اجتازت بورصة دبي للذهب والسلع المرحلة الأصعب في تاريخها والتي وصلت إلى ذروتها خلال الربع الأخير من العام الماضي، حيث تقلصت أحجام التداول إلى مستويات منخفضة، ومع بداية العام الجاري، تعافت أحجام التداول مجدداً، بصعودها إلى مستويات قياسية، وما بين تراجع أحجام التداول، وعودته مجدداً إلى الانتعاش، تطل الخبرات والدروس التي استخلصتها البورصة أو ما يمكن توصيفه مجازاً بـ «الوصفة» التي بها تمكنت البورصة من اجتياز «عنق الزجاجة» ويحلو لمالكولم وول موريس، الرئيس التنفيذي للبورصة اختزال مفردات هذه الوصفة بقوله «لم نسترخ بدعوى أن الوقت الحالي سيئ وعلينا الانتظار إلى حين قدوم الأوقات الجيدة، وجاء التعافي نتيجة تمسكنا باستراتيجية التطوير التي وضعناها، إلى جانب تكثيفنا للحوار مع أعضاء البورصة والمتعاملين للتعرف على وجهات نظرهم، فضلاً عن تنظيم ورش العمل للتوعية بفوائد التداول على المنتجات المدرجة بالبورصة».

بيد أن الرئيس التنفيذي للبورصة على قناعة راسخة بأن النصف الثاني من العام الحالي يحمل أفقاً مشرقة نظراً لترسيخ البورصة مكانتها كساحة استثمار في فئات الأصول، كما أنه على قناعة بأن الدور الحيوي للبورصة يتمثل في الاستمرار في بناء السيولة، فمع كل التغييرات التي شاهدتها البورصة، يبقى الهدف الرئيسي لها ضمان توفير المنتج الصائب في الوقت المناسب. في البداية يعود مالكولم وول موريس بذاكرته إلى الوراء قليلاً ليسرد الخطوط العامة للصورة القاتمة التي كان عليها التداول خلال الربع الأخير من العام الماضي، ووفقاً لروايته، تأثرت أحجام التداول في البورصة بشكل بالغ، حيث تزامن مع الربع المذكور في الربع الأخير من العام الماضي مع انتهاء موسم الصيف وشهر رمضان المبارك، وتخلله تفجر الأزمة المالية العالمية والتي تأثرت بها دبي نتيجة عولمة اقتصادها، واعتمادها على السوق الحرة.

وتابع سرده لمعالم تلك الصورة بقوله: لقد شاهدنا الاتجاه نحو تخفيف الاقتراض لمٌمًّمْفهم، وسحب السيولة النقدية من السوق، ونظراً للقلق الذي ساد السوق بشأن كيفية الحفاظ على قيمة الأموال النقدية، وبالتالي، هبطت أحجام التداول بشكل خضم بحلول نهاية العام الماضي.

وكان واضحاً للعيان ـ والكلام مازال له ـ أن أحجام التداول في عام 2008 تعبر عن مرحلة الطفرة، حيث أن أسعار العقارات كانت آخذة في الصعود، كما أن أسعار الأسهم آخذة في الصعود هي الأخرى، كما أن أحجام التداول في بورصتنا آخذة هي الأخرى في الصعود، وبالتالي، كان كل شيء يسير سيراً حسناً، ولكن في النصف الثاني من عام 2009، كان كل شيء آخذ في الهبوط، وهو ما أشر على إمكانية أن يتغير السوق كلياً على نحو سريع.

وقد أصابت المفاجأة كل شخص إزاء سرعة انتقال آثار أزمة الائتمان العالمية إلى دبي، وفي الأيام الحالية، وفي ظل سيطرة عامل عدم اليقين بشأن كيفية تحديد الأوعية الاستثمارية التي يمكن توجيه الأموال إليها، وكيفية الاستثمار في مناخ آمن، ومن ثم، فإن الجهة المنظمة للبورصة وهي هيئة الإمارات للأوراق المالية، مع مصداقياتها العالية، قد ضمنت التداولات، وأعتقد أن هناك فهماً متزايداً بأهمية مباشرة التداول في بيئة آمنة، ولأجل ذلك، عادت الأعمال مجدداً إلى البورصة، وأعتقد أن عودة أحجام التداول تعكس المشاعر الحقيقية لأعضاء البورصة.

كان هذا التراجع بمثابة قوة محفزة ـ والكلام مازال له ـ لأن تسعى البورصة إلى استجلاء حقيقة الوضع وتطوراته، والنظر أيضاً الخطط قيد التنفيذ علي المحك من جانبنا، وتقييم وضع السوق والعملاء، وكان من المتعين كذلك العودة إلى المقومات الأساسية، وذلك من خلال التحاور مع العملاء للتعرف على احتياجاتهم ووجهات نظرهم والقضايا محل اهتماماتهم، وإعادة التأكيد على أهمية سوق المشتقات المجهز بغرفة مقاصة وتسوية مركزية والذي يخفف من مخاطر الطرف المقابل.

واستدرك مالكولم وول موريس في حديثه قائلاً: كان الشعور السائد بأن الربع الأول من العام الحالي على درجة بالغة من الأهمية من زاوية رؤية الكيفية التي بها الأعمال تعود مجدداً إلى النمو، طرحنا تساؤلاً على أنفسنا بشأن القيمة المضافة التي يمكن أن تضيفها البورصة للسوق في الوقت الحالي، وعليه، قمنا بعقد ورش عمل تدريبية مكثفة لأنفسنا وللأعضاء على حد سواء، وحرصنا على التأكد من الربط الكفء بين الأعضاء والبورصة، وتقديم صناع السوق أسعار للبورصة، وباشرنا تنفيذ خطط لرفع معدلات السيولة، وببساطة، نحن سعينا إلى بناء السيولة، فهذا هو المحور الأساسي لعملنا، إذ أنه من المتعين بناء أحجام سيولة تظهر أن سوقنا يؤدي بشكل جيد.

عودة التعافي

وقد أثمرت هذه الأساليب ـ والكلام مازال له ـ في إعادة التعافي سريعاً إلى البورصة، حيث تحول منحنى التداول من حالة التراجع إلى الارتفاع مجدداً، فبعدما سجل التداول مستويات متدنية في شهر ديسمبر من العام الماضي، شاهدنا في عام 2009 إعادة بناء للسيولة، حيث ارتفعت أحجام التداول في يناير من العام الجاري بنسبة 30% بالمقارنة مع الشهر السابق عليه، وصعد التداول في فبراير بنسبة 70% بالمقارنة مع شهر يناير.

وحقق التداول في مارس أفضل أداء، وارتفع حجم التداول في شهري إبريل ومايو بما يؤشر على عودة التداول إلى الانتعاش مرة أخرى، وبالتالي، حققنا في ظل ظروف السوق السائدة حالياً أداءً جيداً للغاية، ففي شهر مارس الماضي، حققت البورصة أكبر حجم تداول على الإطلاق منذ تأسيسها، كما سجلت في شهر مايو ثاني أكبر حجم تداول على مدار الوقت.

ولم يتحقق في تاريخ البورصة حجم تداول يزيد على حجم التداول المتحقق في الشهر المذكور سوى في شهر يوليو من العام المنصرم، إذ بلغ حجم التداول في شهر مايو 150 ألف عقد، وهو مستوى تداول رائع، وأعتقد أن قيمة التداول كانت في حدود 8 مليارات دولار، وكان هذا النمو مدفوعاً بعمليات التداول على الذهب والروبية الهندية وعقد نفط غرب تكساس الوسيط، ومثل استعادة أحجام التداول مجدداً مؤشراً حقيقياً بالنسبة لأعضاء البورصة يبين أهمية وقيمة تنفيذ صفقاتهم في سوق آمن.

تغير المنحنى

ويشرح مالكولم وول موريس الأسباب الكامنة وراء تغير منحنى التداول بقوله: أعتقد أن هناك أسباباً متنوعة وراء ذلك، إذ أننا شاهدنا استخداماً ضخماً لسوقنا كآلية تحوط ضد مخاطر تقلبات السوق، نظراً لامتلاكنا سوقاً نشطاً لتداول مشتقات العملات، حيث تعد البورصة المنصة الوحيدة في الشرق الأوسط التي يجري التداول فيها على عقود العملات، كما أن الكثير من المستثمرين والتجار في دبي منكشفين أمام تقلبات أسواق العملات، نظراً لامتلاكهم استثمارات خارجية.

كما أن هناك تحويلات نقدية للخارج، وبالتالي، هناك انكشاف أمام أسواق عملات اليورو والدولار والروبية الهندية والاسترليني، كما أن هناك فهماً متزايداً بأنه كلما زادت حدة ضغوط السيولة، زادت مخاطر الطرف المقابل، فضلاً عن تصاعد التفاؤل بأن عام 2009 يحمل بشائر حدوث تقدم.

حيث بدأ الناس يفكرون بشأن كيفية توظيف أموالهم، وبالتأكيد، تزايدت أهمية السلع والعملات باعتبارها من فئات الأصول البديلة لأسواق الأسهم والعقارات، خاصة بالنسبة للسوق هنا، وبالتالي، كانت بورصة دبي للذهب والسلع محل تفضيل لكونها تقدم فئات أصول بديلة.

وبسؤاله عن الأدوات التي استطاعت بها البورصة إدارة أعمالها في مثل هذا التوقيت الصعب، أجاب قائلاً: على غرار الحال بالنسبة لأي نوع آخر من الأعمال، كان من المتعين النظر إلى جوهر الأعمال التي تقوم بمباشرتها وتنفيذها، كما كان من المتعين علينا النظر إلى أعمالنا من منظور السوق ككل، ونحن لا نختلف عن أية أعمال أخرى، من زاوية النظر إلى هذه الأعمال استناداً إلى قاعدة التكاليف ونمو العوائد، فإذا لم تتجاوز عوائدنا التكاليف، لن يكون بإمكاننا مواصلة مباشرة أعمالنا، وبالتالي، يجب علينا من منظور قاعدة التكاليف أن نكون واضحين بأننا ندير التكاليف بكفاءة.

وقد لمحت سابقاً ـ والكلام مازال له ـ إلى الخطط التي نقوم بتطويرها، وبالتالي، نحن نقيس أدائنا استناداً إلى هذه الخطط، كما نضخ استثمارات من زاوية تطوير السوق، ونعيد التقييم لضمان أننا نركز مواردنا على بناء كتلة حيوية للسيولة في البورصة.

ونركز أيضاً الأموال المنفقة على أنشطة تمهد الأرضية لزيادة أحجام السيولة كتنظيم ورش عمل للتعليم، وتوفير التدريب للمشاركين في السوق حتى يكونوا على دراية أفضل بالقيمة التي نقدمها لهم، والعمل كذلك على ضمان أن صناع السوق يقدمون أسعاراً ملائمة يمكن استخدامها في الدخول والخروج من السوق بسعر عادل.

ومن خلال تلك الخطوط الإرشادية الرئيسية، كنا على ثقة بأن الأعمال ستعود مجدداً إلى السوق، وفي الأيام الحالية، وفي ظل سيطرة عامل عدم اليقين بشأن كيفية تحديد الأوعية الاستثمارية التي يمكن توجيه الأموال إليها، وكيفية الاستثمار في مناخ آمن، زاد الفهم والوعي بفوائد وأهمية مباشرة التداول في بيئة آمنة، ولأجل ذلك، عادت الأعمال مجدداً إلى البورصة، وتعكس عودة أحجام التداول المشاعر الحقيقية لأعضاء البورصة.

آفاق واعدة

ويثق مالكولم وول موريس بأن النصف الثاني من العام الحالي يحمل آفاقاً واعدة ومبشرة، ويعزو ذلك إلى تزايد الوعي بأهمية عقود العاملات والسلع كفئة أصول بديلة، وهو ما تجلى في صعود أسعار السلع خلال النصف الأول من العام الجاري، وبالتالي، من المتوقع أن يظل اتجاه التداول على العملات والسلع مواتياً.

حيث يكمن الاختلاف بين السلع وفئات الأصول البديلة في كون الأولى ترتبط بأشياء ملموسة ومادية، فعلى سبيل المثال، تستند عقود الذهب على التسليم العيني لكميات الذهب المتضمنة في العقود، وبالتالي تدعم هذه العقود السوق العيني، وهو ما يعني أن تلك العقود تستخدم جزئياً من قبل المشاركين في السوق العيني، ومن ثم، هناك حاجة أصيلة لدى المشاركين في السوق لتحوط ضد مخاطر تقلبات السوق.

وهذه سمة رئيسية لسوق السلع، ومن المعتقد أن مستقبل التداول على السلع سيظل مشرقاً وذلك بالنظر إلى زيادة الإدراك بأهمية التداولات الورقية من قبل الصناديق الاستثمارية وصناديق المعاشات، وتنامي الحاجة إلى أدوات إدارة مخاطر الأسعار لحماية المشاركين في السوق، وصعود سيولة أسواق السلع عالمياً، وترسخ الوعي بأهمية السلع كفئة أصول بديلة.

تأجيل عقود البلاستيك

قال مالكولم وول موريس أن البورصة اتخذت قراراً بتأجيل طرح عقود البلاستيك الآجلة مع العملاء المعنيين لسوق التعاملات الآجلة في البلاستيك، مشيراً إلى أن البورصة قضت وقتاً طويلاً في التحاور والتحدث مع أعضاء البورصة والمتداولين المتوقعين على هذه العقود لتحديد الوقت الصائب لإدراج مثل هذه العقود.

وأوضح أن إجراء مثل هذا الحوار يعد أمراً في بالغ الأهمية، وقد أوصى مجتمع البلاستيك بأن الوقت الحالي ليس الوقت الصائب لإدراج مثل هذه العقود، وأنه من المتعين إعطاء المزيد من الوقت للسوق، ونحن بدورنا تفهمنا ذلك.

وأكد مالكولم أن العقد قد جرى تصميمه، وانه لا يوجد أدنى شك بأن البورصة تعمل على إطلاقه في التوقيت الذي يشعر فيه المتعاملون المحتملون بأنهم راغبون في استخدامه ولكن من الصعب التكهن بالتوقيت الذي يكون فيه المستخدمون المحتملون موافقون على إدراج مثل هذه العقود، وأشار إلى أن البورصة قامت بزيادة وعي ومعرفة المشاركين في السوق بهذا المنتج الجديد.

لا خطط لعقود الغاز الطبيعي

نفى مالكولم وول موريس أن يكون لدى البورصة أي خطط لإدراج عقود الغاز الطبيعي المسال أو بناء مستودعات لتخزين الغاز الطبيعي المسال، مشيراً إلى أنه ربما يكون لدى مركز دبي للسلع المتعددة خططاً بهذا الخصوص، بيد أنه لم يسبق لبورصة دبي للذهب والسلع أن أعلنت بأنها تخطط لإطلاق عقود آجلة للغاز الطبيعي المسال.

وقال في معرض رده على سؤال بشأن إمكانية إعادة تعديل عقود الفضة الآجلة ان البورصة تتابع كل العقود المدرجة فيها، وتتابع أدائها على نحو متواصل ومستمر وذلك من خلال الحوار مع المستثمرين والمتداولين لرؤية ما إذا كانت العقود تخدم أغراضهم واحتياجاتهم.

وقال إن البورصة تقوم بإدخال تعديلات عندما يستدعي الأمر ذلك، على غرار الحال بالنسبة للتعديلات التي جرى إدخالها على عقود الروبية الآجلة في نهاية العام الماضي، وهو مثال جيد يوضح كيفية عمل البورصة في التعاون مع المتداولين لضمان أنه يجري إدراج المنتج المناسب في الوقت الصحيح.