أفاد تقرير إحصائي أصدرته بي بي إن أسواقُ الطاقة العالمية تبعت عموما نمط التغير الحاد نفسَه للاقتصاد العالمي في سنة 2008، وسط مناخ يشوبه اضطرابٌ غير مسبوق. فقد ارتفعت أسعار الطاقة إلى أرقامٍ قياسية مع ازدهار النمو الاقتصادي في النصف الأول من السنة.

ثم انهارت مع التراجع المفاجئ للاقتصاد العالمي ودخوله طورَ ركود عقب الأزمة المالية. وبالنسبة للمنتجين فان التغيرات الكبيرة في الاسعار تعقد قرارات الاستثمار التي ترتكز نظريا على وضع سيناريو اسعار طويل الامد. واحتمال ارتفاع سعر النفط من جديد يشكل خطرا على اقتصادات الدول المستهلكة التي لا تزال مترنحة. وبدا أن الاهتمام بات ينصب على الغاز الطبيعي خصوصاً بعد توقيع اتفاق إقامة خط أنابيب نابوكو بين دول الاتحاد الأوروبي وتركيا أول من أمس الاثنين.

ومضى التقرير يقول: لكنَّ هذه السنة كانت مميزة لسببٍ آخرَ كذلك، قد لا يقل شأنا من حيث عمق آثاره على المدى الطويل، وإنْ كان أقلَ إثارة. فللمرة الأولى، تجاوز استهلاك الطاقة الأولية في الدول النامية، وعلى رأسها الصين، استهلاكَ دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

ووفقاً لطوني هايوارد المدير التنفيذي لشركة بي بي فإن مركز ثقل أسواق الطاقة العالمية مال بشدة وبشكل لا رجعة فيه نحو دول العالم الناشئة، وبالأخص الصين. وأضاف: ليست هذه ظاهرةً مؤقتة، بل أنا على يقين من أنها ستتفاقم مع الوقت. وستستمر في التأثير على الأسعار حاملة معها تحدياتٍ جديدة للنمو الاقتصادي، وأمن الطاقة، والتغير المناخي. وحذر هايوارد من أن هذا التحول سيؤدي إلى تقلبات على المدى القصير، وقال: لكنني لا أشك في أن التنوع والمرونة التي تتحلى بهما أسواق الطاقة العالمية سيضمنان استمرارَ تدفق إمدادات الطاقة إلى المستهلكين بشكلٍ فعال ودون انقطاع.

وقال الخبير الاقتصادي في شركة بي بي كريستوف رويل إنه بالرغم من التأرجح المثير للاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة، وتُظهر بيانات التقرير مدى محافظة هذه الأسواق على أمن الطاقة خلال السنة. وأضاف أن تركَ الأسواق تواصل عملها بحرية ودون تدخل يظل هو المفتاح إلى إدارة التقلبات الحتمية للأسعار.

وورد في التقرير أن احتياطيات النفط المثبتة تبلغ 2, 1 مليار برميل، باستثناء الرمال النفطية الكندية، ما يكفي لـ 42 سنة من الاستهلاك بمعدلات إنتاج 2008. واستنادا إلى المعدلات نفسها، تكفي احتياطيات الغاز لـ 60 سنة والفحم لـ 122 سنة.

وفي معرِض بيان التحولات القصوى التي شهدها الاقتصاد العالمي في سنة 2008 - من نموٍ قوي تبعه انخفاضٌ حاد - يشير التقرير إلى أن الاستهلاك العام لمصادر الطاقة الأولية قد ارتفع بمعدل 4, 1% فقط، وهو الارتفاع الأدنى منذ 2001. وقد استهلكت الصين وحدها ثلاثة أرباع هذه الزيادة، بينما استهلكت عموم دول آسيا باسيفيك جلَ ما تبقى منها.

أما في دول العالم المتقدم، فقد انخفض الاستهلاك بمعدل 3, 1% مع تسجيل أشد هبوط سنوي للطلب منذ 1982 في الولايات المتحدة الأميركية، بمعدل 8, 2%.

النفط

ارتفع متوسط سعر برميل النفط الخام (برنت) إلى 26, 97 دولاراً أميركياً سنة 2008، أي بمعدل 34% مقارنة مع السنة السابقة، وهو الارتفاع السنوي السابع على التوالي. غير أن هذا المتوسط السنوي للارتفاع يحجب تغيراتٍ كبيرة حصلت في سنة 2008. فقد ابتدأت السنة بسعر يقارب 100دولار للبرميل، ثم بلغ السعر أوجه في أوائل يونيو بـ 144دولارا، ثم انخفض بشدة إلى ما دون 40 دولارا في أواخر السنة.

وكان هذا الهبوط نتيجة ارتفاع الإنتاج في دول أوبك والتباطؤ السريع في الاستهلاك في النصف الثاني من العام. وبشكل إجمالي، انخفض استهلاك النفط بمعدل 6, 0% في السنة، ما يعادل 420 ألف برميل في اليوم؛ وهذا أولُ هبوطٍ للاستهلاك منذ سنة 1993 والهبوطُ الأشد في السنوات الـ 27 الأخيرة. وشمل ذلك هبوطاً شديداً في الطلب، بلغ 5, 1 مليون برميل في اليوم، في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للسنة الثالثة على التوالي، أما الدول خارج المنظمة، فقد شهدت نمواً في الطلب أبطأ من المعتاد لم يزد عن 1, 1 مليون برميل في اليوم.

وبالرغم من الانخفاض الإجمالي في الطلب، ارتفع الإنتاج النفطي بمعدل 4, 0% أي ما يعادل 000, 380 برميل في اليوم، ويعود ذلك أساساً إلى ارتفاع معدلات الإنتاج في دول أوبك. وبالرغم من التخفيضات التي سُجلت في السنة، فإن متوسط الإنتاج لدول أوبك سجل ارتفاعاً فعلياً يقدر بمليون برميل في اليوم، أي بمعدل 7, 2 في المئة. ويعود ذلك إلى منطقة الشرق الأوسط، حيث ارتفع إنتاج المملكة العربية السعودية بمعدل 000, 400 برميل في اليوم وإنتاج العراق بمعدل 000, 280 برميل في اليوم.

أما الإنتاج خارج دول أوبك، فقد سجل الانخفاضَ الأشد منذ العام 1992، هابطاً بمعدل 4, 1 في المئة، أي بمعدل 000, 601 برميل في اليوم، مع انخفاض الإنتاج في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بمعدل 4 في المئة، ما يعادل 000, 750 برميل في اليوم، مدفوعاً بتخفيضات الإنتاج في عدة دول بأميركا الشمالية وأوروبا.

وقد سُجل الانخفاض الأكبر في المكسيك، حيث هبط الإنتاج إلى 000, 310 برميل في اليوم. أما في روسيا، فقد انخفض الإنتاج للمرة الأولى منذ سنة 1998، بمعدل 000, 90 برميل في اليوم. وإنتاج المملكة المتحدة بمعدل 000, 94 برميل في اليوم، أي بنسبة 3, 6 في المئة، إلى أدنى مستويً له في 30 سنة.

الغاز

ارتفع استهلاك الغاز بمعدل 5, 2 في المئة، أي دون متوسط العشر السنوات الأخيرة. فقد ارتفع الاستهلاك في الولايات المتحدة الأميركية بمعدل 6, 0في المئة، حيث بقيت الأسعار المعروضة أقل بكثير من أسعار النفط. أما في الدول الأخرى، فقد انفرد الشرق الأوسط بتسجيل نموٍ فوق المتوسط، مدفوعاً بطلبٍ محليٍ كبير.

أما أسعار الغاز المعتمِدة على مؤشر النفط في الدول الأوروبية ودول آسيا-باسيفيك ودول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فقد ارتفعت بسرعةٍ أكبر، ما يعني أن نمو الاستهلاك كان دون المتوسط، إذا أخذنا في الاعتبار تأثير الركود.

وقد أتت أكبرُ زيادةٍ في نمو الطلب على الغاز من الصين، حيث ارتفع الاستهلاك بمعدل 8, 15 في المئة. وارتفع استهلاك الغاز في المملكة المتحدة بمعدل 3 في المئة، حيث أصبح يعادل 9, 39 في المئة من احتياجات المملكة لمصادر الطاقة الأولية، ما يفوق المتوسط العالمي البالغ 1, 24 في المئة.

عالمياً، ارتفع إنتاج الغاز بمعدل 8, 3 في المئة، ما يفوق المتوسط السنوي للسنوات العشر الأخيرة والبالغ 3 في المئة. وقد دفعت إلى هذا الارتفاع الزيادةُ السنوية الأكبر على الإطلاق في إنتاج الغاز التي شهدتها الولايات المتحدة الأميركية، حيث ساهم تطوير مصادر غاز غير تقليدية في رفع الإنتاج بمعدل 5, 7 في المئة، ما يعادل 10 أمثال متوسط معدل النمو في السنوات العشر الأخيرة. وقد سجلت قطر ثاني أعلى زيادة في الإنتاج، حيث ارتفعت صادراتها عبر خط الأنابيب إلى الإمارات العربية المتحدة. وبشكلٍ عام، ارتفع الإنتاج بأوروبا، في الدنمرك وهولندا والنرويج، مقابل انخفاضه في المملكة المتحدة وألمانيا.

الفحم

على الرغم من أن نمو استهلاكه بنسبة 1, 3 في المائة كان دون المعدل في السنوات العشر الأخيرة، فقد بقي الفحم الوقودَ الأسرع نمواً في العالم. إذ مثلت الصين وحدها، التي تشكل 43 في المئة من الطلب العالمي على الفحم، 85 في المئة من هذا النمو، أي بزيادة 8, 6 في المئة. أما خارج الصين، فكان نمو الطلب العالمي على الفحم ضعيفاً، فلم يرتفع بأكثر من 6, 0 في المائة، ما يعكس ارتفاع أسعار الفحم في الأسواق المحررة أكثر أي وقود أحفوري آخر.

وقد انخفض استخدام الفحم بمعدل 6, 7 في المئة في المملكة المتحدة إلى أدنى مستوى له في العقد الأخير، ويعود ذلك في جانبٍ منه إلى استبدال الفحم بوقودٍ آخر بسبب ارتفاع أسعار ثاني أكسيد الكربون في نظام الاتجار بإصدارات الكربون في الاتحاد الأوروبي.

البدائل

انخفض إنتاج الطاقة النووية بمعدل 7, 0 في المئة للسنة الثانية على التوالي، متأثراً بانخفاض قدره 10 في المئة في الإنتاج الياباني، نتيجة استمرار إقفال أكبر محطة كهربائية نووية في اليابان بعد زلزال 2007.

وواصل الإنتاج الكهرمائي أداءه القوي في الآونة الأخيرة، مرتفعاً بمعدل 8, 2 في المئة، ما يفوق متوسط السنوات العشر، وذلك للمرة الرابعة في السنوات الخمس الأخيرة. لكن، مرة أخرى، يمكن إرجاع كل هذا الارتفاع العالمي إلى نمو الصين - الذي ارتفع بمعدل 3, 20 في المئة، أي بما يعادل ضعفيْ متوسط معدله السنوي في العشر سنوات الأخيرة. بينما انخفض الإنتاج خارج الصين بمعدل 4, 0 في المئة.

ونمت مصادر الطاقة المتجددة مرةً أخرى بقوة وإنْ على قاعدةٍ متدنية، حيث ارتفعت قدرة توليد الطاقة من الرياح والشمس بمعدل 9, 29 في المئة و69 في المائة، على التوالي، متخطيةً في الحالتين المتوسط السنوي للسنوات العشر الأخيرة.

وارتفعت قدرة توليد الطاقة من الرياح بمعدل 5, 49 في المئة بالولايات المتحدة، متقدمة بذلك على ألمانيا المعروفة بإنشائها أكبر قدرةٍ على توليد الطاقة من الرياح في العالم. وارتفعت هذه القدرة بمعدل 3, 36 في المئة بالمملكة المتحدة، لتصل إلى 3, 3 جيغا وات، ومع ذلك، بقيت هذه الطاقة تمثل فقط 3 في المئة من إجمالي القدرة العالمية القائمة لتوليد الطاقة من الرياح.