شهدت مشاركة العنصر النسائي في أسواق الأسهم المحلية تطورا ملحوظا خلال السنوات القليلة الماضية الأمر الذي يعكس مدى الدور المهم الذي يمكن أن تلعبه المرأة في مختلف الأنشطة الاقتصادية جنبا إلى جنب مع الرجل.
وفي إشارة إلى الدور القوي الذي باتت تلعبه المرأة في عالم المتاجرة بالأسهم تظهر احدث الإحصائيات أن عدد النساء الحاصلات على رقم مستثمر في أسواق المال تجاوز 350 ألف مستثمرة وبنسبة تصل إلى نحو 40% من إجمالي عدد المستثمرين في هذه الأسواق،كما تجاوز عدد الأسهم التي تملكها النساء في سوقي دبي المالي وابوظبي للأوراق المالية أكثر من 4 مليارات سهم مع نهاية الشهور الخمسة الأولى من العام الجاري منها 5, 2 مليار سهم في سوق دبي.وتؤكد رحاب لوتاه نائب الرئيس الأول للأعمال التجارية والمنتجات والتواصل المؤسسي بمجموعة شركات -موارد- للتمويل أن النساء اقتحمن أسواق الأسهم مؤخرا وأصبحن مهتمات بمناقشة كل القضايا التي تتعلق بتحركات الأسعار وتوجهات الأسواق سواء من خلال اللقاءات الشخصية أو المنتديات الخاصة بتداول الأسهم.
مشيرة إلى أن دخول المرأة إلى أسواق الأسهم جاء نتيجة عدة عوامل منها الاستثمار ومواجهة ضغوطات الحياة على المستوى الاقتصادي وللتغلب على الروتين والملل لغير العاملات ،كما أن هناك الكثير من السيدات اللواتي حصلن على أسهم عن طريق الميراث وفضلن الاحتفاظ بها للاستثمار ،وقد ساهم انتشار خدمة التداول عبر الانترنت مجالا للمرأة من اجل العمل في السوق .
وتتابع لوتاه حديثها بالقول انه من المؤكد أن دخول المرأة إلى أسواق الأسهم ساهم في زيادة نشاط هذه الأسواق وهو مؤشر ايجابي على الدور القوي الذي يمكن أن تلعبه المرأة في دعم جميع الأنشطة الاقتصادية،مشيرة إلى أهمية أن يسبق دخول المرأة إلى الأسواق حصولها على استشارات من متخصصين في هذا المجال بحيث تكون عملية الاستثمار مبنية على أسس علمية مع ضرورة حضورهن دورات وبرامج تدريبية قبل الخوض في هذا المضمار وعدم الاعتماد على القروض للاستثمار في الأسهم أو استخدام مدخرات العمر في المضاربة.
وبشأن مدى توجه المرأة للمضاربة في الأسهم أكدت لوتاه أن المخاطرة كبيرة لعمليات المضاربة في أسواق الأسهم وذلك نظرا للتقلب المتواصل للأسعار وعدم ثباتها كما أن البيع والشراء وفقا لهذا الأسلوب يتطلب احترافية وتفرغ تام لذلك فإن المرأة تحبذ الاستثمار لضمان الحصول على الحد الأدنى من المكاسب.
وقالت لقد دخلت المرأة كافة القطاعات الاقتصادية دون استثناء، بما في ذلك المقاولات والإنشاءات والبناء والتشييد وحققت نجاحات كبيرة في أعمالها»، مستشهدةً على ذلك بعضوات منتدى رواد الأعمال بدبي اللواتي يقومن بكل اقتدار بإدارة شركاتهن، مشيرة إلى أن غالبية السيدات يُقبلن على الاستثمار حتى وان كان كذلك من خلال المشاريع الصغيرة والتي تعد أكثر أمناً من المضاربة في أسواق الأسهم.
وفي ردها على مدة صحة مقولة إن الإقبال الكبير على سوق الأسهم من المرأة تعتبر موضة قالت لوتاه هذا ليس صحيحا ولا اتفق مع مثل هذه المقولة من إن الإقبال الكبير للمرأة على سوق الأسهم تعتبر موضة كما هي الحال في كل عالم الموضة الأخرى فنحن نتحدث عن خوض المرأة لقطاع الاستثمار والأسهم بما لديها من رأس مال سواء كان عبارة عن مدخرات أو أمولا فائضة فهي حين تستثمره في الأسواق أو غيرها فان ذلك لا يعني أنه من باب الوجاهة أو إضاعة الوقت وأعتقد أن استخدام كلمة موضة في هذا المقام لا يتفق مع واقع الدور النشط الذي تظهره المرأة العربية أو الخليجية في الوقت الراهن وشاركتها جنبا إلى جنب مع الرجل في تحمل أعباء الحياة .
منافسة باقتدار
وقالت إن المرأة قادرة على منافسة الرجل بكل اقتدار بعدما اقتحمن العديد من القطاعات الاقتصادية التي كانت حكرا على الرجال لمدة طويلة، لا سيما قطاع المقاولات والإنشاءات وحالياً تشغل مناصب مهمة»، كما أن «الانفتاح الاقتصادي جعل المرأة أكثر وعياً وبالتالي أكثر جرأة على خوض التجارب الجديدة وليس بعيدا عنا التجارب الناجحة لعضوات منتدى رواد الأعمال بدبي حيث تمكنَّ من تحقيق انجازات باهرة وباتت مشاريعهن الأكثر نجاحاً.
وأكدت أن الدولة بكافة قياداتها السياسية أو من خلال الجهات المعنية كوزارات اتحادية أو دوائر محلية قدمت ومازالت تقدم كل الدعم للمرأة ولم تبخل أية جهة في تقديم كل ما من شأنه دعمها والأرقام المعلنة أكبر دليل على ذلك ،وحسب الإحصائيات الأخيرة التي يتم تداولها تقدر حجم الاستثمارات التي تديرها السيدات في دول الخليج بحوالي 38 مليار دولار منها 4 مليار دولار أي ما يساوي 7, 14 مليار درهم يملكهن 15 ألف سيدة أعمال في دولة الإمارات .
وكذلك فإن استثمارات المرأة الخليجية لم تعد محصورة في المجالات التقليدية القديمة التي تمس هوايات واهتمامات السيدات بل اقتحمت العديد من القطاعات الخدمية والتجارية والعقارية والصناعية ناهيك عن المشاريع الصغيرة والمتوسطة وكذا الأسر المنتجة ورخصة إبداع والعديد العديد من المسميات التي وفرتها الدولة.
وأوضحت في ردها على سؤال حول فيما إذا كان هناك عقبات اجتماعية تحول دون مشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي أعتقد أنها موجودة ولكن في حدود ضيقة ترجع إلى العادات والتقاليد ومجتمعنا الخليجي الذي تربينا على أخلاقيات من الصعب التخلي عنها بسهولة .
زيادة مطردة
من جانبها ترى مها كنز المحلل المالي في شركة الفجر للأوراق المالية أن الطفرة النفطية في منطقة الخليج خلال السنوات الماضية عززت من تنامي الثروات التي كان جزء منها في جعبة النساء ومؤهل ليضخ في الاقتصاد.
مشيرة إلى أن بيانات للبنك الدولي كشفت عن تنامي دور النساء في عالم البزنس وذكرت أن نسبة 14% من المؤسسات العربية تملكها سيدات أعمال.
وأوضحت كنزان الزيادة المطردة في الثروات تواكب مع تصاعد مطرد بنسب تعلم المرأة والتي وصلت إلى 80% ، وانعكس ذلك على نسب مشاركتها في سوق العمل وباتت تحتل مناصب قيادية تناسب مع ما فرضته مؤهلاتها العلمية وخبراتها وكفاءتها.
ونتيجة لتلك التغيرات الجوهرية في مستوى التعليم والخبرة المكتسبة من السوق على مدار السنوات الماضية أصبحت النساء تباشر عملية الاستثمار بالأسواق المالية بنفسها بعدما كانت توكل هذا الأمر إلى الأب أو الزوج او حتى تقوم بإيداع مدخراتها في احد البنوك. وقد ساعدها على ذلك زوال العديد من الحواجز أمام دخولها عالم الاستثمار ، فقد تزايدت أعداد الوسطاء من السيدات وكذلك خصصت العديد من شركات الوساطة أقسام للسيدات مزودة بقاعات للتداول ومجهزة بشاشات عرض لمتابعة الأسعار والعروض والطلبات والإخبار اليومية .
بالإضافة إلى إتاحة فرصة تعامل المستثمرات بشكل مباشر مع الوسطاء السيدات والحصول منهم على الدعم الفني عن أوضاع السوق وضمان الخصوصية وسرعة التنفيذ للمعاملات ،هذا فضلا عن إضافة خدمات التداول عبر الانترنت التي توفر إجراء المعاملات في إطار أكثر خصوصية وحماية.
وتقول كنز انه وبتوجه جزء من ثروات النساء إلى الاستثمار في السوق المالي، فان ذلك يعنى توافر تمويل للمشروعات التي هي بحاجة إلى ذلك وإن كانت تلك الثروات في الماضي تدخل من خلال وكلاء عن المرأة - والمرحلة الحالية تشير إلى مباشرة المرأة العملية الاستثمارية بنفسها ، فإن أهم مزايا هذا الأمر هو دعم استقرار السوق .
حيث أن النسبة الأغلب من المستثمرين النساء يقبلن على الاستثمار متوسط إلى طويل الأجل ويفضلن الأسهم قليلة المخاطر ، فالمرأة تميل بطبيعتها للابتعاد عن المخاطر قدر المستطاع وتبحث عن الاستثمار الآمن لذا تبتعد عن المضاربات.و هذا يعنى أن تشجيع وجود النساء بشكل أكبر في السوق المالي يسهم في استقرار الأسهم لان ابتعادهن عن المضاربة والتركيز على جانب الاستثمار ، يشكل عنصرا مساعدا في تقدم السوق ومنع التقلبات الحادة به.
وتؤكد أن إقبال المرأة على سوق الأسهم ليس من قبيل الموضة بدليل زيادة عدد النساء اللواتي يحرصن على الانضمام إلى الحلقات الدراسية والمؤتمرات والندوات التثقيفية والتي تختص بالمواضيع المتعلقة بالأسواق المالية من اجل أن تكون مسلحة ومحمية بالمهارات والمعرفة بآليات السوق.
فن التعامل
وأوضحت أن فن التعامل مع السوق المالي لا يفرق بين الرجال والنساء ، فعالم الاستثمار يحتاج إلى العلم والتعلم (او المعرفة واكتساب الخبرات) لكي تكون القرارات الاستثمارية معتمدة على العقل والمنطق أكثر منها انفعالية مدفوعة بالهلع مع انخفاض الأسعار في حالة دورة الهبوط او الطمع وتمنى استمرار انتعاش الأسعار في حالة دورة الصعود. ومن يرتقى بالعلم والتعلم سيكون لديه بالتأكيد ثبات انفعالي لأنه يدرك حجم المخاطر ولديه استراتيجية واضحة للدخول والخروج من الاستثمار وبالتالي سيحقق عوائد مجزية في مجمل استثماراته.
وحول الإجراءات المطلوب اتخاذها من الجهات المختصة لدعم تواجد المرأة في أسواق الأسهم قالت كنز ان الجهود المطلوب بذلها في هذا الخصوص متعددة وتقع على كاهل أكثر من جهة ومنها الجهات التعليمية التي يجب أن تعمل على إدخال الثقافة والتوعية الاقتصادية منذ الصغر والتدرج بها من المفاهيم المبسطة عن الشركات المساهمة وسوق الأسهم إلى الدراسات المتخصصة عن التحليل الأساسي والفني للأسهم وطرق التقييم المتبعة.
فإن لم يتم الاعتماد عليها في إدارة المحافظ الاستثمارية ، فإنها على الأقل تمكن المستثمرين من فهم واستيعاب ما يقدم لهم من دراسات وتحليلات توفرها لهم الشركات المتخصصة فى ذلك. فلا يزال أعداد كبيرة من المستثمرين يعانى ضعفا لفهم وتحليل القوائم المالية او قراءة التقارير التي يوفرها لهم المحللون الأساسيون عن الشركات المدرجة.
كما أن على الهيئات الرقابية بالإضافة إلى حماية المستثمر وحمايته من أية تلاعب وتحقيق النزاهة في السوق ، العمل على زيادة الوعي الاستثماري لجمهور المستثمرين بتعريفهم حقوقهم وواجباتهم من خلال الندوات المتخصصة .
وكذلك تعريفهم بمن يستمعون إليه ويأخذون برأيه ومن لايستمعون إليه ،من خلال إعطاء التراخيص للمحللين الماليين والفنيين وخبراء سوق المال لمن هو جدير بذلك . وعلى الأسواق المالية أن تقدم إفصاح واضح عن شركات الوساطة التي توفر أقساما خاصة.
ومن أهم واجبات المؤسسات العاملة في مجال الأوراق المالية هو تقديم الدعم الفني من خلال توفير مختصين وخبراء الاستثمار من النساء للمساعدة في تقديم المشورة والعون عند إجراء المعاملات بالسوق.
ظاهرة تستحق الاحترام
لم يعد من المستغرب رؤية المرأة وهي تشارك بفاعلية في جميع المناقشات التي تدور حول أسواق الأسهم سواء من خلال المؤتمرات التي تنظم لهذه الغاية أو المنتديات الالكترونية التي انتشرت أخيراً في جميع دول الحليج العربي وأصبح روادها لا يقتصر على الرجال بل باتت تستقطب عددا كبيرا من العنصر النسائي الباحث عن المعرفة والنقاش المفيد.
ويأتي اهتمام المرأة بمواكبة ما يجري في أسواق الأسهم بعدما أصبحن يشكلن نسبة لا يستهان بها من إجمالي المتداولين وباتت ثرواتهن وما يملكن من أسهم تشكل رقما صعبا لجهة دعم النشاط وإعطاء المزيد من القوة للتعاملات في بعض الأسواق الخليجية وذلك بالإضافة إلى مشاركتهن المتميزة في الاكتتابات الجديدة التي يجري طرحها في السوق .
ولعل واقع الأرقام المستقاة من الأسواق عن عدد النساء اللواتي قررن خوض عالم المتاجرة بالأسهم يعطي دلالة واضحة على مدى التطور الذي بلغته المرأة الخليجية والعربية في هذا القطاع بعدما اثبتن نجاحهن وباقتدار في النشاطات الاقتصادية الأخرى .
ومع تنامي دور المرأة في أسواق الأسهم بدأت مكاتب الوساطة منح أهمية خاصة لهذه الشريحة من المجتمع حيث تم تخصيص قاعات لتداول النساء وتعين وسطاء من العنصر النسائي المتخصص في هذا المجال لتنفيذ طلباتهن ولتقديم المشورة المالية للراغبات وتزويدهن بكافة الإخبار المتعلقة بالسوق بما يمكنهن من اتخاذ القرار الاستثماري السليم بالبيع أو الشراء في أي وقت.
إن زيادة عدد النساء العاملات في أسواق الأسهم خلال السنوات الأخيرة ظاهرة تستحق الاحترام والدعم على كافة المستويات وذلك لجهة تعظيم الدور المنوط بالمرأة في التنمية الشاملة جنبا إلى جنب مع الرجل بداية، ولاستثمار ما يملكنه من ثروات هائلة في إدامة عجلة النشاط الاقتصادي بشكل عام.
ناصر عارف

