مر ما يقرب من عام كامل على تولي جيف سنغر مقاليد منصبة كرئيس تنفيذي لبورصة ناسداك دبي، وتلا هذا التعيين، إعادة هيكلة العلامة التجارية لبورصة دبي العالمية كأحد نتائج الصفقة التاريخية التي أبرمت بين بورصتي دبي وناسداك الأميركية، وجسدت هذه الصفقة موجة الدمج بين البورصات العالمية التي هيمنت على الأسواق العالمية في عام 2007، بيد أن التغييرات التي شهدتها بورصة دبي العالمية لم تكن قاصرة على تغيير علامتها التجارية.

بل طالت مختلف جوانب عمل البورصة، بدءا بمنصة التداول، ومرورا بالمنتجات والأوراق المالية المدرجة عليها، ووصولا بالخدمات المقدمة إلى الشركات الأعضاء، ولم تتوقف حركة التغييرات بعد، بل ما زال القائمون على البورصة يراجعون كل صغيرة وكبيرة بهدف الارتقاء بالأداء والخدمات ونوعية المنتجات.طرحت «البيان الاقتصادي» على مائدة الحوار مع جيف سنغر الرئيس تنفيذي لبورصة ناسداك دبي مسألة مدى نجاح البورصة في هضم واستيعاب التغييرات التي نجمت عن تغيير العلامة التجارية، وما إذا كان هذه التغييرات قد جرى بشكل سلس، أم أنه واجه تحديات صعبة في هذا المجال.

ويسرد هنا جيف سنغر الكيفية التي أدار بها حركة التغييرات التي شهدتها البورصة قائلا: عندما تسلمت منصبي في يوليو الماضي، عملنا على جلب التغييرات، سواء من ناحية استقطاب المزيد من السماسرة، أو من ناحية تمديد ساعات التداول، بيد أن أكثر هذه التغييرات أهمية وحيوية هي تسجيل التداولات التي تتم عبر الكاونتر ًُّمْ كَُُِّّمْ ُّْفليَه.

حيث طلبنا من الشركات الأعضاء أن تقوم برفع التقارير عن التداولات التي ينجزونها عبر الكاونتر، ومن الناحية الفعلية، وجدنا أن أرقام أحجام التداول تتضاعف، وبالتالي، كان من السهل علينا دحض وجهات النظر البعض القائلة بأن البورصة تفتقر إلى السيولة.

ويتابع حديثه قائلا: جرت التغييرات بشكل جيد، وفي ارتيادي لهذا المسار، كنت أقيس النجاح بقدرتي على إعطاء الجهات المعنية معاني ومدلولات هذه التغييرات، سواء أكانت هذه الجهات شركات سمسرة الرئيسية أو جهات إصدار أو حكومات أو مستثمرين أفراد، أي كافة الجهات التي بإمكانها أن تجعل الأوضاع مختلفة بالنسبة للبورصة.

اكتساب المصداقية

وواصل جيف سنغر تسليط الضوء على النهج الذي اتبعه في إدارة عملية التغييرات بالبورصة قائلا: أود أن أقول بأن علامة ناسداك التجارية أضفت الكثير من المصداقية على أي شيء نقوم بفعله بوصفنا بورصة، فهي علامة تجارية تحظى بالتقدير والاعتراف العالميين، وعندما ارتبطت تلك العلامة بدبي التي تعد هي الأخرى علامة ذات مصداقية وتقدير عالميين، اكتسب التزاوج بين العلامتين الكثير من المصداقية.

كان علينا ـ والكلام مازال علي لسانه ـ أن نقدم توضيحات بشأن الكيفية التي بها ستختلف صيرورة الأوضاع، حيث كان الناس بحاجة لأن يعرفوا على وجه التحديد الكيفية التي بها ستعمل البورصة محليا وإقليميا ودوليا، كما كانوا يريدون معرفة السبل التي سيجري الاستعانة بها لأجل زيادة مستويات السيولة، فضلا عن كيفية تغيير الصورة الكلية لأسواق المال في المنطقة، ونحن عملنا من جانبنا على جلب التغييرات التي تصب في اتجاه تحقيق هذه الأهداف.

وأنجزنا ذلك بفضل توافر الدعم الناتج عن دمج علامتين تجاريتين تتميزان بالقوة والمصداقية، وعلى المستوى الشخصي، أشعر بالسعادة البالغة إزاء النتائج التي جلبها الاندماج بين هاتين العلامتين التجاريتين.

وتابع حديثه عن التغييرات قائلا: فنحن لدينا سوقا يضم مستثمرين أفراد ومؤسسات، ونحن جلبنا الكثير من التغييرات التي عززت مستويات السيولة في البورصة، مع الأخذ في الاعتبار أننا نعمل على بناء نوعين من السيولة، إحداهما تتعلق بالمستثمرين الأفراد، والأخرى تتعلق بالمستثمرين المؤسساتيين، فمازلنا نعمل بدأب من أجل تعزيز مستويات السيولة عن طريق استقطاب أعضاء جدد.

وتيسير إمكانية قيام السماسرة بشراء الأسهم، وتشجيع دمج تكنولوجيات التداول، والتيسير بقدر الإمكان على السماسرة المحليين والإقليميين مسألة الوصول إلى الأسهم التي يريدون شراءها، ونحن ما زلنا نعمل بجرأة لجلب المزيد التغييرات التي من شأنها أن تعزز السيولة في البورصة، وأطلقنا كذلك حملة تعليمية بشأن السيولة في بورصة ناسداك دبي تهدف إلى التعريف بكيفية التداول عبر الكاونتر، والفوائد المتحققة من إنجاز الصفقات بالبورصة.

موجة الاندماجات العالمية

وبقدر ما كان تغيير العلامة التجارية لبورصة دبي العالمية نتاج صفقة تاريخية شكلت علامة فارقة في خريطة أسواق المال العالمية، فانه وبالقدر ذاته، جاء هذا التغيير كأحد مظاهر موجة الاندماجات التي سادت الأسواق العالمية خلال عامي 2006 و2007، وفي غضون هذه الفترة، أصبحت بورصة دبي العالمية طرفا في عمليات الاستحواذ على بورصات دولية من العيار الثقيل، وتردد اسمها في صفقات محتملة لشراء حصص .

والتي جري نفي صحة بعضها، وبالتالي، صارت البورصة حينذاك المركز أحد اللاعبين الأساسيين على ساحة الاندماجات بين البورصات ببعديها الإقليمي والدولي والتي اتجهت في رأي بعض المحللين نحو تشكيل أوعية للسيولة المالية على مستوى العالم تخدم كل واحدة منها منطقة جغرافية معينة، وبالتالي، جاءت موجة الاندماجات بمثابة تتويج لعقدين تقريبا من التطورات التكنولوجية والتغييرات في اللوائح والأطر التنظيمية والتي غيرت بشكل كلي أساليب وطرق التداول.

بيد أن أزمة الائتمان العالمية قد ألقت بظلالها علي حركة الاندماجات بين البورصات العالمية، ويبرز هنا السؤال حول ما إذا كانت هذه الموجة قد بلغت نهاية مطافها أم أن هذه الموجة ستنشط مرة أخرى مع تعافي الاقتصاد العالمي.

يجيب جيف سنجر على هذا السؤال بقوله: بدأت موجة الاندماج فيما بين البورصات في عام 2006، واستمرت لمدة عام ونصف عام، وفي الوقت الحالي، يسعي حملة أسهم شركات البورصات إلى الحصول على عوائد لقاء النفقات التي دفعوها في تمويل صفقات الاندماج، وهم يطالبون البورصات بإنجاز الأهداف المرجوة من عمليات الاندماج، ومن ثم، هم يريدون رؤية عوائد تتحقق من إنجاز الأهداف الأصلية لصفقات الاندماج.

ويواصل حديثه بقوله: فيما يتعلق بعملية الاندماج بين بورصتي «ناسداك» و«أو إم أكس»، نجد أن هذه العملية تضمنت إنجاز عمليات دمج بين المكاتب الخلفية ودفاتر الأوامر، والمبيعات والأطر التنظيمية وعمليات التشغيل، ومن شأن دمج هذه الطاقات والإمكانيات، أن يؤدي إلى تقليص التكليف وتحقيق عوائد، ومن ثم، فمن المتوقع أن تعمل البورصات علي هضم واستيعاب التغييرات الناشئة عن موجة الاندماج الأولى، وذلك قبل أن تطلق موجة ثانية من الاندماجات.

ويرى جيف سنجر أن بورصة ناسداك قد حققت انجازات كبيرة في هذا المجال، وشرح هذا النقطة بقوله:، أعتقد أن بورصة ناسداك تشغل حتى الآن موقعا جيدا، كما إنها أنجزت عملا رائعا بشرائها بورصات، وتوحيدها للطاقات، ودمجها بين التكنولوجيات، وبالتالي، أفرزت الموجة الأولى أنظمة رئيسية وأنماطا مختلفة من فئات الأصول، وهو ما يحتاج إلى بعض الوقت لدمج وتعبئة هذه الطاقات معا، ولقد صار لدى مجموعة «ناسداك» أو «إم أكس» منتجات لم تكن موجودة قبل الاندماج.

وتابع حديثه بقوله: يعتبر عامل النطاق َّكفٌم أحد أهم القوي المحركة لأي اندماجات تستهدف تقليص التكاليف العالية، ومن ثم، شكل دائما عامل النطاق قوة محركة تحفز علي الاندماج فيما بين البورصات، وإذا ما دققنا النظر في البورصات حول العالم، نجد أن التكاليف الثابتة تعتبر عالية بشكل كبير، وبالتالي، تندمج البورصات .

فيما بين بعضها البعض لتجني مكاسب ترشيد استخدام التكنولوجيات، وتتبنى الشركات مثل هذا التفكير الخلاق، خاصة في ظل معاناة الأسواق من الأزمة المالية العالمية، وما واكبها من تراجع في الأسعار. وليس هذا الوضع السائد في العالم الآن فحسب، ولكن كذلك في المنطقة.

وهكذا، أظهرت خبرة العام المنصرم أن الشراكة مع ناسداك أتاحت إمكانيات كبيرة، فضلاً عن الخبرات والمعارف الواسعة والتكنولوجيا المتطورة التي تمتلكها. وهو ما رسخ مكانة البورصة بوصفها «بوابة» إلى أهم مراكز السيولة في العالم.

الاختلاف بين البورصات في الإمارات يبرر استمرار تواجدها معا

أعرب جيف سنجر الرئيس التنفيذي لبورصة ناسداك أن الاختلاف بين البورصات العاملة في الإمارات تبرر تواجدها معا، حيث تسعى كل واحدة منها إلى تلبية متطلبات مختلفة، وتوفير خدمات لفئات مختلفة من المستثمرين.

وقال جيف سنجر أن الحكومات هي التي تمتلك كلمة الفصل في تحديد التوقيت المناسب والمواتي لعمليات الاندماج، مشيرا إلى أن الاندماج ينشأ نتيجة بروز ثمة حاجه إليه، ودلل على ذلك بالاندماج بين الشركات المصنعة للسيارات موضحا أن أعداد الشركات المصنعة للسيارات في الولايات المتحدة كانت تقدر بالمئات ولكن صارت الآن أعدادها ضئيلة على مستوى العالم، ويعود السبب في ذلك، أنه كان من المتعين على شركات السيارات أن تستجيب لبروز حاجة جديدة للاندماج فيما بين بعضها البعض.

وتابع حديثه قائلا: كذلك الحال بالنسبة لأسواق المال في منطقة الشرق الأوسط، فهي أسواق آخذة في الصعود والبزوغ كأسواق متطورة وناضجة، وبالتالي، تعمل البورصات علي الاستجابة لاحتياجات مختلفة تتعلق بالمستثمرين الأفراد والمستثمرين من المؤسسات الاستثمارية، فضلا عن أصحاب الثروات في المنطقة، وتفرض هذه الفئات المتنوعة من المستثمرين طلبات مختلفة ومتعددة.

محطات بارزة على طريق الشراكة

في 25 مايو 2007، أعلنت «ناسداك» و«أو إم إكس» عن دخولهما اتفاقية لضم المجموعتين عن طريق عرض عام قدمته «ناسداك» لمساهمي «أو إم إكس». وقد أوصى مجلس إدارة كل من الشركتين بضم الشركتين.

وفي 9 أغسطس 2007، أعلنت بورصة دبي عبر خبر صحافي أنها بصدد شراء أسهم «أو إم إكس»، والدخول في خيارات لشراء أسهم «أو إم إكس» من خلال عملية بناء حصص مع مجموعة مختارة من المستثمرين. استحوذت بورصة دبي على 9, 4 بالمائة من إجمالي أسهم «أو إم إكس»، وبواقع 230 كورونة سويدية للسهم الواحد، كما دخلت في اتفاقية خيارات مع أطراف نظيرة لشراء حصة أضافية قدرها 2, 24 بالمائة من أسهم «أو إم إكس».

وفي 17 أغسطس 2007، قرر مجلس إدارة بورصة دبي التقدم بعرض نقدي للاستحواذ على كامل أسهم «أو إم إكس» بسعر 230 كورونة سويدية للسهم الواحد. وفي 18 نوفمبر 2008 غيرت «شركة بورصة دبي» صاحب حصة الأغلبية في «سوق دبي المالي العالمي» اسم السوق إلى «ناسداك دبي» ضمن إطار صفقة تبادل أسهم أبرمت مع «ناسداك».

وفي 20 نوفمبر 2008 قامت مجموعة «ناسداك «أو إم إكس»، أكبر شركة لإدارة البورصات في العالم، اليوم بإدراج أسهمها في بورصة ناسداك دبي.

دبي ـ مجدي عبيد