وبالتالي، تتسم مقومات اقتصاد الإمارات بالقوة، حيث قادت الفوائض المالية المتحققة على مدار السنوات الست الماضية إلى تراكم رأسمالي كبير ، إذ بلغ متوسط هذه الفوائض ما يتراوح بين 5 و 6 % من الناتج المحلي الإجمالي، وبالتالي ، تظل حالة الاقتصاد الإماراتي في عام 2009 تتسم بصحة والعافية.

وعلى الرغم من أن الإمارات تخطط لتحقيق أفضل النتائج ، إلا أنها في نفس الوقت تضع في حسبانها أسوأ السيناريوهات ، وتتطلع إلى اللحظة التي تكون فيها مثل هذه السيناريوهات السيئة خلف ظهرها ، ورغم كل التحديات ، ما زلت الإمارات متمسكة بنهج الانفتاح ، كما أنها تتبع اقتصادا مفتوحا .

سياسات استباقية لمواجهة أية مستجدات

اتبعت الدولة سياسات استباقية في معالجة تداعيات الأزمة ، سواء من ناحية ضمان الودائع في البنوك ، أو من ناحية ضخ السيولة النقدية ، أو من زاوية ضمان الائتمان ، وقد ساهمت هذه الإجراءات في الحفاظ على استقرار أسواق الائتمان والنظام المصرفي ، وهو ما قاد كذلك إلى تخفيف الضغوط على السياسة النقدية.

ويمكن ان ننظر إلى عجز الموازنة على أنه نتيجة للأوضاع العالمية ، ولكن تبقى مقومات الاقتصاد الإماراتي تميز بالقوة ، سواء من ناحية السياسات التي جرى اتباعها والتي ساهمت في تنويع هيكل الاقتصاد الإماراتي ، وزيادة انفتاحه على العالم الخارجي ، وتحرير سياسات العمالة والتوظيف ، ومن شأن تضافر هذه الاعتبارات مجتمعة أن تساعد الإمارات على استعادة الانتعاش ، والخروج من معدلات النمو المنخفضة .

دبي - مجدي عبيد