أكد خبراء ماليون تراجع مصداقية وكالات التصنيف الائتماني بعدما ثبت عدم صحة التصنيفات التي منحتها لبعض الشركات من جهة ونظرا لعدم حياديتها وموضوعيتها فيما تتوصل إليه من تصنيفات خاصة على المستوى السيادي للدول، مؤكدين أن الأزمة المالية الأخيرة التي عصفت باقتصاديات العالم وكانت وكالات التصنيف سببا فيها قللت من أهمية هذه المؤسسات ولكنها لا تزال تعتبر الشر الذي لا بد منه.
وقالوا انه ورغم الأخطاء التي ارتكبتها هذه المؤسسات فلم يتم حتى ولو همسا فكرة إيجاد البديل لها مشيرين إلى ان هذه المؤسسات تخدم إضافة للأهداف المعلنة لها، أهدافا سرية غير معلنة قد تكون ذات طبيعة أستخباراتية سواء على مستوى الوحدات الاقتصادية المالية والإنتاجية أو على مستوى الاقتصاد الكلي للبلدان عندما يتعلق الأمر بالتصنيفات السيادية. وشددوا على ضرورة قيام هذه المؤسسات بالاعتذار للمستثمرين بالدرجة الأولى الذين وثقوا بتلك التصنيفات واتخذوا قرارات استثمارية مهمة بناء عليها، مؤكدين انه وفي حالة التفكير في تأسس وكالات تصنيف عربية كبديل عن الأجنبية فان هناك متطلبات يجب أن تتوفر وعلى رأسها إرادة جماعية لإنشاء مؤسسة إقليمية وتهيئة كافة مستلزمات الحرفية المهنية وفي مقدمتها الكادر المتخصص وذلك بهدف الحصول على اعتراف دولي.
غياب المصداقية
ويؤكد الدكتور همام الشماع المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية انه يمكن اعتبار وكالات التصنيف الائتماني أحد أهم أسباب الأزمة المالية العالمية، بعدما وجّهت إلى هذه المؤسسات تهم تتعلق بمصداقيتها، وآليات إعداد التقارير حيث أشار أحدث تقارير صدر عن أرنست أند يونغ، إلى أن وكالات التصنيف الائتماني تأتي في المرتبة العاشرة في سلم الأسباب التي كانت مسؤولة عن الأزمة المالية العالمية.
بعد قيامها بمنح تصنيفات عالية، لاستثمارات غير مستقرة، أدى إلى خداع الكثير من المستثمرين، وتورّطهم فيها، وهو ما ظهر جلياً بعد أن بدأت ملامح الأزمة تتضح للعيان.
هذا الأمر أدى ليس فقط إلى اعتراضات استوجبت قيام المفوضية الأوروبية إلى تقييم مجموعة من الاقتراحات، التي تفرض شروطاً صارمة على مؤسسات بل أيضا إلى قيام مجلس النواب الأميركي باتهام هذه الشركات بأنها تجاهلت كل إشارات الخطر لأسباب غير موضوعية. فقد استخدمت المؤسسات المالية المصدرة للمنتجات المالية وخاصة الرهونات العقارية والسندات التصنيف الصادر عن مؤسسات التصنيف الائتماني لترويج منتجاتها وبيعها على أنها منتجات منخفضة المخاطرة ومأمونة .
وقال انه إضافة لذلك فإن بعض وسائل الإعلام نسبت إلى العديد من المراقبين الماليين في الولايات المتحدة اتهامهم وكالة موديز، الأميركية، بأنها كانت سببا رئيسيا لأزمة الرهونات العقارية الأميركية التي أدت في ما بعد إلى الأزمة المالية العالمية. ولعل التفسير الممكن لهذه الاتهامات هو تضارب المصالح المتمثل بحصول هذه المؤسسات على أتعابها من البنوك أو جهات الإصدار التي تصنف منتجاتها كما يتمثل بعدم الالتزام بالاستقلال المهني والذي قد ينجم عن أخذ هدايا من قبل الموظفين أو أي نوع من المزايا المالية.
وأكد الشماع الأزمة المالية العالمية أثبتت أن التصنيفات الائتمانية بات اقل قيمة من ذي قبل بعدما تم اكتشاف أخطاء الكثير منها ولكنها لا تزال تعتبر الشر الذي لا بد منه.
وطبقا لأحد المعنيين «إذا كانت الولايات المتحدة تستطيع أن تدمر أي دولة من خلال قصفها بالقنابل وتسويتها بالأرض، فإن «موديز تستطيع أن تدمر أي دولة أيضا ولكن من خلال تخفيض تصنيف سنداتها ومنعها من الاقتراض. من أسواق المال العالمية». نقول ذلك في الوقت الذي ندرك انه لا يمكن لأي دولة ومؤسسات مالية أن تتخلى في هذه الظروف المالية الصعبة عن هذا الشر.
أخطاء متراكمة
وقال انه ورغم الأخطاء التي ارتكبتها هذه المؤسسات فلم يتم حتى ولو همسا فكرة إيجاد البديل لها ونعتقد أن هذه المؤسسات تخدم إضافة للأهداف المعلنة ، أهدافا سرية غير معلنة قد تكون ذات طبيعة استخباراتية سواء على مستوى الوحدات الاقتصادية المالية والإنتاجية أو على مستوى الاقتصاد الكلي للبلدان عندما يتعلق الأمر بالتصنيفات السيادية، فمما لا شك فيه أن توفر معلومات دقيقة على المستويين الجزئي والكلي للبلدان الأم لوكالات التصنيف أمر مهم على مستوى العلاقات الاقتصادية وعلى مستوى التنافسية الدولية.
وفي رد على سؤال حول فقدان العالم العربي لوجود وكالات تصنيف ائتماني وهل هناك إمكانية لتأسيس واحدة قال الشماع إن عدم وجود وكالة تصنيف في العالم العربي جاء نظرا لان الوكالات المعترف بها عالميا هي الوكالات القائمة من بداية القرن الماضي. مؤكدا انه إذا استطاعت وكالة عربية انتزاع ثقة العالم فذلك أمر جيد، ولكن المشكلة انه لا توجد جهة محددة تمنح الثقة والتي تكتسب بالتقادم.
من جانبه يؤكد المحلل المالي وضاح الطه أن الهدف الأساسي من عملية التقييم الائتماني هو التوصل إلى قياس قدرة المؤسسة أو الشركة أو الدولة على الإيفاء بالتزاماتها المالية قصيرة وطويلة الأجل وان التواصل إلى تصنيف معين يؤدي إلى تحديد أمكانية المؤسسة أو الشركة أو الدولة الاستفادة من عمليات الاقتراض لتمويل أنشطتها المختلفة بالإضافة لكون التصنيف يوفر عنصر الاطمئنان للمتعاملين مع المؤسسة وقدرتها على الإيفاء بالتزاماتها مما يعني بالضرورة أن التصنيف يعد عنصر استقرار .
وقال إن عناصر التقييم تتضمن عدة أمور تؤثر بشكل متفاوت على أداء وقدرة الشركة الائتماني ونظرا لهذا التفاوت يتم تقدير أوزان مختلفة لعناصر التقييم والتي تتضمن جودة الأصول والربحية والسيولة وليس بالمديونية والمرونة المالية وكفاية رأس المال والمكانة في السوق والحصة السوقية .
الخبرة المطلوبة
ومن المفترض أن يقوم فريق متخصص من المحللين الذين لديهم خبره كبيرة في القطاع الذي تعمل فيه الشركة وليس فقط خبرة في التحليل وتتم مناقشة كافة فقرات التقييم مع المسؤولين المختصين في الشركة وذلك للتوصل إلى فهم وقناعة كاملين حول الصورة الكلية للشركة على أن يتم بعد ذلك مناقشة مسودة التقرير قبل إصدارة بشكل نهائي.
وأكد الطه أن الإخفاق الفعلي الذي وقعت فيه تلك المؤسسات هو عدم قدرتها أو تمكنها من إصدار تحذيرات قبل الأزمة المالية في الولايات المتحدة على وجه الخصوص بل إنها لم تصدر أي بيانات تتعلق بشكوك حول رصانة الموقف المالي للمؤسسات المالية الكبيرة وهناك مؤسسات مالية كبرى حصلت على تصنيفات متقدمه وعندما انهارت كانت تحتفظ بتك التصنيفات.
مشيرا إلى انه وكرد فعل على ما حصل لاحظنا ان نشاط تلك المؤسسات بعد الأزمة قد ارتفع بشكل واضح في منطقة الخليج وبدأت بإعادة التقييم بشكل مكثف شمل التصنيفات الائتمانية السيادية للدول .
ويتابع الطه حديثه بالقول: اعتقد انه كان على تلك المؤسسات الاعتذار للمستثمرين بالدرجة الأولى الذين وثقوا بتلك التصنيفات واتخذوا قرارات استثمارية مهمة كان احد ركائزها توصيات تلك المؤسسات.
وأوضح انه وبلا أدنى شك كان هناك خلل كبير في تقييم الدور الرقابي الداخلي لدى الشركات والذي لم يعط الوزن الكافي في التقييم ومن الواضح أن عوامل مثل نظام حوكمة الشركات وإدارة المخاطر وتقييم قدرة الأشخاص المديرين المسؤولين عن محور التقييم الائتماني يجب أن تحظى بتركيز واهتمام اكبر كما انه من المهم الإشارة إلى أن النظرة للإشراف الحكومي على بعض الشركات.
وذلك من خلل امتلاك الشركة على حصص مسيطرة ينظر اليه من قبل فريق من المحللين على انه نقطة سالبة وهو رأي سائد في الولايات المتحدة أما في الاقتصاديات الناشئة فيجب إعادة النظر في ذلك وعدم القفز على حقائق أساسية والتوصل إلى استنتاجات لا تتفق مع طبيعة الواقع الاقتصادي التي تعيش فيه تلك الشركات .
وقال إن وجود بعض الحالات تاريخيا والتي تشير إلى إخفاق حكومي في معالجة أزمات أو إدارة شركات لا يعني على الإطلاق اعتبار هذا الموضوع قاعدة فلدينا في المنطقة نماذج شركات رائدة حققت نجاحا باهرا وهذا دليل مهم على عدم الزج باستنتاجات نابعة من تجارب في دول أخرى لها خصائص اقتصادية معينة واستنساخها في المنطقة واعتبارها جزءا من نظام التقييم التي تحاول بعض شركات التصنيف الائتماني تطبيقه.
وأكد انه بالإضافة لما سبق اعتقد انه من المهم جداً الاعتناء بعملية المراجعة الدورية للتصنيف وفي حالة تأخير إجراء التقييم نظراً لعدم الحصول على معلومات من الشركة أو التلكؤ في تقديمها أو وجود خلل بمستوى الإفصاح في الفترة السابقة.
وقال من المهم جداً قبل الإجابة على إمكانية إنشاء مؤسسات تصنيف ائتماني عربية تتمتع بمصداقية دولية تقييم دور مؤسسات التصنيف في المنطقة ومدى جديتها في التعامل مع تقيم حقيقي وصادق وشفاف ومهني وهل أن المعايير وأوزانها عادلة وتؤدي إلى الهدف والغاية المطلوبة وهل ما تتقاضاه من أجور يتناسب مع الجهد المبذول والمنفعة المرتقبة جراء عملية التقييم ان الإجابة على هذه الأسئلة هي التي تحدد إمكانية تأسيس بديل إقليمي قوي لا يهدف إلى المجاملة على تصنيفات غير حقيقية .
متطلبات البديل
كما انه وفي حالة التفكير في تأسيس هذا البديل هناك متطلبات يجب أن تتوفر وعلى رأسها إرادة جماعية لإنشاء مؤسسة إقليمية وتهيئة كافة مستلزمات الحرفية المهنية وفي مقدمتها الكادر المتخصص وذلك بهدف الحصول على اعتراف دولي. ولابد في النهاية من إلى الإشارة إلى دور المؤسسات العربية المتخصصة .
والتي تعتبر في غاية الأهمية في إبداء الرأي بطريقة التقييم التي يجب أن تختلف من قطاع إلى آخر وذلك نظراً لتأثير الخصائص القطاعية على عملية التقييم علماً بان من أهم هذه المؤسسات العربية اتحاد المصارف العربية والأكاديمية العربية للعلوم المالية والمصرفية واتحاد التأمين العربي.
******************
إ تصنيفات بالمزاد العلني
لقد باتت هناك قناعة أكثر من أي وقت مضى في عدم حيادية ومصداقية ما تصدره وكالات التصنيف الائتماني من تقارير تستهدف تقييم قدرة الدول والشركات على الإيفاء بالتزاماتها المالية قصيرة وطويلة الأجل، ولم تعد تصنيفاتها بمثابة مسلمات لايجوز مناقشتها أو الاعتراض عليها بالنسبة لشريحة كبيرة من المتخصصين بعدما تبين عدم صحتها وكثرة الأخطاء التي وقعت بها خلال العامين الماضيين مما أدى إلى انهيار عدد كبير من الشركات ومنها إمبراطورية (إنرون).
و بدأت الصورة الوردية التي أحاطت بوكالات التصنيف الائتماني طيلة فترة السنوات الماضية بالاهتراء شيئا فشيئا خاصة بعد دورها في أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة الأميركية والتي شكلت الشرارة التي نتج عنها فيما بعد أزمة اقتصادية شملت كافة دول العالم بعدما اتضح أنها قامت بمنح تصنيفات غير صحيحة لأصول سامة كانت نتيجتها انهيارات ومآسي لمئات الملايين من المستثمرين.
لم يكن من المستغرب الهجمة الشرسة التي أظهرتها هذه الوكالات على دول الخليج العربي خلال الشهور الماضية عندما قامت بإصدار العديد من التقارير التي راجعت من خلالها تصنيفات دول وشركات على أسس اتضح أنها غير واقعية، مما يعني أن الأمر كان مجرد عملية ابتزاز بهدف الحصول على المال، ذلك أن درجة سلبية أو ايجابية صكوك التصنيف، أصبحت تعتمد على مبدأ من يدفع أكثر يأخذ أكثر من هذه المؤسسات وكأننا في مزاد علني.
لست من المغرمين في متابعة ما يكتبه توماس فريد مان رغم كثرة مريديه في عالمنا العربي ولكن المقام يستوجب التذكير بما أشار إليه منذ أكثر من عقدين بشأن الدور الذي تقوم به هذه المؤسسات عندما قال (إذا كانت الولايات المتحدة تستطيع أن تدمر أي دولة من خلال قصفها بالقنابل وتسويتها بالأرض، فإن «موديز» تستطيع أن تدمر أي دولة من خلال تخفيض تصنيف سنداتها ) على أن الأزمة الاقتصادية العالمية غيرت المعادلة وكشفت المستور ورسخت القناعة بأنه لم يعد من المفيد تعليق أهمية كبيرة على وكالات التصنيف الائتماني.
ناصر عارف

