أصبحت الصفقات العقارية تبرم في السوق العقاري على مستوى الدولة عموماً ودبي على وجه الخصوص على إيقاع ملامح انتعاش يتشكل بعيداً عن تداعيات الأزمة العالمية. ويمكن ملاحظة بأن عددا محدودا من شركات التطوير العقاري الجادة بدأت بخطوات واثقة وهادئة لمغادرة سياساتها القديمة التي أملتها الظروف، ولم تخضع للتقييم وظهر بأنها «ناجحة» طالما كانت تتلاءم وطبيعة السوق قبل عامين. وتتميز السياسات الجديدة بشموليتها وتنوعها ومرونتها واحتوائها على خطط طوارئ وأخرى لإدارة المخاطر فيما يتعلق بنوعية المشاريع العقارية المخطط لها.

جاء ذلك في تقرير أعدته شركة دايموند ديفلوبرز ومقرها دبي، وحمل عنوان (التنويع الاستثماري يحمي وينعش صناعة التطوير العقاري). لكن التقرير انتقد ما وصفه ب( بتوجه نسبة كبيرة من شركات التطوير العقاري في القطاع الخاص نحو بناء مشاريع السكن والمكاتب خلال الطفرة العقارية دون الالتفات أو الاهتمام لمشاريع التعليم والصحة والتقنية والفندقة). وأوضح التقرير: بأن الشركات العقارية الرئيسية أو بعض الشركات العائلية نجحت إلى حد كبير في تنويع محافظها الاستثمارية في السوق العقاري وقامت بتطوير مشاريع لا تقتصر على السكن والمكاتب وتتعداها إلى عقارات متعددة الاستخدامات وتبدأ بتجارة التجزئة وتنتهي عند الفنادق وأصبحت اليوم تحصد ثمار ذلك التنوع عبر تشغيل تلك المرافق - التعليم والسياحة والصحة والتقنيات - للتقليل من تأثيرات تراجع عمليات بيع الوحدات السكنية والمكتبية.

أسباب ونتائج

وقال المهندس فارس سعيد رئيس مجلس إدارة دايموند ديفلوبرز التي أعدت التقرير بأن : جني الأرباح كان المحرك الأساسي لخطط وتوجهات تلك الشركات لذلك لم يكن هناك أكثر من مشاريع السكن والمكاتب بنوعيتهما الفاخرة والعادي أي قنوات أخرى توفر تلك الأرباح التي وصلت إلى مستويات قياسية بسبب تنامي الطلب في سوق ناشئ.

ويضيف سعيد : لقد تغير الوضع الآن. وبالنسبة لمن يريد من المطورين الاستمرار في السوق فعليه التفكير بتنويع استخدامات المشاريع التي ينوي تطويرها أو تلك التي أنجزها ولا تتطابق مبيعاتها مع مستوى الآمال التي سبقت التفكير في تطويرها.

وأكد سعيد بأن : الكيفية والمكان اللذين يتم فيهما الإنفاق يعتبران من الأساسيات، فإذا اختار المطور البقاء في موقع المشاهد أو المراقب على أمل عودة السوق إلى ما كان عليه في 2006 و 2007 فعليه أن يعلم بأنه سينتظر طويلاً جداً وربما يصاب بخيبة أمل كبيرة.

أما الاستثمار في التنوع في إطار المستقبل، أي في مجال التعليم والصحة والتقنيات والسياحة فإن مستقبل أعماله يبدو مشرقا للغاية. لكن إذا لم يكن الأمر كذلك بالنسبة لأولئك المطورين وقرروا البحث عن تحقيق مكاسب على المدى القصير، كما كان الحال في الماضي، فهم عرضة للوقوع في فخ الخسائر والإحباط.

وأشار سعيد إلى أن الوقت الحالي مناسب جداً للتنويع لاسيما وأن سوق العقارات قطع شوطاً كبيرا في التحول من أيادي المضاربين إلى تقديم الخدمات للمستخدمين النهائيين.

موانع

وتتطلع الشركات العقارية في دبي بشكل متزايد لزيادة الوسائل المتاحة للمشترين المحتملين، ولتنويع المنتجات التي تقدمها، بينما يكمل سوق العقارات التحول من سوق تحركه المضاربة إلى تقديم الخدمات للمستخدمين النهائيين.

وأضاف التقرير إلى ان مجريات السوق تدعم الإجماع على صحة حركة التصحيح الحالية في أسعار العقارات والتي بدأت بالاستقرار فعلاً لذلك تبخر الخلاف حول توقيت ومدى هذا التراجع. وأصبح من الواقعي البدء بتفحص القطاعات التي تعرضت إلى التأثر بشكل أكثر من غيرها وتلك التي أثبتت بأنها منيعة ومحصنة تجاه التباطؤ الذي يرافق أداء السوق خلال النصف الأول من 2009.

تقول الدراسة بأن قطاع السكن الفاخر تأثر كثيراً لأنه خاطب فئة محدودة أقل بكثير من المعروض، يليها العقار المكتبي. فيما نجت العقارات السياحية وعقارات التجزئة من التأثر على نحو لم يكن مفاجئاً لأن المطورين صمموهما ليكونا قنوات استثمارية داعمة تحت عنوان التنوع الاستثماري.

مستويات الأسعار

ويقول التقرير بأن المستثمرين يحاولون الآن العثور على معدل السعر العادل في سوق العقارات، ولكنهم قد يوقفون عمليات البحث اذا ما عثروا على عقارات في اطار مشاريع متعددة الاستخدامات وبأسعار معقولة فهذه بالنسبة لهم تمثل قيمة مضافة.

وقد بدأ المحللون يلاحظون بأن عوامل معينة باتت تؤثر في أسعار العقارات وتعود بها إلى مستويات أثمانها السابقة، لاسيما تلك التي تقع على مقربة من أماكن الترفيه وشبكة مترو دبي التي توشك أن تُفتتح.

فبالإضافة إلى محركات أسعار العقارات القائمة على الموقع والإطلالة ونوعية التشطيب. فإن العوامل البيئية الآن باتت مؤثرة جداً في القرار النهائي للمستهلك(مشترياً كان أم مستأجراً). فعلى سبيل المثال يتم تأجير بعض الوحدات القريبة من خطوط الكهرباء عالية الجهد بأسعار أقل من وحدات مماثلة تقع بعيداً عن مصادر الطاقة». بينما ينظر المستخدم النهائي إلى الصفات الفردية فإنه يصبح من الصعب على المحللين توقّع أنماط القطاع بشكل قاطع.

وبينما يتوقع ملخص خريطة الأسعار مزيداً من الانخفاض في متوسط الإيجارات خلال الربع الثالث من عام 2009 فإنه يشير إلى «وجود دلائل على استقرار مستويات الإيجارات، وأن بعض أصحاب العقارات لا يزالون يشهدون طلباً قوياً على المنازل المعروضة للتأجير ذات الجودة العالية في مواقع ممتازة».

ارتفاع محدود

هناك توجّه مماثل من حيث المبيعات، فمشاريع الفلل الأصغر حجماً ذات كمية العرض المحدودة والتي بدت قيمتها جيدة بين المستخدمين النهائيين فيما يتعلّق بالموقع والتصميم وجودة البناء والمرافق، هي ضمن المشاريع التي تشهد عمليات بيع سريعة وفي بعض الاحيان تشهد زيادات في الأسعار.

مع ذلك فلا تزال المشاريع الكثيرة التي لا تحمل سمات مميزة تشهد انخفاضاً في الأسعار، سيما مع الانخفاض الملموس في المشاريع المعتمدة على الشقق، التي أصابتها المعاناة بسبب كمية العرض التي سيتم تداولها في السوق في عام 2008 و2009.

ولفت التقرير إلى أن البيع الإجباري أو الاضطراري تحت وطأة الديون أو ضعف الملاءة المالية للمشتري بدأت بالتراجع حيث إن البائعين يسحبون الوحدات التي لا تُباع بالأسعار المطلوبة.

وهناك أيضا وجهة نظر مفادها أن العديد من شركات التطوير العقاري التي التحقت بالطفرة العقارية لم تكن آبهة كثيراً للمخاطر بعكس الشركات التي دخلت الدورة في مراحلها المبكرة، وذلك لأن الطفرة العقارية مع تطورها تجتذب المزيد من الشركات المطورة التي تعتقد أن بإمكانها تكرار النجاح نفسه الذي صادفه الأوائل، وأصبحت اليوم «صادقة» وهي تدعي بأنها ليست قادرة على تسليم مشاريعها في الوقت المحدد لأسباب خارجة عن إرادتها.

ويشير التقرير إلى ان تاريخ الطفرات العقارية في العالم يؤكد بما لا يقبل الشك بأن المراحل الأخيرة من أي طفرة عادة ما تستقطب رجال أعمال غير محترفين ويفتقدون إلى الكثير من المواهب باستثناء سعيهم لتحقيق مكاسب سريعة، وهؤلاء عادة ما يلجؤون إلى الترويج لمشاريع بالاستناد إلى نجاحات شركات تطوير أخرى سبقتهم، لتكون النتيجة في الأزمات اختفاءهم والتعبير باستغراب عن أسباب تدفق المال لمشاريعهم.

ولذلك فان الخطوة الأولى لتفادي المشكلات بالنسبة للبعض المطورين في القطاع الخاص تكمن في إعادة دراسة السوق ومتطلبات المشترين والمستثمرين على نحو دقيق وشامل.

أما الخطوة الثانية فهي في تجنب الاستثمار في أماكن يكون فيها فائض المعروض من الوحدات السكنية حتمياً.

ولفت تقرير دايموند ديفلوبرز بأن بالإمكان وبشكل قاطع القول بأن دبي تقوم ببناء العدد المناسب من الوحدات السكنية لتلبية الطلب الحالي المستقبلي في السوق، ولكن من الصعب إشباع الطلبات بالعدد الحالي من الشقق الفخمة التي يتم تشييدها الآن، وهذا الأمر يمكن آن يوفر فرصة للشراء في المستقبل ولكن ليس الآن.

لكن التقرير أشار إلى رأي مضاد مفاده ان العائد ألتأجيري على الشقق كان قبل عام يتراوح بين 8 و 10% وقد تراجع الآن إلى 8% وهو ما يعتبر مغرياً بالنسبة إلى المستثمرين، ولكن يجب عدم إغفال حقيقة ان تراجع الإيجارات في إطار حركة التصحيح الحالية- فان هذا العائد ألتأجيري يمكن أن يهبط وبشدة بشكل يؤثر حتما على القيم الرأسمالية للعقار.

ومن ناحية أخرى، تعتبر الفلل أداة استثمارية أفضل، إذ إن عددها قليل نسبياً مقارنة مع الشقق، كما ان المواقع السكنية المميزة في تضاؤل مستمر، ولكن العائد التأجيري تعرض لضغوط بسبب ارتفاع الأسعار الناجم عن التمويلات العقارية ذات التكلفة الزهيدة للفلل.

وحتى الآن لا ينبغي ان يسود الهلع والتفكير ان السوق العقاري سينهار. فالمنازل ضرورة حياتية وغير قابلة للتسييل، ما يحول دون انهيارات كبيرة في الأسعار. كما ان المنازل تحمي رأس المال من موجات التضخم وتراجع قيمة العملات، إضافة إلى أن العقار يبقى خياراً استثمارياً من الدرجة الأولى على المدى البعيد حتى لو فشل في كونه خياراً استثمارياً على المدى القصير.

ويبقى التنوع الاستثماري بالنسبة للمطورين في الخاص الحصن الجديد الذي يؤهلهم لحماية منجزاتهم السابقة وتقويتها في الوقت الراهن ومستقبلاً.

دبي ـ «البيان»